علي زيدان: ليبيا اختارت المسار الديمقراطي وتستطيع التغلب على صعاب المرحلة الراهنة

رئيس الوزراء الليبي يقول لـ {الشرق الأوسط} إن الحل التفاوضي فشل.. والدولة ستستعيد السيطرة على المرافق النفطية بالقوة إذا لزم الأمر

علي زيدان
علي زيدان
TT

علي زيدان: ليبيا اختارت المسار الديمقراطي وتستطيع التغلب على صعاب المرحلة الراهنة

علي زيدان
علي زيدان

قال علي زيدان، رئيس الوزراء الليبي، إن حكومته ستعمد منذ اللحظة التي تصبح فيها جاهزة إلى إعادة فرض سيطرة الدولة على المنشآت النفطية والغازية في البلاد «بالقوة إذا اقتضى الأمر» من غير إعطاء مهل إضافية لأي أحد لأن المهل لم تنفع و«لن يكون هناك إمهال جديد».
وأفاد زيدان، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» بمناسبة وجوده في باريس للمشاركة في القمة الفرنسية - الأفريقية، إن الإنتاج النفطي معطل بنسبة أربعة أخماس، وإن الدولة الليبية تعيش على رصيدها. لكنه وعد بأن تعود العائدات النفطية قريبا.
وأكد رئيس الوزراء الليبي أن لا خوف على وحدة البلاد من المطالب الفيدرالية أو الجهوية، معتبرا أن أكبر تحديين تواجههما حكومته هما السلاح بأيدي الميلشيات ووجود مجموعات دينية جهادية مسلحة ومن جنسيات مختلفة.
وشرح زيدان الخطة التي تطبقها الحكومة للانتهاء من حكم الميليشيات، داعيا إلى إعطائها الوقت الكافي لأنها بصدد إنشاء جيش وشرطة وجهاز إداري بعد «التدمير الممنهج» الذي اعتمده نظام العقيد معمر القذافي. وتوجه زيدان لليبيين بالقول إن الأوضاع الأمنية في البلاد وأوضاع الإدارة ستتحسن في الأشهر الثلاثة المقبلة.
وفيما يلي نص الحوار:
* هل لديكم مخاوف على وحدة ليبيا فيما تتزايد المطالب الفيدرالية والنزاعات الجهوية والمناطقية؟
- لا توجد مخاوف على وحدة ليبيا. هي في مأمن من الانفصال والفيدرالية لأن من رفع راية الفيدرالية فئة قليلة من منطقة برقة (المنطقة الشرقية) وهي فئة محدودة جدا. صحيح أن أبواب الإعلام ومنها الفضائيات فتحت أمامها وما يسمع فيها يمكن أن يكون له تأثير مباشر على فكر العامة والجمهور. لكن أؤكد لك أنه لا توجد في ليبيا مخاطر على وحدتها ولا من قيام الفيدرالية لأن من قدموا خيار الفيدرالية لم يكونوا بقدر من الأهلية حتى يقنعوا الليبيين بأفكارهم. لقد حاولوا تسويق فكرتهم. بيد أنه كان لها أثر سلبي إذ عرف الليبيون أن من يروجون لهذه الفكرة ليسوا ذوي قدرة أو رؤية أو فكر يؤهلهم لأن يقوموا بهذه المهمة وأن يقودوا البلاد إلى الفيدرالية.
* ولكن ما هي الدوافع العميقة لدعاة الفيدرالية؟
- الدوافع مختلفة منها الشخصي إذ أن هناك فئات انتهازية وأخرى رسخها الجهل وغياب العمل السياسي إذ علينا ألا نتجاهل أن السياسة غابت عن الفكر والممارسة الليبيين لفترة طويلة. كما أن هناك رؤى لأناس ينتمون لأطراف المجتمع القبلي ويريدون من خلال هذه الطروحات إيجاد مكان لأنفسهم. وباختصار هناك طموحات شخصية وطموحات لمجموعات. ولدينا قناعة بأن هذه الأفكار لم ترق لإقناع حتى واحد في المائة من الشعب الليبي بمشروع الفيدرالية.

