3 رؤساء سابقين في 3 قارات تحت طائلة ملاحقة القضاء

رئيس جنوب أفريقيا السابق أثناء مثوله أمام المحكمة في دربان (أ.ف.ب)
رئيس جنوب أفريقيا السابق أثناء مثوله أمام المحكمة في دربان (أ.ف.ب)
TT

3 رؤساء سابقين في 3 قارات تحت طائلة ملاحقة القضاء

رئيس جنوب أفريقيا السابق أثناء مثوله أمام المحكمة في دربان (أ.ف.ب)
رئيس جنوب أفريقيا السابق أثناء مثوله أمام المحكمة في دربان (أ.ف.ب)

جاكوب زوما يمثل أمام المحكمة بتهم فساد وغسل أموال
بدا رئيس جنوب أفريقيا السابق جاكوب زوما متوتراً بمجرد دخوله قفص الاتهام، إلا أن الإجراءات بأكملها انتهت خلال 20 دقيقة فقط، بعد أن وافق القاضي على تأجيل الجلسة المقبلة حتى يونيو (حزيران) لمنح فريق دفاع زوما وقتاً لتقديم طلب إعادة النظر في قضية فساد في إطار صفقة أسلحة كبيرة قبل نحو 20 عاما. وزوما متهم بتلقي رشا من مصنع الأسلحة الفرنسي تاليس في صفقة بقيمة مليارات الدولارات أثناء توليه وزارة اقتصاد مقاطعة، ثم نائبا لرئيس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.
بدورها تواجه الشركة الفرنسية تاليس، التي قامت بتزويد سفن حربية في إطار الصفقة، اتهامات بالفساد. وزوما متهم بالحصول على ما مجموعه أكثر من أربعة ملايين راند (280 ألف يورو بسعر الصرف الحالي) سلمها إياه شبير شايك رجل الأعمال الذي كان مستشاره المالي.
وحكم على شايك بالسجن 15 عاما في 2005 في هذه الاتهامات، لكن تحقيقا واجه انتقادات حادة عام 2006 أدى إلى تبرئة زوما.
وكان في قفص الاتهام مع زوما أيضا، المتهم الثاني، كريستين غورييه ممثلة شركة تصنيع الأسلحة الفرنسية. وقال القاضي ثيمبا سيشي: «تم تأجيل هذه القضية إلى الثامن من يونيو وهو تاريخ مؤقت، على أن يتم إطلاق سراح المتهمين أمام المحكمة بعد تلقي تحذيرا».
ويمثل تحول زوما من «السيد الرئيس» إلى «المتهم رقم واحد» في أقل من شهرين انتكاسة كبرى للرجل البالغ من العمر 75 عاما، والذي شاب حكمه للبلاد لمدة تسع سنوات ركود اقتصادي وخفض التصنيف الائتماني.
وقال زوما، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، إن الاتهامات وراءها دوافع سياسية وإن بعض زملائه السابقين في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي قرروا بالفعل أنه مذنب. وأكد محاموه أمام المحكمة الجمعة أن موكلهم سيستأنف قرار محاكمته، وهذه خطوة جديدة ضمن معركة قضائية طويلة لإسقاط التهم وتجنب محاكمة يمكن أن تنتهي بقرار سجنه.
وفي المحكمة هتف مؤيدوه باسمه فيما كانت الجموع في الخارج تغني تأييدا له. وقال زوما، الذي أجبر على الاستقالة في فبراير (شباط) تحت ضغط من حزبه، للحشد المجتمع في اليوم الأول من محاكمته، إنه تعرض للاضطهاد بسبب السياسة وإن اسمه يتم «تدنيسه في الوحل»، وفقاً لترجمات قناة «نيوز 24» لتصريحاته. وغادر زوما الذي كان يحيط به عدد كبير من الأشخاص قاعة المحكمة ليخاطب أنصاره في الخارج، قائلا إن التهم «ذات دوافع سياسية».
وقال أمام حشود تطلق هتافات «أنا بريء حتى إثبات الذنب، لكن هناك أشخاص يريدون معاملتي كمذنب».
وألقى زوما بكلمته أمام الحشد بلغة الزولو، وهي لغته الأولى ولغة مؤيديه في ديربان.
ثم أدى أغنيته ورقصته المميزة، وغنى أغنية ثورية قديمة بعنوان «أعطني رشاشي»، وسط صيحات كثير من مؤيديه في الحشود دعما له.
وأقال حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم زوما من منصبه في فبراير الماضي لأسباب، أهمها القضايا القانونية المرفوعة ضده وفضائح الفساد التي يواجهها.
ونأى الحزب بنفسه عن رئيسه السابق. وتعهد خلف زوما، الرئيس الحالي سيريل رامابوزا بالقضاء على الفساد في الحكومة، مشيرا إلى أن ذلك يمثل مشكلة خطيرة.
وفي عام 2007، تم توجيه 16 تهمة إلى زوما تتعلق بالابتزاز والفساد وغسل أموال والاحتيال. وتم إسقاط التهم، المرتبطة بـ783 تهمة، قبل توليه الرئاسة عام 2009. وبعد سنوات من الطعون القانونية، قررت هيئة الادعاء الوطني الشهر الماضي أن محاكمة زوما ضرورية.

