بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي يعيد بناء الحياة الجحيمية للعراقيين.. سردا

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية
TT

بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية

ماذا يتوقع القارئ من رواية بعنوان «فرانكشتاين في بغداد»؟ أعترف أنني للوهلة الأولى ذعرت من العنوان الذي يحمل دلالتين للعنف والقتل (الشخص والمكان)، هل هذا ما حفزني على قراءة الرواية إلكترونيا بعد أن حملتها من موقع الأدب العراقي المعاصر (قبل فوزها بجائزة البوكر)؟ أم الضجة الجميلة والاحتفاء بوصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة بنسختها العربية ومن ثم فوزها بهذه الجائزة؟ أم اسم المؤلف وهو من الشباب المجتهدين الذي اختار البقاء في العراق وشهد التراجيديا العراقية بمختلف مراحلها؟ أم أنني أذعنت للمؤلف وهو يستدرج غريزة الخوف وفضوله في من خلال العنوان اللافت؟
هذه رواية تنصب لقارئها الفخاخ والكمائن وتضج بالمفاجآت، وهي رواية شريرة إلى حد ما، فهي لا تدع القارئ يستمتع بلذة تحقق توقعاته أثناء القراءة أو استباق الأحداث كما يحدث مع بقية الروايات أو الأفلام. ورغم ذلك فهناك حالة تماهٍ بين الأحداث والقارئ، أجزاء الجثث المنسية بعد الانفجارات التي تعثر بها هادي العتاك مثلا يمكن أن يتعثر بها أي عراقي، كقراء كنا مستعدين للقبول بأن الشسمة (ما التقطه هادي العتاك من بقايا الجثث وروح حسيب جعفر ونداء إيليشوا واسم دانيال وملابسه) سيثأر من القتلة ويضمحل ويتلاشى، لكن سعداوي تصرف بالشسمة (وقد يكون العكس هو الصحيح) بطريقة يصعب على القارئ أن يخمنها، ولذلك لم تراودني فكرة القفز على الصفحات رغم أنني كثيرا ما أفعلها مع روايات أخرى. هذه رواية تحتوي على فضاءات بيض كثر، لكنها مع ذلك تقول كل شيء وبسرعة عجيبة، إنها تسحب القارئ إلى الركض وتجعلنا نلهث داخل صفحاتها كي نسرع في الخروج منها، ومع ذلك تظل مسترخية في حبكتها وهي تتدفق بين يدي القارئ لأن أماكنها وأحداثها ومعظم شخوصها تكاد تكون معروفة سلفا من قبل القارئ العراقي تحديدا (لكنها أيضا ستتدفق للقارئ العربي والأجنبي) لذلك فالقارئ سينفتح على الرواية من خلال ترسيخ التفكير والرؤية الذاتية للأحداث والشخوص.
رواية «فرانكشتاين» في بغداد الصادرة عن دار الجمل لعام 2013 تبدأ بجملة غريبة وغير إنسانية «إني أطلب منك ألا تصفح عني» هذه الجملة مقتبسة من رواية «فرانكنشتاين» لميري شيلي، تشكل هذه الجملة برأيي مدخل الرواية وثيمتها، فالمجرم لا يطلب الصفح لأنه يعرف أن الإجرام سمة أساسية فيه كما في باقي البشر، إنه فقط يطلب أن يكون مسموعا من الآخر، وبعد ذلك فليفعل هذا الآخر ما يشاء أو ليحكم عليه بما يشاء. الاقتباس الثاني اختاره المؤلف بعناية فائقة ليعبر عن رجوع الضحية، كأن الألم يأبى الموت ويطلب الراحة بالثأر، وهو اقتباس عن قصة شهيد مسيحي. والاقتباس الثالث جاء على لسان الشسمة، وهو الخوف الذي يطلق عليه الرصاص ولا يموت، هو الجلاد والضحية معا. «الشسمة» الذي يتحدث إلينا بكثير من الحنان، فهو يريد القارئ أن يكون إلى جانبه، يريد من ينصت إليه، من يفهمه ومن يرشده، يريد إجابات عن أسئلته، يبحث عن يقين ما، فحوى وجوده ومغزى شهوته للقتل (شهوة الجميع للقتل). «فرانكشتاين» سعداوي تمحو الفوارق بين الذاكرة الفردية لأي عراقي، والتي تمكنه من سرد الماضي القريب الذي عايشه والذاكرة الجمعية لأبناء البلد الواحد. وحسب تصوري، ستغدو هذه الرواية ضمن الخزين السردي لأبناء الرافدين كما «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، و«الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي.

