هدى بركات لـ «الشرق الأوسط»: مرتاحة لإيقاعي في الكتابة ولا يغريني الترويج

بعد صدور روايتها الأخيرة «بريد الليل»

هدى بركات
هدى بركات
TT

هدى بركات لـ «الشرق الأوسط»: مرتاحة لإيقاعي في الكتابة ولا يغريني الترويج

هدى بركات
هدى بركات

في روايتها الأخيرة «بريد الليل» حيلة جديدة تنتهجها هدى بركات، لتدخل قارئها في لعبة الرسائل الخمس التي يكتبها أصحابها، وكأنها تصفية حساب مع أشخاص لن يقابلوهم مرة أخرى، وهم في الحقيقة لا ينتظرون جواباً، ولا يريدون تفسيراً، أو يرجون تبريراً. شيء من البوح المتوازي لأناس لا يربط أحدهما بالآخر شيء سوى ساعي البريد، الذي بدوره سيعلق في دائرة الحرب الجهنمية التي تجعل هذه الرسائل بين يديه مجرد حكايا عالقة: «تتكدس كالأوراق الميتة، في زوايا الشوارع الفارغة».
منذ روايتها الأولى «حجر الضحك» وهدى بركات تنال رضا القراء، وإعجابهم بحياكة قصصها، وأسلوبها الكتابي. نالت «جائزة النقد» يومها، ومن ثم «جائزة نجيب محفوظ» عن روايتها «حارث المياه»، ثم كُرّمت في فرنسا مرتين، حين حصلت عام 2002 على وسام من رتبة فارس في الأدب والفنون، ومرة أخرى عام 2008 حين نالت وسام الاستحقاق، ورواياتها جميعها مترجمة إلى الكثير من اللغات. بعض هذه الروايات صغيرة كما «بريد الليل» التي تقع في 126 صفحة. وهي أديبة مقلة بالنسبة لروائيين باتوا يصدرون كل سنة كتاباً بمئات الصفحات. بركات تعتبر أن لها مقاييسها الخاصة في الكتابة، وطريقتها في التأليف، ولا تجد نفسها ملزمة اللحاق بمتطلبات السوق، حتى وإن كانت مغرية. تشرح قائلة: «في دار نشر (أكت سود) يشجعونني دائماً على الإسراع في الكتابة. لكن هذا هو إيقاعي، ولا يمكن أن يتغير، لا بفعل تشجيع الدار، ولا إغواء ترجمة، ولا حتى إغراء الترويج الذي يتطلب حضوراً دائماً. مرتاحة كما أنا، ولا أعرف كيف أشتغل بطريقة أخرى، حتى لو نسيني القراء بين الرواية والتي تليها».
لا تكتب بركات رواية تلمس أنها هي نفسها تضجر منها، ولا تحمل جديداً. «الجدة لا تكون فقط لجهة الموضوع، وإنما على مستوى الوعي بالكتابة. لذلك؛ فإن رواية (بريد الليل)، لا تشبه ما قبلها لا بالنهج ولا الحجم ولا الموضوع. كل كتاب عندي مغامرة، مع أنه قد يدور حول الأسئلة نفسها، لكن الاختلاف يكمن دائماً في الأسلوب وكذلك الطريقة والتعبير». «بريد الليل» فيها حيلة تتماشى مع المناخات التي أرادت أن تصل إليها. حياة الشخصيات مكسورة. هم أنفسهم لا يعرفون أين بدأوا، وليس لديهم قناعة بما سبق؛ لذلك يبدو السير نحو المستقبل متعثراً. «لا يقين كاملاً لدى هؤلاء الأشخاص. الاعترافات التي دوّنوها ليست في الحقيقة اعترافات، أغلبها كذب وغش وخداع، وأخبار عن قصص لم تحدث؛ لأن أحداً لا يعرف ما هي الحقيقة». تستدرك بركات «أساساً لا يقين في العالم كله، مهاجرون يتركون بلادهم لا يعرفون أين يذهبون. كل البلدان العربية تعيش لحظة اهتزاز فظيعة. ما أردت قوله في هذه الرواية، ما كان ليكتب إلا بهذه الطريقة. فما سطر في الرسائل لا يصل إلى أصحابه، وهو إن وصل فتلك كارثة؛ لذلك فهي رسائل مضمونها لا ينتظر جواباً، ولا يؤدي إلى يقين».
والبوسطجي في القصة ليس تكنيكاً روائياً فحسب، كما كتب بعض النقاد فهو يوجد في بلد لم يعد فيه شوارع ولا عناوين ولا بيوت بسبب الدمار الذي تسببت به الحرب؛ مما يجعل عمله مستحيلاً. «هو هنا له رمزيته، بحيث إن دوره الوجودي برمته قد انتهى، ولم يعد له من وظيفة فعليه لتأمين التواصل بين الناس. فالإيميل بنظري ليس رسالة بالمعنى الذي نفهمه. لقد أصبحت الرسالة رمزاً لتواصل قد انقطع».
