برامج تلفزيونية تدخل حمّى الانتخابات النيابية كلٌّ على طريقته

استُحدثت على الشاشة الصغيرة مواكبةً للمناسبة

رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق
رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق
TT

برامج تلفزيونية تدخل حمّى الانتخابات النيابية كلٌّ على طريقته

رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق
رئيس الحكومة سعد الحريري مفتتحاً الحلقة الأولى من برنامج «لوين واصلين؟» مع مقدته ديما صادق

هي برامج تلفزيونية بالجملة استُحدثت قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية بنحو الشهرين، ليصح القول فيها إنها «بزنس» من نوع آخر. فكما «دق الجرس» الذي يعرض مساء كل أحد على شاشة تلفزيون «إم تي في»، كذلك برنامج «سيد نفسه» الذي يعرض مساء الأربعاء من كل أسبوع على قناة «الجديد». أمّا المؤسسة اللبنانية للإرسال فحقّقت نقطة إضافية في هذا الصدد عندما استحدثت برنامجين جديدين على شاشتها أحدهما يحمل عنوان «تحصيل حاصل» والآخر «لوين واصلين؟»، ويعرضان مساء الخميس من كل أسبوع. فيما لجأت قناة «المستقبل» إلى محطة يومية تواكب هذا الحدث تحت عنوان «انتخابات نيابية 2018». من ناحيته لم يفوت «تلفزيون لبنان» صاحب الخطوات البطيئة في تحديث برامجه، هذه الفرصة، إذ باشر هو أيضاً في عرض برنامج «انتخابات 2018»، ابتداءً من 9 الجاري حتى 4 مايو (أيار)، ليستضيف كما أعلن وزير الإعلام ملحم رياشي، كل المرشحين الرّاغبين في الترويج لحملاتهم الانتخابية مجاناً وبالتنسيق مع هيئة الإشراف على الانتخابات.
وبذلك استطاع معظم الشّاشات المحلية استقطاب شرائح مختلفة من المشاهدين الذين سيختارون البرنامج التلفزيوني الجاذب ووقت بثّه المناسب لهم. وفي الوقت عينه، سيتاح لهذه الشرائح التنقل من شاشة إلى أخرى بواسطة جهاز التحكم الذي باستطاعته أن يخطف اهتمام مشاهد من محطة ما إلى أخرى في ظرف ثوانٍ قليلة في حال أصابه الملل من مشاهدة برنامج معين.
ويعد «دق الجرس» الذي أطلقته شاشة «إم تي في» في أواخر فبراير (شباط) الماضي، أحد البرامج التي حققت نجاحاً واسعاً بعد أن كان السباق في تناول المرشحين للانتخابات النيابية في قالب جديد، تم استيحاؤه من آخر فرنسي ساهم في رفع شعبية الرئيس الفرنسي ماكرون عندما أطل فيه قبيل موعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا. ويجري خلاله عدد من تلامذة المدارس الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة، مقابلة شخصية سياسية أو عامة، يطرحون عليها أسئلة تدور حول حياتهم الخاصة وإنجازاتهم وأدائهم في مهنتهم، وما إلى ذلك من أسئلة تراود عادةً ذهن المشاهد، ويتمنّوا أن يلاقوا جواباً شافياً لها من قبل هذه الشخصية أو تلك. وفي النسخة اللبنانية من «دق الجرس» تم إعداد صف مدرسة مماثل للتركيبة اللبنانية، يجتمع تحت سقفه تلامذة مدارس من مختلف المناطق والطوائف اللبنانية ومن خلفيات اجتماعية وثقافية متباينة. وكان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري قد افتتح أولى حلقات هذا البرنامج ليتلوه بعدها عدد من السياسيين أمثال مروان حمادة وجبران باسيل وعناية عز الدين وإيلي الفرزلي وسامي الجميل.
ومن موقع الإعلامية التي تعرف خبايا المجتمع السياسي وكواليسه في لبنان، تنطلق سمر أبو خليل في تقديم برنامجها الحواري «سيد نفسه» على قناة «الجديد» الذي يصبّ أيضاً في مصلحة المرشحين إلى النيابة، ويروّج لهم من خلال إلقاء الضوء على وجههم الإنساني والاجتماعي الذي قلّما يتم التطرق إليه في البرامج التلفزيونية الحوارية. فهذه الأخيرة عادةً ما تستضيفهم ليتحدثوا في الأمور السياسية وبالكاد تتناول حياتهم الشخصية.