* الخوف الذي لا اسم له
التخيل في الرواية هو ابتداع شخصية الشسمة وأفعاله القائمة على مجموعة من الاستباقات والاستذكارات (وهو شخصية فنتازية لا تمت للواقع بصلة)، وهذا (التخيل/ السرد الاصطناعي) خدم هيكلية الرواية وشخوصها الواقعيين وسرديتها الطبيعية التي تروي سلسة من الأحداث يريدنا سعداوي أن نصدق حقيقتها، وأغلبها قد وقع فعلا، فالمؤلف استثمر الكثير من التفجيرات التي وقعت ببغداد في الفترة بين 2005 و2006 في أحداث الرواية كي يزيد من جرعة مصداقيتها، كما في تفجير سوق الصدرية وتفجير ساحة الطيران وواقعة جسر الأئمة. تعيد قيامة «الشسمة» لملمة الواقع (زمن السرد) وتربطه بالماضي والمستقبل، وسوف تؤول السردية الطبيعية في رواية أحمد سعداوي ذات يوم إلى اعتبار أن الأحداث التي جرت في زقاق 7 في حي البتاويين بأنها حقيقية. وسوف يحصل الشسمة على حق المواطنة باعتباره شخصية تجاوزت الخيال للواقع وتحررت من مؤلفها الذي ابتكرها.