ثمة إشادة بلغة هدى بركات، بأسلوبها الأدبي الجذاب، لكن تقنية «البزل» التي تستخدمها في تركيب لوحاتها أثناء الكتابة لها إيجابياتها، وقد يكون انعكاسها سلبياً أحياناً على القارئ، الذي يشعر، ربما بأن الخيط، أفلت منه. وهي على وعي بذلك؛ فقارئها «له حساسية أدبية» وهو «في بعض الأحيان نخبوي»، كما تقول. «أعرف، أن ما أكتبه ليس دائماً سهلاً، وهذا ليس مقصوداً، لكن بالنتيجة على القارئ أن يبذل جهداً، فإما أن يستمتع معي، أو يرمي بالكتاب». ففي رواية «ملكوت هذه الأرض» يمضي القارئ خمسين أو ستين صفحة، قبل أن يصل فعلياً إلى الشخصيات. البعض قد يجد في ذلك عيباً، لكنها تراها صفحات مهمة جمالياً، لما سيحدث بعد ذلك. «لقد استغرقت في هذا الفصل لأدخل القارئ في عالمي الروائي، بأسلوب جمالي، احتاج مني جهداً كبيراً لأشكل معجماً يناسب البيئة الجبلية وعواصفها الثلجية التي أصفها. وهي أجواء تحتاج إلى مفردات ليست وفيرة في الأدب العربي».
ثم أن تقنية «التشظي» كأسلوب في الكتابة الروائية «لا أنتهجها في كل رواياتي. فلكل رواية حكاية بالنسبة لي، والتقنيات تستل من الموضوع نفسه». تمر هدى بركات على أسماء روايات كتبتها، تضرب مثلاً بـ«حجر الضحك» التي شكلت البداية، وتقول: إنها «كانت مختلفة عما جاء بعدها. أما رواية (أهل الهوى) فكأنما كنت أسمع صوت رجل يخبرني قصة لأكتب أحداثها».
ليست روايات هدى بركات نقل لوقائع تعيشها، بقدر ما هي من بنات خيالها. «تنطلق الشرارة الأولى للكتابة بهاجس، يراودني ملحاحاً، وأنا في الباص (الحافلة)، وأنا أطبخ، أكنس أو أقرأ. في مطلع كل رواية كتبتها يمكن للقارئ أن يعرف الهاجس الذي منه انطلقت. في (حجر الضحك) كان السؤال كيف يمكن للإنسان أن يبقى بريئاً، حين تراءت لي شخصية خليل الذي تبين أنه مثلي». هكذا يبدو أن اختمار فكرة الرواية يأتي من التفاعل مع مسار الحياة المعاشة، وطالع من تفاصيلها «ربما لأنني امرأة والوقت ضيق، وأولادي يأتون قبل أي اعتبار آخر. فلا بد أن أجرب في رأسي حيث يستعصي التجريب بالكتابة ولوقت طويل». باستثناء «حجر الضحك» التي كتبتها مرات عدة؛ لأنها لم تكن واثقة بعد من قدراتها وموهبتها، فإن أي رواية أتت بعد ذلك استغرقتها سنة ونصف السنة تقريباً، تتركها لشهرين من الاختمار ثم تعود إليها لتعيد قراءتها، بل وتعيد كتابتها أيضاً. إذ تقول: «أميل كثيراً لحذف مقاطع كبيرة، أتخلص من كل ما أعتبره ثرثرة، أو إطالة، قد تضجر القارئ. عندي من الشجاعة في الحذف ما يكفي لأتخلص من صفحات تعبت في تدبيجها».
هي من جيل لا يغفر له أن يقف عند حدود جنسه «ليست مرجعيتي سيمون دوبوفوار في (الجنس الآخر)، وإنما مرغريت يوسنار التي كتبت عن النسوية بوعي متقدم». وعن روايتها «أهل الهوى» المكتوبة على لسان رجل، شرحت تكراراً أنها قصدت أن ينطق هذا الرجل بعبارات وتشبيهات وصوراً لا تخرج إلا من أفواه نساء. فأدواتها الكتابية لا يمكن أن تكون أدواة رجل.
تركت لبنان في عز الحرب الأهلية وقبلها كتبت رواياتها الأولى من وحي المعارك والدمار وهي تتنقل من منزل إلى آخر هرباً بأولادها، وبقيت الحرب لا تفارق كتبها في مغتربها. في روايتها الأخيرة «بريد الليل» صحيح أننا لا نعرف أين تدور الأحداث، ولا يبدو من السياق أنها في لبنان، لكنها الحرب أيضاً، تؤرق حياة أصحاب الرسائل والبوسطجي الذي يحملها، ثمة خراب جاثم دائماً. هي في هذا لا تشبه الروائيين اللبنانيين من جيلها الذين بقوا في الوطن وخرجوا من هذه التيمة، فالبعد يجعل نسيان ما حصل أصعب. ولهدى بركات أسباب أخرى منها أنها تعتقد أن الحرب أي حرب تهز الوعي، والإجابة على أسئلتها الصعبة تحتاج إلى وقت مديد «الحرب العالمية الثانية، لا يزالون يكتبون عنها في أوروبا. ربما لو بقيت في لبنان لاضطررت إلى التأقلم مع الحياة اليومية. على أي حال كل ما كتبت يطل من ناحية أو أخرى على بيروت، ربما لأنني أعرف لبنان قبل الحرب، وأدرك كيف كانت الحياة، وما الذي انتهت إليه».