وفي «انتخابات نيابية 2018» الذي يعرض يومياً على شاشة «المستقبل»، يطل علينا برنامج يتناول الانتخابات النيابية بامتياز، بحيث يحاور مقدموه مهى ضاهر وشربل عبود ضيوفهما من إعلاميين وسياسيين ومحللين إضافة إلى خبراء، ليضعوا المشاهد على بيّنة من طبيعة عملية الانتخابات النيابية بقانون النسبية.
وفي الإطار نفسه وإثر مغادرة الإعلامي مارسيل غانم قناة «إل بي سي آي» لينتقل إلى أخرى (إم تي في)، وكي لا يُحدث توقف برنامجه «كلام الناس» فراغاً على شبكة برامج «المؤسسة اللبنانية للإعلام» بعدما كان يحصد نسبة مشاهدة عالية مساء كل خميس، قرّرت إدارة «إل بي سي آي» استحداث برنامجين تلفزيونيين مرة واحدة للحفاظ على مشاهديها من ناحية ولمواكبة موسم الانتخابات النيابية على طريقتها من ناحية ثانية. ويحمل البرنامج الأول الذي يقدمه هشام حداد اسم «تحصيل حاصل» الذي يدفع المشاهد إلى دخول عملية الانتخابات النيابية عن معرفة، بحيث يشرح بإسهاب طبيعة القانون الانتخابي الجديد (قانون النسبية)، كما يعرّفه أيضاً من خلال استضافته نماذج مختلفة من الشباب اللبناني والمسؤولين عن الأحزاب وعن الرؤية المستقبلية التي يتطلعون إليها في هذا المجال. وعلى الرّغم من أنّ حداد اشتهر في تقديم برامج وأعمال سينمائية ومسرحية كوميدية ساخرة، فإنه استطاع أن يحقّق نقلة نوعية في هذا البرنامج بعد أن تحوّل من التهريج إلى الجدية في الحوار، مستخدماً حنكته وخفة ظله لكسر الرتابة التي عادةً ما تسود هذا النوع من البرامج التوعوية ذات الطابع السياسي. وردّ حداد على الذين شنوا هجوماً عليه وانتقدوا حلوله مكان مارسيل غانم، أحد أهم مقدمي الـ«توك شو» السياسية على الشاشة اللبنانية، بأنّه لا يحل محل أحد، وبأنّ البرنامج يتألف من 4 حلقات فقط تُعرض على مدى 4 أسابيع، وبأنّه يعنى بالانتخابات وبمعاركها في مختلف المناطق. وأضاف حداد: «البرنامج ليس كوميدياً، ومن يعرفني جيداً يعرف أنّ السياسة مهنتي بقدر الكوميديا (إذا مش أكتر)». وتابع: «ما حدا يسب هلق وينتقد ولا حدا معقد يعمل ريتويت لناس عم تسبني... حضروا الخميس واحكموا».
وفي «لوين واصلين؟» الذي يندرج على لائحة البرامج الحوارية السياسية، ولكن بقالب عفوي وطرح جديد وكاميرا سريعة، يتابع المشاهد وعلى الشاشة نفسها (إل بي سي آي) في ساعة متأخرة من مساء الخميس، لقاءات مع شخصيات سياسية مطبوعة بالتلقائية السائدة ما بين مقدمته ديما صادق وضيفها. وكان الإعلان عن عرض هذا البرنامج في حلقته الأولى التي تستضيف سعد الحريري، قد قوبل بحملة على المؤسسة اللبنانية للإرسال تتهمها بسرقته من آخر أميركي بعنوان «carpool karaoke» لمقدمه جايمس كوردن، من دون الحصول على الحقوق الرسمية لملكيته الفكرية. إلا أنّ الرّد جاء واضحاً من مقدمته التي غرّدت على حسابها الخاص على موقع «تويتر» تقول: «الحلقة ستُعرض في موعدها (مساء الخميس)، وإنّ كل ما قيل عن منع عرض الحلقة لن يصل إلى نتيجة. فهو ليس نسخة سياسية من البرنامج الفني (carpool karaoke)، فالضيف لا يغني ومن هنا تنطلق قناة (إل بي سي آي) بموقفها القوي قضائياً».
وتقف صادق وراء إنتاج هذا البرنامج إلى جانب الإعلامي سلام الزعتري. وتردّد بأنّه لم يكن معداً لعرضه على شاشة تلفزيونية بل على مواقع التواصل الاجتماعي، وبأنّه يأتي من ضمن سلسلة مشاريع يعدّها الزعتري المعروف عنه تشجيعه للانتقال إلى عصر برامج «أونلاين».



مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».