* إدارة الشخصيات
سيطر المؤلف على العلاقات بين الشخوص حتى إنه كان أشبه بمدير الأفراد الناجح، لم تطغَ شخصية على أخرى. الكل متساوون في الظهور والاختفاء حتى الشخصيات التي بالغ المؤلف في ابتكارها من أمثال المنجم الكبير والصغير، خدمت هدف الروي بطريقة ما.
قبل بداية الفصل الأول يفاجئنا التقرير النهائي وهو التقرير الذي أعدت قراءته بعد انتهائي من الرواية، هذا التقرير يشير إلى أن الأحداث تجري في زمن الاحتلال وما خلفه من مؤسسات (الإدارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي للعراق) ونعرف أن هناك عملا تقوم به هذه الدائرة (المتابعة والتعقيب) وهو توقع الانفجارات قبل وقوعها والقبض على المجرمين، لكن عملها الحقيقي هو الإجابة عن سؤال (متى وكيف أموت) ص259، وهو السؤال الحقيقي والوحيد لسياسيي العراق الجديد الذي يجعلهم يقصدون مكتب العميد سرور لأجله، وإن هذه الدائرة تجاوزت صلاحيات عملها، لذلك تم توقيفها عن العمل. منذ الصفحات الأولى تمسك هذه الرواية بتلابيب القارئ، فما علاقة هذه الدائرة بالمنجمين وتسريحهم منها؟ وما علاقة هذه الدائرة بالأدب والروائيين ومؤلف رواية ما مجهول الهوية يعيش في فندق في شارع أبي نواس ورد ذكره في توصيات لجنة تقصي الحقائق؟
الرواية تتكون من تسعة عشر فصلا، اختار الروائي لكل فصل اسما تغلب عليها الصفات، مثل المجنونة والكذاب والمجرم والصحافي والمؤلف.
سعداوي لم يجمل الواقع ولم يحاول تطمين القارئ، بل تقصد أسلوب الصدمة، حيث افتتح الفصل الأول بانفجار ينهي حياة أناس أبرياء ويحدث تدميرا كبيرا. إذن أين ذروة رواية تبدأ بانفجار؟ نعم فهذه رواية عراقية تنتمي للعراق ما بعد 2003، والزمن في هذه الرواية جزء كبير من ثيمتها، حيث الانفجارات تفاصيل يومية مألوفة، الراوي يتحدث عن العجوز إيليشوا المسيحية نصف المجنونة بسبب حنينها إلى ابنها الذي فقدته في حرب الثماني سنوات مع إيران، هذا الحنين الذي يتحول إلى هاجسها الوحيد للاستمرار في الحياة: ص13 «الميتون إلى الطب العدلي والجرحى إلى مستشفى الكندي. بعض الزجاج المهشم هنا أو هناك. عمود متسخ بالدخان، حفرة صغيرة أو كبيرة في إسفلت الشارع، وأشياء أخرى لا تتمكن، بسبب بصرها الغائم، من رؤيتها أو الانتباه إليها». الدمار والموت والخراب والبصر الغائم هو الانطباع الأول للمكان الذي تدور به أحداث الرواية.
يستخدم المؤلف أسلوب الراوي العليم (الشخص الثالث) الذي يرى الشخوص ويصفهم وتتداخل أزمان الروي بين الحاضر (الحوادث التي يتعرف القارئ أثناء القراءة) والمستقبل (ما سيتعرف عليه القارئ لاحقا باستمرار القراءة)، في ص24 (شاهدت «دنيه» كما كانت تسميه دائما في طفولته وشبابه. تحققت أخيرا نبوءة قديسها الشفيع. نادت عليه فأتاها: تعالَ يا ولدي.. يا دنيه).
تجري الحوارات بين الشخوص بلغة أقرب إلى اللهجة العراقية، وهذا ما يمنحها مصداقية وواقعية: ص37 (أعطني صبرا يا رجل). ولن تكون جملة فرج الدلال بذات الدلالة لو أنها كتبت بالفصحى: ص112 (ما تموتين وتخلصيني عمر تفكه رب الحلو).
حاول سعداوي أيضا «وقد أفلح» أن يجعل حي البتاويين البغدادي الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية يمثل التشكيلة الحقيقية للكثير من أحياء بغداد القديمة، فالمرأة المسيحية إيليشوا تسكن في بيت بناه اليهود، وجارتها المسلمة أم سليم تتبارك بوجودها في الحي، بينما يستعمل جارها الجشع (فرج) جارتها الأرمنية لإقناع إيليشوا ببيع بيتها، الجنوبي أبو إنمار صاحب فندق العروبة يجد نفسه وحيدا بعد غياب سلطة الدولة بسبب الاحتلال الأميركي، هادي العتاك المتشرد الكذاب يستحوذ على بيت مهدم بسبب غياب سلطة الدولة أيضا. يبرع المؤلف في التقاط يوميات نساء البتاويين أو النساء العراقيات عامة (قد يراها بعض القراء مبالغة) وكيف تتداخل طقوسهن الدينية بحيث تضيع الحدود بين الديانات المختلفة، فالراوي يتحدث عن العجوز الآثورية: ص105 (وضعت قبضة الحناء الداكنة على حائط الكنيس اليهودي المهجور، وكذلك على باب الأورفلي المطل على مدخل شارع السعدون وهو الجامع الوحيد في حي البتاويين). هذا المربع المدهش (إيليشوا، هادي العتاك، فرج الدلال، أبو إنمار) هو بطل الرواية الحقيقي.