حبس رئيسة كوريا الجنوبية السابقة 24 سنة في 16 اتهاماً بالفساد
أدانت محكمة كورية جنوبية أمس الجمعة الرئيسة السابقة باك جون - هاي في 16 اتهاما بالفساد، بما في ذلك إساءة استخدام السلطة والرشوة وتسريب أسرار الدولة وأصدرت حكما بسجنها 24 عاما في فضيحة كشفت شبكات من الفساد بين زعماء سياسيين وكبرى الشركات في البلاد. ونقلت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء عن القاضي، كيم سي يون قوله: «المدعى عليها أساءت إلى السلطة الرئاسية، المفوضة من شعب هذا البلد. ونجم عن ذلك فوضى عارمة، فيما يتعلق بالنظام العام وإدارة الدولة».
وقال القاضي إن باك لم تبد «أي بوادر على الندم». وأضاف أثناء النطق بالحكم «ليس أمامنا سوى أن نحاسبها بشدة..أساءت المتهمة استغلال سلطتها الرئاسية التي ائتمنها الناس عليها ونتيجة لذلك حدثت فوضى عارمة في شؤون الدولة وأدت لعزل الرئيسة، وهو أمر غير مسبوق».
وقالت المحكمة إن باك تواطأت مع صديقتها تشوي سون - سيل للحصول على 23.1 مليار وون من مجموعات كبرى مثل سامسونغ ولوتي لدعم عائلة تشوي وتمويل مؤسسات تملكها لا تهدف للربح.
وأجريت انتخابات رئاسية بعد عزل باك في العام الماضي فاز فيها مون جيه - إن الذي تسبب موقفه التصالحي تجاه كوريا الشمالية في سريان الدفء في العلاقات بين الجارتين. وقال مكتب مون إن مصير باك «يفطر القلب» ليس لها وحدها ولكن للبلد أيضا. وأضاف المكتب: «لن ننسى اليوم».
وكانت باك من بين أكثر السياسيين المحافظين نفوذا في البلاد وتم انتخابها في الجمعية الوطنية (البرلمان) خمس مرات. وهي ابنة باك شونج هي، الذي حكم كوريا الجنوبية بقبضة من حديد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حتى اغتياله في عام 1979. وقالت محكمة سيول الجزئية إن باك تواطأت مع صديقتها تشوي للحصول على مبالغ طائلة من مجموعات كبرى مثل سامسونغ ولوتي لدعم عائلة تشوي وتمويل مؤسسات تملكها لا تهدف للربح. ونفت باك، 66 عاما، ارتكاب أي مخالفات، وتغيبت باك، التي لم تمثل أمام المحكمة في جلسات سابقة، عن الحضور أثناء النطق بالحكم.
وتم تغريمها أيضا 18 مليار وون بسبب الفضيحة، التي أدت إلى إقالتها والإطاحة بها في نهاية المطاف من قبل المحكمة الدستورية في البلاد في مارس (آذار) العام الماضي.
وكان ممثلو الادعاء قد طالبوا بالحكم عليها بالسجن 30 عاما وتغريمها 5.‏118 مليار وون (111 مليون دولار)، حال إدانتها.
وانتقد حزب «الحرية» الكوري المعارض، وهو الحزب الذي كانت تنتمي إليه باك سابقا، البث المباشر للمحاكمة. ونقلت وكالة يونهاب عن المتحدثة باسم الحزب، جون هي كيونج قولها إن «محتوى الحكم كان متوقعا بالفعل. من المؤسف للغاية أن يتم بث جلسات المحكمة مثل برنامج رياضي». وقال الحزب الديمقراطي الكوري الجنوبي الحاكم إن الحكم يعكس مشاعر الشعب. ونقل عن كيم هيون، المتحدثة باسم الحزب قولها إن «هذا الحكم يمثل حكما صارما للمحكمة حول استخدام المنصب الرئاسي لتقويض النظام الدستوري والأضرار بسيادة القانون».
ونظم أنصار باك مسيرات خارج قاعة المحكمة للمطالبة بإطلاق سراحها، حاملين لافتات تحمل صورا لوجهها منتقدين بشدة ما وصفوه بأنه تحقيق له دوافع سياسية، طبقا ليونهاب. واتهمت باك بالسماح لصديقتها المقربة منها، تشوي سون سيل بحرية الوصول بشكل واسع إلى الأعمال الخاصة بالحكومة، على الرغم أن تشوي لم تكن تتولى أي منصب رسمي.
وفي مارس (آذار) الماضي، حكم على تشوي بالسجن، 20 عاما، وأمرتها المحكمة
بدفع غرامة 18 مليار وون. وكانت المحكمة الدستورية قد أطاحت بباك، التي أصبحت أول رئيسة لكوريا الجنوبية في عام 2013 في مارس (آذار) العام الماضي، بعد إقالتها بسبب الفساد في أعقاب أسابيع من المظاهرات، التي كانت تطالبها بالتنحي من منصبها.