* الميلشيات المسلحة

* بعد أكثر من عامين ونصف عام على سقوط نظام القذافي، ما زالت ليبيا تعاني من مشاكل أمنية مختلفة ولم تستطع الحكومة حتى الآن الإمساك بالوضع الأمني في الشرق والغرب والجنوب، في الداخل وعلى الحدود. لماذا هذا التأخر؟ وما هي كلمة السر في ذلك؟ لماذا لم تنجحوا حتى الآن في فرض هيبة الدولة؟
- ليست هناك كلمة سر بل واقع يعرفه الجميع. الكثير من النخب العربية نظرت «في الماضي» إلى نظام القذافي على أنه نظام قومي، ثوري وتقدمي. وكانوا يتعاطون مع ليبيا من زاوية ما يدفع من أموال لممالأة القذافي والترويج لنظامه. ولكن الحقيقة أن ليبيا عاشت 42 سنة من التدمير الممنهج المركز الذي طال الإنسان في عقليته ونفسيته وتعليمه وصحته وعمله وأدائه، فأصبح إنسانا اعتراه الكثير من الدمار. أما الأمر الآخر فهو أن فترة الـ42 عاما غيبت ليبيا كلية عن العالم فأصبحت دولة معزولة. وكل ذلك أفضى إلى وجود بلد مدمر وما زاد في تدميره الكيفية التي حصلت فيها الثورة الليبية والتي أيضا أحدثت الكثير من الدمار وأوجدت وضعية سيئة بسبب انتشار السلاح في أيدي الناس، المؤهل أو غير المؤهل. وأنا لا أعتقد أن هناك أحدا مؤهلا لحمل السلاح إلا من تأهل لذلك بقوة القانون سواء كان في إطار الجيش أو الشرطة. ولا بد أن نضيف «لعوامل الإرباك» الحالة النفسية التي ترتبت على الثورة وما نتج عنها. ولذا، فإن كل هذه الأمور، المربوطة ببعضها البعض، أفضت إلى هذه الوضعية.
أنا كشخص عرفت هذا المشهد من داخله ومارست إدارته وما أراه حاصلا الآن أقل مما كنت أتوقع. رغم الصعوبات، نحن حققنا نجاحات كثيرة. فقد حافظنا على وحدة ليبيا ونجحنا في المحافظة على الثورة وحمايتها من أي اندحار. ولا يتعين أن يغيب عن ذهننا أن ليبيا دولة محاربة من المجموعات الإسلامية التي اجتاحتها بالسلاح والأفكار الجديدة المتطرفة التي الآن تشكل تحديا كبيرا للحكومة والشعب الليبيين.
أنت تعلم أن ليبيا، منذ بداية الثورة، رسا خيارها على الديمقراطية في بيئة متموجة يغلب عليها الاستقطاب والتمحور السياسي. وواضح أن خيارا كهذا هو بمثابة تحد لا تتوافر له إمكانيات النجاح والاستمرار. لكن الليبيين أصروا عليه ويحاولون أن يسيروا في هذه الظروف الاستثنائية بالديمقراطية وأدواتها. وهذا أيضا من العوامل التي جعلت الأمور تتقدم ببطء. ورغم ذلك وما أريد أن أؤكده لك أن الإرادة الليبية التي أخرجت أهل بنغازي ليقولوا للكتائب «المسلحة» لا وليواجهوها بصدورهم العارية والتي أخرجت جماهير طرابلس لتواجه الكتائب حيث قتل نحو خمسين شخصا في ظرف ساعة واحدة، من أجل أن يقولوا لا للكتائب ولا للسلاح، ونعم لدولة القانون واستقلال القضاء ولدولة الحقوق والحريات الأساسية. هذه القوى الكامنة التي تتفجر من وقت لآخر في ليبيا، أراها قادرة على اجتياز الظروف الصعبة.