* موت يطال الجميع
في الفصل الثالث المعنون «روح تائهة» يتلاشى جسد حسيب حارس الفندق بفعل تفجير تصدى له، لكن أحلام أحبته هي من يجمع أشلاء هذا الجسد المتناثر، يا له من التقاط مؤثر من قبل المؤلف، حيث يستلهم (الموروث الشعبي/ الديني) للأحلام وعلاقتها بالأموات. وعندما يستعيد حسيب وعيه بعد الانفجار تختلط الفنتازيا بالواقع، فالجسد تلاشى، لكن الوعي باق، والبصر قادر على الرؤية. لا يبالغ سعداوي في الوصف المثقل بالتفاصيل، بل يلجأ إلى الجمل القصيرة المؤثرة كأنها ضربات سريعة، أو صور متلاحقة لإعلانات سردية متتالية. الأموات في هذا الفصل يعون موتهم ويعرفون أنهم محض جثث، ومن بقيت جثته سليمة هو المحظوظ بينهم. حسيب جعفر يعرف أنه ميت ويعود إلى مكان الانفجار باحثا عن جثته، وواضح جدا أن المؤلف «ولو بعقله الباطن» قد استعار بعض مشاهد فيلم «شبح 1990» الشهير في هذا الفصل، في الصفحة 46 من نفس الفصل هناك روح الشاب الذي يرتدي تي شيرت أحمر ويضع سوارين في معصمه، وهي إشارة إلى الموت الذي يطال الجميع بمختلف الحجج، فهذا المراهق يبدو أنه من مقلدي الموضة الغريبة الذين يتعرضون للقتل على يد الجماعات المتشددة. فنتازيا القتل تحول كل شيء إلى كوابيس إلى الحد الذي تختفي فيه الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، الجثث تتكلم والقديس في الصورة يهدد المسخ (الموت الذي يطال الجميع). إنه سيغرس رمحه في صدره، لكنه لن يفلح أبدا، بل سيتحول القديس إلى مسخ بعد أن تقتطع أم دانيال من اللوحة وجهه فقط. هذه رواية لا تخدع القارئ، بل تفتح عينيه لتجعله يواجه موته ومصيره بكامل وعيه.
في الفصل الرابع (الصحافي) يضعنا المؤلف في مواجهة نماذج للصحافيين طفت على السطح بعد الانفتاح الإعلامي عام 2003. محمود السوادي رجل غائم يبدأ هذا الفصل بترقيته وفصل زميلين من زملائه، علي باهر السعيدي، مدير التحرير الأنيق الذي له صلات واسعة بالسياسيين لديه القدرة على تمييع الأزمات، بل القفز عليها. علاقة الظل بالجسم اللامع الواهي أصلا، محمود السوادي وعلي باهر السعيدي (بينما محمود ينظر إلى نفسه في الزجاج والمرايا المنتشرة في كل مكان ولا يرى شيئا. لا يرى سوى السعيدي ودائرة علاقاته المتشابكة). حتى المرأة التي أحبها محمود السوادي هي عشيقة السعيدي، إنه لا يحب المرأة هنا، بل يحب ما قد أحب السعيدي في محاولة للتطابق معه، في الفصل الأخير يكتشف محمود السوادي من خلال مراجعة مواقف السعيدي أنه رجل بلا وجه محدد، وهو أشبه بقناة مجوفة تمر عبرها سيول من الأفكار البراقة والمواقف الغريبة، شخصية السعيدي هي مثال على منظري الديمقراطية الذين جاءوا مع الاحتلال، وتلتقي مصالحهم مع ما تبقى من متلونين من إرث النظام السابق، كما في السخرية المبطنة في لقاء العميد سرور بالسعيدي وضحكهما رغم كل ما يجري من حولهما من قتل وتدمير: ص90 (كانا يتحدثان عن الحرب وكأنها فلم ينتظرا مشاهدته في السينما. كانا يضحكان).
لا حانات في بغداد في هذه الفترة، فالحانة التي يجلسون فيها سرية يتم الدخول إليها من باب مطعم صغير وهناك ثرثرة عادية بين الأصدقاء الجالسين في هذه الحانة بإنقاذ أحدهم من موت محقق، توازن من نوع بين مفارقات الحياة الموت.
للمؤلف تقنية تقترب من تقنية المشاهد السينمائية بالإضافة إلى الجمل القصيرة المركزة والوصف الموجز هناك انتقالات جميلة في السرد في أزمان متعددة (شرب فرج الدلال من شايه بهدوء ناظرا بازدراء إلى الشحاذ العجوز، وفي ذات الوقت كان هناك من يشرب شايه بهدوء أيضا، إنه العميد سرور محمد مجيد، المدير العام لدائرة المتابعة والتعقيب).
في الفصل الثامن ترد إشارة ذكية إلى حادثة جسر الأئمة وما يسبقها من أشباح تحوم فوق الجسر، هذه رواية لا تغفل سير الأرواح يسميها الراوي بحذق توابع الخوف. السرد الحيوي المسترسل لأحداث يومية بسيطة يحولها إلى دعامات قوية في بنية الرواية: ص84 (استغرقا في الزحام الذي خلفته دورية من الهمرات الأميركية تسير ببطء ويشهر الجنود من فوقها الأسلحة بوجه السيارات التي تسير خلفهم فتتأخر هذه السيارات مسافة عشرين مترا عن الهمرات).
الانتقالات في الزمان والمكان في الفصل الثاني عشر مذهلة ومبتكرة، الاستراتيجية النصية تحتوي على إحالات زمنية دقيقة بما يغني الحبكة لا بما يكسر من بهائها، إحالات تتشعب على المستقبل، الراوي العالم بالحدث مسبقا يتلاعب بالزمن كأنه لفافة ورق يفرده ويطويه أمام القارئ، بينما مشهد الشسمة وهو يتفرج من فوق سطح بيت أم دانيال على أبيه هادي العتاك يضرب من قبل ضباط دائرة المتابعة، هذا المشهد يحلينا إلى مشاهد في أفلام الرجل الوطواط. يشير تغيير الاسم من فندق العروبة إلى فندق الرسول الأعظم على الواقع الذي تغير من زمن القومية إلى زمن الهوية الدينية.