انقضاء مهلة لولا... و«العمال» يحشد دفاعاً عنه
أمهل القاضي البرازيلي سيرجيو مورو، أمس، الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا حتى بعد ظهر أمس لتسليم نفسه لتنفيذ عقوبة بالسجن 12 عاما بتهمة الفساد، ما يقوض فرص ترشحه للانتخابات الرئاسية التي تشير استطلاعات الرأي إلى أنه أوفر حظا للفوز فيها. وبعد الإعلان عن أمر القاضي، أعلن حزب العمال الذي أسسه لولا في ثمانينات القرن الماضي عن «تعبئة عامة» ضد سجنه.
وقال القاضي مورو في الأمر الذي أصدره إنه «بالنظر إلى المنصب الذي شغله، ستتاح للولا إمكانية تسليم نفسه طواعية إلى الشرطة الفيدرالية في كوريتيبا (جنوب) حتى الساعة 17.00 (بالتوقيت المحلي) من السادس من أبريل (نيسان)». ومنع القاضي «استخدام الأصفاد تحت أي ذريعة» أثناء اعتقال لولا (72 عاما). وأوضح أن «صالة خصصت» في مقر الشرطة للرئيس الأسبق «بمعزل عن كل السجناء الآخرين، وبدون أي خطر على سلامته العقلية والجسدية».
وكان لولا موجودا الخميس في ساو باولو، التي تبعد نحو 400 كلم عن كوريتيبا المدينة التي يقيم فيها القاضي سيرجيو مورو، الذي دان في جلسات البداية في يوليو (تموز) أحد أهم قادة اليسار في أميركا اللاتينية. وأكدت محكمة الاستئناف الحكم في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتجمّع آلاف من مؤيدي لولا مساء الخميس في مقر نقابة عمال المعادن خارج ساو باولو. وألقت الرئيسة السابقة ديلما روسيف كلمة من على ظهر شاحنة أمام حشد يلوح بأعلام حمراء ولافتات. وقالت: «لولا بريء، وليست هناك جريمة أخطر من إدانة بريء».
وأجرى لولا مقابلة مع الصحافي السياسي المشهور في البرازيل كينيدي الينكار. وكتب الصحافي على «تويتر» أن «لولا قال إن السجن أمر (عبثي) يصر عليه القاضي مورو، والذين يريدون رؤيته في السجن يوما ما». وكانت المحكمة العليا رفضت ليل الأربعاء إلى الخميس طلبا بتعليق تنفيذ الحكم على لولا الذي حكم البرازيل من 2003 إلى 2010، والبقاء حرا إلى أن يستنفذ كل فرص الطعن.
وسيترتب على لولا (72 عاما) أن يقضي حكما بالسجن لمدة 12 عاما وشهر لتلقيه شقة فخمة على الشاطئ من شركة بناء لقاء امتيازات في مناقصات عامة. وينفي الرئيس السابق (2003 - 2010) بشكل قاطع الاتهامات، مشددا على عدم وجود أدلة ومنددا بمؤامرة تهدف إلى منعه من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، بعد ثماني سنوات من خروجه من الحكم بمستوى شعبية قياسي.
وقالت زعيمة حزب العمال غليزي هوفمان: «إنه عنف غير مسبوق في تاريخ ديمقراطيتنا». وأضاف: «قاض مشحون بالكراهية والحقد وبلا أدلة»، يصدر حكما «بسجن سياسي يذكر بزمن الديكتاتورية». ويمكن أن يتابع لولا حملته من وراء القضبان، لكن قانون «الملف النظيف» يمنع انتخابه بسبب حكم الاستئناف. لكن القضاء الانتخابي سيبحث رسميا ترشحه، وسيقوم محاموه بتقديم الطعون حتى ذلك الوقت.
وقال المحللون إن القضاء الانتخابي يمكن أن يلغي ترشحه. لكن استراتيجية حزب العمال تعتمد على الاستياء الذي يثيره سجنه، لتطبيق خطة بديلة في وقت لاحق تقضي بأن يستفيد عضو آخر في الحزب من الأصوات الممنوحة له.
في المقابل، شهدت برازيليا احتفالات وإطلاق ألعاب نارية مع الإعلان عن قرار المحكمة العليا الأربعاء. وفي هذا البلد الذي عاش تحت حكم عسكري من 1964 إلى 1985، تشير استطلاعات الرأي إلى أن النائب اليميني جاير بولسونارو، المعروف بحنينه إلى تلك الحقبة، يأتي في المرتبة الثانية في نوايا التصويت. وقد صرح في تسجيل على «يوتيوب» بأن «البرازيل حققت هدفا ضد الإفلات من العقاب، لكنه ليس سوى هدف واحد والعدو لم يهزم بعد». ودعا إلى انتخاب رئيس «نزيه» في اقتراع أكتوبر (تشرين الأول).



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.