نحن كحكومة تسلمنا الواقع الجديد وليس لدينا جيش أو قوى أمنية وليست لدينا إمكانيات السيطرة على الشارع. ونحن الآن ومنذ أكثر من سنة نجهد ونقاوم رغم أن الأمور وصلت إلى حد اختطاف رئيس الوزراء وإلى احتجاز رئيس الدولة أي رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) ويطلق عليه الرصاص. ورغم ذلك ما زلنا عند إصرارنا والاستمرار في العمل للوصول إلى الهدف المنشود.
كل هذه المؤشرات تدل على أنه في هذا الوطن إرادة قادرة على تجاوز الواقع. الإشكالية الآن عند الكثير من الناس أنهم يتفرجون على ليبيا فرجة مشاهد المسرح. يريد أن يرى المشهد الذي يحلم به في ذهنه ونحن نعيش في هذا المسرح ونمارس عمليا الأدوار ونعرف المدى الذي نكافح فيه ونكابد من أجل أن نصل إلى تحقيق النجاحات.
* ما الذي ينقصكم لتحقيق الأهداف التي تسعون إليها وأولها الأمن؟ هناك رغبة شعبية بوجود الدولة وأجهزتها الأمنية والاستقرار. ما المطلوب لتكونوا قادرين للاستجابة لمطالب الشعب؟
- ما ينقصنا هو أننا لم نستطع بعد تكوين الدولة وسياجها أي الجيش والشرطة. ونحن بدأنا حقيقة بتكوينهما قبل أربعة إلى خمسة أشهر فقط. قبلها قمنا بمحاولات كثيرة. بيد أننا لم نستطع التوصل للهدف بسبب وجود إشكالية في موضوع قيادة الجيش وكان لدينا رئيس أركان لم ينجح في التقدم خطوة واحدة ثم حصل تغييره وجاء رئيس أركان جديد ولكن، إلى الآن، أداؤه ليس بالكيفية التي نتمناها. ولدينا وزير دفاع «جديد» منذ ثلاثة أشهر. إذن، نحن في مسار يقتضي منا أن يكون أداؤنا أداء ساسة من طراز خاص يقومون بمهامهم بكفاءة وجدارة. لكننا نشكو كذلك من جهاز إداري هزيل. واقتضت الثورة أن نستبعد الكثير من الموظفين الذين كانوا يعملون تحت النظام السابق بموجب قانون النزاهة. ثم جاء قانون العزل السياسي. ومن قام بالثورة يرى في ذلك ضرورة حتمية للمحافظة عليها. وبالتالي، هذا الأمر الذي نعيشه الآن هو أننا دولة ليس لديها جيش أو شرطة أو جهاز وظيفي قادر، وبالتالي نحن نحتاج لتدريب الجيش والشرطة وفي الوقت نفسه علينا أن نتوصل إلى تشكيل فريق إداري يقوم بتسيير شؤون الدولة. وكما ترى، كل ذلك معوقات إلى جانب المعوقات التي يسببها وجود السلاح في الخارج. نحن أشبه بمن يحاول إطفاء الحرائق في بيئة تشب فيها حرائق في كل مكان، وبالتالي نحن في مواجهة التعطيل. لكن أعود وأؤكد لك مجددا أننا وصلنا إلى المرحلة التي خرج الشعب بكامله ليقول للكتائب لا، وللمطالبة بالجيش والشرطة. وسنرى خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، إن شاء الله، تغيرا واضحا في المشهد الأمني في البلاد وفي عملية إدارة الدولة.
* هل يعني ذلك أنكم تعدون الليبيين بتغير أحوالهم خلال ثلاثة أشهر؟
- ليست هذه وعودا بل استقراء للواقع المعاش. أنا لا أستطيع أن أعد بل أن أبذل الجهد وأستقرئ الأمور وأن أتوقع. الوعود مسألة أخرى.