* لا أبرياء أنقياء ولا مجرمين كاملون
سعداوي أطال زمن التشنج أو الذروة الذي بدأ من الفصل الأول ولم ينته بالحل الدرامي كما يحدث عادة في الروايات. بل إن المشهد الأخير في الرواية التي تنتهي بتفجير كبير يهدم المنازل ويحرق ويشوه هادي العتاك، بينما القط نابو يتمسح برجل الشسمة وهو يتفرج على سيارات الإطفاء والإسعاف من إحدى نوافذ فندق العروبة المهجور، هذا المشهد برأيي هو ذروة الرواية التي أضحت مهمة الثأر والانتقام فيها أبدية: ص255 (ليس هناك أبرياء أنقياء بشكل كامل ولا مجرمين كاملون).
تتفوق حبكة هذه الرواية على حكايتها إلى الحد الذي نستطيع القول فيه إن «فرانكشتاين في بغداد» تمتلك حبكة أكبر بكثير من حكايتها بسبب إصرار المؤلف على ملاحقة كل شيء وتضمينه داخل هذا الميكانزم السردي الضخم لذلك وقع في مطبات هينة من وجهة نظري كما في الإشارة أكثر من مرة إلى اللون الوردي الذي يرتديه ضباط دائرة المتابعة والتعقيب والمغلفات الوردية التي يستعملونها. وعدم وجود شخصية إيجابية مؤثرة بين شخوص الرواية.
هل سخرت هذه الرواية من موت العراقيين في الشوارع والساحات العامة وفوق الجسور وقدمت هذا الموت باعتباره سردا وتخيلا؟ أو على الأقل وظفت هذه الحوادث المأساوية لإثراء عالم الرواية السردي اعتمادا على معطيات الواقع العراقي؟ «فرانكشتاين في بغداد» تجعلنا نواجه خوفنا وقلقنا ونحن نحاول قول شيء حقيقي عن عالمنا الواقعي: ص137 (كل يوم نموت خوفا من الموت نفسه)، القارئ لا يقرأ فحسب، بل يكتشف قلقه وخوفه ويستدل من خلالهما على ذاته في هذا البناء السردي الذي يعج بالأوهام والحقائق، وبالتالي يحدد موقع هذه الذات داخل عالم الرواية كجزء من استهلاك النص واستيعاب دلالاته وقد يتحول القارئ بعد إكمال هذه الرواية إلى سارد آخر للإحداث التي عايشها شخصيا في حقبة الاقتتال الطائفي تلك.



مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

حمل العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/تموز 2026)، عدداً من الملفات الثقافية، ويقدم العدد بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرز ملفات العدد، ملف «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر أربعة مقالات تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف، أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة تحرير مجلة «الإيسيسكو» الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهي «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

فمنذ أن تولى المالك قيادة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عام 2019، دخلت المنظمة طوراً جديداً من الحضور والتأثير؛ اتسعت فيه دوائر الشراكات، وتعددت المبادرات، وتعزز حضورها الدولي؛ حتى غدت نموذجاً لمنظمة تنبض بالحركة وتستشرف المستقبل بثقة وطموح.