على محك التجارب القصوى كل القناعات تهتز، هذا من الطبائع البشرية، والحرب من أقسى التجارب التي يعايشها الناس. تشرح فكرتها قائلة: «فأنا لا أعرف مثلاً لو أنني كنت فرنسية وعشت أحداث الحرب العالمية بوحشيتها، هل كنت سأجد نفسي عميلة لصالح الألمان مثلاً أو في الجانب الآخر؟ من يدري؟ من يستطيع أن يقدّر الظروف، والمحيط؟ فالخيارات في زمن السلم هي غيرها في زمن الحرب، حين تختلّ المعايير، والضوابط والمرجعيات. فأنا أتساءل دائماً كيف يتحول في الحرب نصف شعب إلى قتلة، أي ميكانيكية تحول كائناً عادياً إلى قاتل للآخر. في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ثمة قديسون تم تطويبهم، كانوا قبل ذلك مجرمي حرب».
تناسل الحكايا، خروج القصة من بطن أخرى، في روايات هدى بركات يحيل أحياناً إلى السرد العربي القديم، وهو ما لا تعترض عليه، بل تعتبر أنها ليست فقط من سلالة الكلاسيكيين العرب، بل هي جددت في هذا السرد، خففته من فخامته والتكرار. «فأنا معجبة إلى حد بعيد بطواعية اللغة العربية وأجدها حديثة جداً. هذا لم يكن تلقائياً ولا عفوياً. قرأت القديم ولا أزال. كان يجب أن أعلّم نفسي ما لم أتعلمه في المدرسة. كنت حينها أكره العربية، ثم بعد ذلك، في لحظات الوعي، وفي الجامعة، تعرفت على الأدب. كتابتي باللغة العربية جاءت بفعل خيار شخصي، فقد كنت عند تخرجي وبحكم طبيعة دراستي أقرب إلى الكتابة بالفرنسية، ولا أزال أكتب نصوصاً بالفرنسية، حين يطلب مني المشاركة في عمل ما أو كتاب مشترك أو مقالة». ولا داعي للحديث عن كمّ المغريات للكتابة بلغة أجنبية، من تسويق وغيره. لكن «قلبي ليس ثنائي اللغة، فتكويني اللغوي عربي. وعندي احترام عميق جداً للعربية، أعمق من أن أستطيع وصفه». إنه عشق للغة تشعر بها بركات خارجة من صلبها، معجونة بوجدانها «حين أقرأ نصوصاً لابن حزم أو الجاحظ أو المتنبي، أو الصوفيين، وابن عربي أشعر ببهجة وأكاد أصرخ (الله أكبر ما هذا الطرب). ومن الجيل الحديث أرى أن محمود درويش هو أحد ورثة هؤلاء. فعمق قصائده هي اللغة، ومن دون عبقريتها، لا شيء يبقى».
ومع كل ما يشاع عن صعوبة كسر المحرمات بالعربية، تعتبر بركات أنها تكتب ما تريد ولم تتعرض لمضايقات. «فالاقتراب من التابوهات يجب أن يتم باحترام، ومن دون استفزاز. التعامل مع المحرم ليس أمراً سهلاً. وجماليات السرد تحتاج إلى مجهود كبير للتعامل مع ما يسمى المسكوت عنه».
في بشري، بلدة جبران خليل جبران الجبلية المهابة بطبيعتها ووديانها وخضرتها ولدت هدى بركات، وإليها تعود زائرة كلما رجعت إلى لبنان من مغتربها الفرنسي، وعنها كتبت «ملكوت هذه الأرض» التي رأى فيها أهل البلدة إساءة إليهم ولم يستلطفوها. لكن بركات، على عكس ما قيل، تكنّ لبلدتها بشري حباً كبيراً. «كتبت الرواية بعناية فائقة، وأعطيتها وقتاً طويلاً، ونسجتها بمفردات اشتغلتها بحيث تعبر عن طبيعة المكان والأجواء. هناك من رأى في المكتوب هجاءً لأنه نقدي، وهذا أمر طبيعي؛ فليست الحياة مديحاً. لكن الحقيقة أن ما كتبته لبشري هو حب خالص».



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.