* هل وجدت حلا أو تصورا للميليشيات والمجموعات المسلحة المنتشرة في كل مكان بما في ذلك العاصمة طرابلس؟
- نحن الآن بصدد تفكيكها. تشكل لجان يوميا واليوم (أول من أمس) شكلت لجنة لتصفية الميليشيات أو المجموعات المسلحة في بنغازي. وقبل أيام شكلت لجنة في طرابلس ونجحت في إخلاء 12 مقرا للكتائب والعملية مستمرة. الحل في إخراج الميليشيات من المدينة ثم النظر في عملية تجريدها من السلاح ثم استيعاب أعضائها في صفوف الجيش والشرطة. ويوم السبت المقبل (اليوم) ستسافر دفعة من نحو 500 شخص إلى تركيا من أجل التدريب العسكري وبعدها ستسافر دفعة أخرى إلى إيطاليا. والآن، يعد نحو 700 شخص للتدرب في البلاد ثم بعد شهرين يرسلون إلى فرنسا للتأهيل في صفوف الشرطة. نحن نسير بخطة حثيثة في استيعاب الثوار في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وبعض المؤسسات المدنية. ومن جانب آخر نسعى لنزع السلاح من الميليشيات. واضح أن كل هذه المسائل تحتاج إلى وقت. أذكر أن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين جاءنا في بداية فبراير (شباط) الماضي وأول كلمة قالها هي أنه علينا التحلي بالصبر وينبغي أن نقيس الزمن بوحدة قياسنا وليس بوحدة قياس العالم الآخر وما يقوم به الآخرون في يوم واحد، نحن نحتاج لإنجازه شهرا كاملا لأن ظروفنا صعبة. وحقيقة نحن نعيش هذه الظروف ونحاول برؤية واقعية أن نتجاوزها. صحيح الشعب مستعجل ولكن الوقت عامل أوجد في هذا الكون ولا نستطيع أن نتجاوزه إلا بمقدراتنا.
* أنا أفهم الصعوبات التي تواجهونها وكما عرضتموها. ولكن، في تصوركم، ما هو الخطر الداهم الذي تواجهه ليبيا اليوم؟ هل مجموعات أنصار الشريعة؟ هل المجموعات السلفية؟ هل المطالب الجهوية؟
- وجود السلاح خارج أيدي الجيش والشرطة هو الأخطر. وفي المقام الثاني هناك وجود مجموعات يمكن تسميتها دينية أو متطرفة أو سمها ما شئت، هي متوزعة في البلاد، أعدادها غير معروفة ومن جنسيات مختلفة، وهي متمركزة في أماكن معروفة من قبل الدولة وهي تمتلك السلاح. وهذه بالطبع تمثل خطرا. والأمور الأخرى، غير هذين الأمرين، طبيعية ولكنها تحتاج لوقت لتجد حلولا لها. لكنها ليست الخطر الأكثر ضررا على البلاد.
* قبل يومين، كنت في بنغازي ودرنة ووعدت بإدخال قوات الجيش سريعا إليهما. متى سيجري ذلك؟
- لقد صدرت الأوامر لوزارة الدفاع ولوزارة الداخلية من أجل إدخال الجيش والشرطة لبنغازي. الأوامر صدرت من الحكومة والمسألة الآن مسألة ترتيب ونأمل أن يحصل ذلك في أسرع وقت.
* هل في نهاية الأسبوع مثلا؟
- نأمل ذلك.
النفط والكهرباء
* لقد اشتكيتم أكثر من مرة من أن القطاع النفطي في ليبيا وهو العمود الفقري لاقتصادها رهينة فئات هنا وهناك وهنالك. كيف هو حال الصناعة النفطية الليبية اليوم؟
- الصناعة النفطية الليبية متوقفة تماما اليوم.
* أي لا وجود لعمليات تصدير بتاتا؟
- ربما نحن اليوم في خمس الإنتاج النفطي وبعض العمليات التصديرية. وهذه المسألة سببها خيانة حرس المنشآت النفطية الذين كلفوا بحمايتها وغدروا بالوطن واستولوا عليها.