كما حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026؛ احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها في افتتاحية العدد، تزفّ رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، بشرى صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد بثلاث لغات (العربية، والفرنسية، والإنجليزية) لتوسيع رسالتها الحضارية عالمياً.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية.. بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام للرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية، ويناقش الكاتب واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والأخرى ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

قدّم المقال قراءة تحليلية مقارنة لواقع اللغة العربية اليوم على الساحتين الدولية والمحلية.

ويرى الكاتب أن واقع العربية دولياً يمر بمرحلة نمو واعتراف واعدين؛ فهي لغة رسمية معتمدة في الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، وتتبوأ المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الانتشار. كما يشير إلى تزايد حضورها التعليمي في المدارس والمعاهد الغربية والأميركية والآسيوية كلغة ثانية أو ثالثة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص من غير الناطقين بها كعنصر تواصل وإدارة.

لكن، وفي مقابل هذا «الواقع المغني» والاعتراف الخارجي المتصاعد، يطرح الكاتب تساؤلاً نقدياً مؤرقاً حول مدى مواءمة هذا التقدير العالمي مع الوضع الاعتباري الداخلي للعربية في دولها الأصلية، محذراً من وطأة التغريب وتراجع تمكين اللغة معرفياً وإدارياً في أوطانها.

تعريب التعليم الطبي

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها أن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

يستعرض المقال الجذور التاريخية لازدهار الطب العربي إبان الحضارة الإسلامية حين كانت مؤلفات ابن سينا والرازي مراجع رئيسية لأوروبا. ثم يحلل التحديات المعاصرة المتمثلة في الإرث الاستعماري، وهيمنة الإنجليزية في النشر، مستشهداً بتجارب دولية ناجحة تدرس الطب بلغتها الوطنية (اليابان، ألمانيا، فرنسا، الصين، وإسبانيا)، وتجربة سوريا الرائدة منذ عام 1919.

ويرى الكاتب أن اللغة تؤدي دوراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء. وعندما يتلقى المتعلم معارفه بلغته الأم، يصبح أكثر قدرة على الفهم والتفكير والإبداع.

وفي تحليل مقارن، يتساءل الكاتب: هل اللغة عائق أم أداة؟ ويوضح أن المقارنة بين الدول تشير إلى أن الدول المستقلة علمياً وسيادياً تُدرِّس بلغاتها الوطنية، في حين الدول التي خضعت للاستعمار تميل لاستخدام لغات أجنبية. ويرى أن هذا يدعم فكرة أن اللغة ليست عائقاً بل أداة، وأن اختيار لغة التعليم يعكس توجهاً حضارياً وثقافياً.

تعريب العلوم

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، أستاذة مساعدة بجامعة الخرطوم كلية الآداب قسم اللغة العربية.

وفي هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس. وتوضح الكاتبة أن الطفل الذي يُجبَر على دراسة العلوم بلغة أجنبية يخوض معركتين متزامنتين: معركة فهم المفاهيم العلمية، ومعركة فك رموز اللغة الجديدة؛ ما يؤدي إلى تراجع جودة الفهم بنسبة تصل إلى 60 في المائة مقارنة بالمتعلم بلغته الأم.

وتستند الكاتبة إلى دراسات حديثة لـ«يونيسكو» (2026) تؤكد أن التدريس بلغة المنزل يزيد من فرص الفهم والاستيعاب بنسب تتراوح بين 40 في المائة و160 في المائة في بعض الدول. كما تفنّد حجة صعوبة المصطلحات العلمية، موضحة أن المصطلحات لا تشكل سوى 4 في المائة من أي كتاب تخصصي. وتُذّكر بمآثر علماء المسلمين بصفتهم مؤسسين لهذه العلوم (كالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس) والذين تلقوا علومهم بلغة مجتمعهم، محذرة من أن إجبار الأطفال على لغات أجنبية في مراحلهم المبكرة يحدِث قطيعة معرفية واجتماعية داخل الأسرة العربية.

الدبلوماسية اللغوية

وضمن الملف، كتب الدكتور يوسف إسماعيلي، (خبير بمركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها في المغرب)، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

ويقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفتها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية؛ إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.

ويشرح الكاتب مفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفته مجموعة السياسات والمبادرات التي توظف تعليم اللغة ونشرها ضمن الاستراتيجية الثقافية للدول والمؤسسات الدولية. وتمتاز هذه الدبلوماسية بأنها تعمل بهدوء وعلى المدى الطويل، مستهدفة الإنسان قبل الدولة، وبانيةً علاقات تقوم على الفهم المتبادل أكثر من المصالح الآنية.

ويستعرض المقال نماذج تاريخية تؤكد أن أثر اللغة قد يتجاوز أثر القوة العسكرية. ويستشهد بالتجربة الأندلسية، حيث أصبحت العربية لغة الإدارة والطب والفلسفة والعلوم، وتعلمها المسلمون وغير المسلمين؛ لأنها كانت لغة المعرفة والارتقاء الاجتماعي. وحتى بعد زوال الحكم الإسلامي، بقي أثر العربية في الجامعات الأوروبية والمصطلحات العلمية التي انتقلت إلى اللغات الحديثة.

ثم ينتقل الكاتب إلى واقع العربية اليوم، ويبيّن أنها من أكثر لغات العالم انتشاراً، وتحظى بمكانة رسمية في المنظمات الدولية، كما يتزايد الإقبال على تعلمها في الجامعات الغربية، والمعاهد الدبلوماسية، ومراكز الدراسات، وقطاعات الاقتصاد، والطاقة، والإعلام.

ومع ذلك، يرى المقال أن العربية لا تزال تواجه تحديات تتمثل في اختزالها في بُعدها الديني، وربطها بالصراعات السياسية، وتقديمها بوصفها لغة صعبة، إضافة إلى غياب خطاب عالمي موحد يبرز قيمتها الحضارية والمعرفية.

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل العربية عالمياً لا يعتمد على انتشارها العددي، بل على تطوير رؤية ثقافية حديثة لتعليمها، تجعلها أداةً للحوار والتواصل والمعرفة، وتقدمها بصفتها لغة حية قادرة على الإسهام في العالم المعاصر.

قازان: جوهرة تتارستان

وضمن ملفات العدد الجديد، يأتي الاستطلاع عن «قازان» بعنوان: «قازان.. جوهرة تتارستان وعاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2026»، للكاتب العماني الدكتور سالم بن هلال الحبسي، (مدير الأمانة العامة للجان الوطنية والمؤتمرات في الإيسيسكو).

ويحتفي المقال بمدينة قازان التاريخية عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، والتي اختيرت لتكون عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026. ويبرز الكاتب الموقع الاستراتيجي والجغرافي للمدينة على ضفاف نهر الفولغا. ويركز على القيمة الحضارية الكبرى لقازان بوصفها نموذجاً تاريخياً وواقعياً فريداً للتعايش الخلاق، والتفاعل الثقافي الحيوي بين ثقافة الشرق الإسلامية وتراث الغرب الروسي، حيث تلتقي فيها أصالة المعالم التراثية بروح العصر، لتغدو منارة حقيقية للتنوع الثقافي والتسامح الديني والاجتماعي.

يستعرض الكاتب التاريخ الممتد لقازان منذ أكثر من ألف عام، ودورها في انتشار الإسلام في منطقة الفولغا بعد اعتناق بلغار الفولغا الإسلام عام 922م، وهو الحدث الذي يمثل البداية التاريخية للإسلام في الأراضي الواقعة ضمن روسيا الحالية. كما يوضح كيف حافظت المدينة على هويتها الإسلامية رغم التحولات السياسية التي مرت بها، لتصبح لاحقاً مركزاً للإصلاح الفكري والثقافي للمسلمين في روسيا.

ويؤكد المقال أن تجربة قازان تثبت إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والانفتاح الحضاري، وأن المدن تستطيع أن تصبح أدوات للتقارب بين الشعوب عندما تستثمر تاريخها الثقافي بصورة إيجابية.