أنت تعلم أنه يحكمنا مجتمع قبلي وتعقيدات اجتماعية. ورأى المؤتمر الوطني العام أن يعالج هذه المسألة بنفسه من خلال لجنة أزمة وأخذت هذه اللجنة فترة من الزمن وبعد ذلك أعيد الملف إلى الحكومة وهي الآن أعطت مهلة «للذين وضعوا أيديهم على الصناعة النفطية» وهي بصدد تجهيز نفسها لمواجهة هؤلاء الناس وإخراجهم.
* هل ستخرجونهم بالقوة؟
- إذا اقتضى الأمر، الجواب هو نعم.
* هل هناك مهلة زمنية، أو إنذار؟
- لا نستطيع أن نوجه إنذارا لأي أحد. ما تتجه إليه الحكومة هو أن تتوافر لها الجاهزية، ونأمل أن يكون ذلك سريعا وعندها ستبادر إلى هذا الأمر سريعا ومن دون إمهال إذ أننا أمهلناهم كثيرا ولن يكون ثمة إمهال جديد.
* يعني ذلك أن الحل التوافقي لم يعد مطروحا؟
- الحل التوافقي طرحناه كثيرا ومرارا ولكن هؤلاء الناس لم يرعووا. وهم يرون في موقفنا ضعفا من الدولة والحكومة، وضعفا من الشعب، وبالتالي نحن لن نتوانى عندما نجد أن الوقت مناسب في فرض إرادة الدولة على من يخالف القانون.
* هل تشعرون اليوم أن لديكم القوة الكافية والإمكانيات المادية والعسكرية واللوجستية لإعادة فرض سلطة الدولة على المنشآت النفطية؟
- ليس لنا خيار آخر. هذا من واجبنا ولا بد لنا من أن نقوم بهذا الواجب.
* كيف تعمل الدولة الليبية من غير عائدات نفطية؟
- نعمل بما لدينا الآن من رصيد ولكن نأمل أن تعود إلينا قريبا العائدات النفطية.
* وماذا عن القطاع الكهربائي وهو الآخر شبه معطل؟
- هذا متعلق بالنفط والغاز لأن المحطات الكهربائية إما تعمل بالديزل أو بالغاز وفي حال النقصان تتوقف الكهرباء ومن أوقف النفط أوقف بالفعل نفسه الكهرباء. حال الكهرباء ليست جيدة اليوم لكن الحد الأدنى متوافر.

* الدستور

* أين أصبح الدستور؟
- إجراءات انتخابات لجنة الدستور مستمرة على قدم وساق ومتى ستنتخب اللجنة سينتخب الدستور.
* متى انتخاب اللجنة إذا؟
- نأمل في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل. المؤتمر الوطني العام شكل الهيئة العليا للانتخابات وهي تمارس أعمالها وفق القانون الذي صدر بإنشائها. وهذه الهيئة هي التي ستدعو إلى انتخاب لجنة كتابة الدستور.
* هل هناك، وفق تصوراتكم، مهلة زمنية محددة ستعطى للجنة من أجل كتابة الدستور أم ستعمد إلى استشارات واسعة قبل ذلك؟
- هناك خارطة طريق موجودة وفق الإعلان الدستوري المؤقت الذي تدار به الدولة، والذي انتخب بموجبه المؤتمر الوطني العام وشكلت الحكومة وصدر قانون تشكيل المفوضية العليا للانتخابات ووضع قانون لجنة كتابة الدستور. نحن نلتزم بخارطة الطريق.
* متى تنتهي ولاية المؤتمر الوطني العام؟
- لم تحدد مهلة معينة للمؤتمر الوطني العام. ولكن هناك حرص من المؤتمر الوطني العام ومن الشعب في الانتهاء من المرحلة الانتقالية في أقرب وقت ممكن، وثمة رغبة وإرادة في تسريع عملية الانتخابات وكتابة الدستور لأن الجميع يريد أن يخرج من المرحلة الانتقالية والانتهاء من الاحتقان الموجود في الشارع.
* ما هو تعريف أقرب وقت ممكن؟
- نعني بذلك ألا يتجاوز فترة ستة أشهر أي حتى منتصف العام المقبل أو نهايته. حتى لو افترضنا أن الأمور ستمتد لنهاية العام المقبل فليس ذلك بالكثير لأننا نريد تأسيس شيء في خضم أزمة طاحنة وللمستقبل ونحن كأمة شرقية عربية ننسى أن الوقت عامل ينبغي أن يراعى ويعتبر، وننسى أن عملية الإتقان مسألة ضرورية ينبغي أن تراعى، وأن الوقت لا يمكن تجاهله وإغفاله. حماس الجماهير والثائرين شيء مهم ولكن تجاوز الحدود يفضي إلى الاندفاع. الأهم هو الحصول على منتج جيد وللمستقبل. ولو حدث أي انقطاع في المسار الانتخابي الآن وأردنا أن نعاود الأمور من جديد، لامتد الوقت ربما إلى ثلاث سنوات أخرى.
* لو أخذنا بالاعتبار ما أشرتم إليه، لماذا الإسراع في إعلان أن الدستور والقوانين ستستوحى من أحكام الشريعة الإسلامية؟ ما هي خلفية ما صدر عن المؤتمر الوطني؟
- الآن، هناك الكثير من المجموعات التي تقول إنها تريد تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. الشعب الليبي ليس مختلفا على ذلك والكل يقول إن الشعب الليبي مسلم مائة في المائة. ونحن جميعنا ليست لدينا مشكلة في أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع.
* لكن البيان يقول بـ«مصدر التشريع» وليس «المصدر الرئيس»؟
- ما يصدر عن المؤتمر الوطني العام إجراءات مرحلية آنية مؤقتة. عندما سيكتب الدستور وينتخب البرلمان وتشكل حكومة دائمة، فإن البرلمان سيكون صاحب الصلاحية في تعديل الدستور «وفق ما يراه». قضية كتابة الدستور تتطور مع الأيام وكل مرحلة لها مقتضياتها وظروفها قد تقتضي اتخاذ قرارات ولكنها قابلة للمراجعة في أي وقت وهي إذن غير نهائية. لكن أعيد وأؤكد أن الشعب الليبي بأكمله لا يرى مشكلة في أن يكون الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع لأن المنطق وطبيعة الأشياء تفترض ذلك. لكن أن نقول المصدر «الوحيد» للتشريع مسألة يختلف الليبيون حولها.
* قبل أسابيع حصل اجتماع في المغرب حول أمن الحدود في ليبيا. وأنا أذكر أن اجتماعا آخر سبقه في باريس بداية العام الجاري حول الموضوع نفسه علما بأن هناك شكوى من الغربيين ومن غيرهم حول انفلات الحدود في ليبيا. كيف تردون على من يطرح هذه المشكلة عليكم؟
- مسألة الحدود إقليمية ودولية تقتضي من الجميع التعاون من أجل التغلب عليها إذ أنها تتناول موضوع الهجرة غير الشرعية وتجارة المحرمات من أسلحة ومخدرات ورقيق. كل هذه المسائل ذات طابع دولي وهي بحاجة لتعاون جميع الدول. وليبيا تحتاج للمساعدة لوجستيا واستشاريا وجميع أنواع المساعدات لأنه إذا أراد الأوروبيون أن يحموا بلدانهم من الهجرة غير الشرعية وغيرها ينبغي أن يبذلوا جهدا ومالا من أجل أن نتعاون جميعا للتغلب على هذه المعضلة.
* ألم يستجيبوا لما تطلبه ليبيا؟
- الاستجابة تبقى من دون المستوى المطلوب.
* الفرنسيون يقولون: إنهم منفتحون على أي طلبات ليبية؟
- صحيح. لكن هذا الانفتاح ما زال من دون حاجاتنا.
* ماذا تريدون تحديدا؟ تجهيزات، معدات، تدريب، رقابة إلكترونية...
- المطلوب معدات وخبرات وتدريب وأموال، وتزويدنا بآلات عالية التقنية حتى نستطيع أن نتجاوب مع هذا الأمر.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.