إسهامات عربية في الكيمياء

من المقالات المهمة في هذا العدد، مقال: «إسهامات العلماء العرب والمسلمين في إرساء أسس الكيمياء الحديثة»، للدكتور عبد الوهاب السعدون، الأمين العام السابق للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات (السعودية).

يعيد هذا المقال قراءة تاريخ علم الكيمياء من منظور علمي، مبيناً أن مساهمة العلماء العرب والمسلمين لم تقتصر على نقل المعارف القديمة، بل تمثلت في تحويل الكيمياء من ممارسات يغلب عليها الطابع الفلسفي والخيميائي إلى علم تجريبي قائم على الملاحظة والقياس والتجربة.

يبدأ الكاتب باستعراض الظروف التي مهدت لازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية، مع اتساع الدولة الإسلامية ونشاط حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي، حيث جرى استيعاب التراث اليوناني والفارسي والهندي، ثم تطويره وإضافة إسهامات أصلية إليه.

ويبرز المقال الدور المحوري لجابر بن حيان الذي يعدّه كثير من المؤرخين المؤسس الحقيقي لعلم الكيمياء الحديثة؛ لما أدخله من منهج تجريبي صارم، واعتماده المختبر والتجربة أساساً للبحث العلمي، إضافة إلى تطوير عمليات التقطير والتنقية والترشيح والأكسدة، وتحضير عدد من الأحماض والمركبات الكيميائية.

كما يتناول إسهامات الرازي، الذي ربط الكيمياء بالطب، وأسهم في تطوير المعرفة بالمواد الكيميائية واستخداماتها العلاجية، إلى جانب الكندي وغيره من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للمنهج العلمي الذي تبنّته أوروبا لاحقاً.

ويشير الكاتب إلى أن الكتب العربية في الكيمياء تُرجمت إلى اللاتينية، وظلت مراجع رئيسية في الجامعات الأوروبية لقرون، وأن كثيراً من المصطلحات والممارسات المخبرية الحديثة تعود جذورها إلى أعمال العلماء المسلمين.

المعرفة والتحولات الاجتماعية

وكتبت الدكتورة شادن دياب، «خبيرة دولية في علم المناخ والبيئة – فرنسا»، مقالاً بعنوان: «نظرية المعرفة والتحولات الاجتماعية والبيئية في العالم العربي».

ويطرح هذا المقال سؤالاً فلسفياً معاصراً حول العلاقة بين المعرفة والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التغير المناخي والأزمات البيئية والتكنولوجية. وترى الكاتبة أن هذه التحديات لا تفرض حلولاً تقنية فحسب، بل تستدعي إعادة التفكير في مفهوم المعرفة نفسه.

تنطلق الدراسة من أفكار الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي ربط المعرفة بالتجربة الإنسانية والوجود العملي، ثم تقارنها برؤية ابن خلدون التي تجعل المعرفة نتاجاً للتعلم والخبرة والممارسة الاجتماعية، لتؤكد أن المعرفة ليست معطى ثابتاً، وإنما عملية متجددة تتشكل داخل السياق التاريخي والاجتماعي.

وتنتقل الكاتبة إلى مناقشة التغير المناخي بوصفه أزمة معرفية بقدر ما هو أزمة بيئية؛ لأن مواجهة آثاره تتطلب تطوير أنماط جديدة من التفكير، وإعادة بناء السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية على أسس أكثر استدامة.

وتخلص الدراسة إلى أن المجتمعات العربية تحتاج إلى بناء منظومة معرفية قادرة على التفاعل مع هذه التحولات، تجمع بين التراث الفكري والعلوم الحديثة، وتربط البحث العلمي بصنع القرار، حتى تصبح المعرفة أداة لإدارة المستقبل لا مجرد وسيلة لفهم الماضي.

عارف الساعدي: الشعر مفتاحي للعالم

وضمن باقة من المواد الأدبية، تنوعت بين الشعر والنثر، جاء الحوار مع الشاعر العراقي الدكتور عارف الساعدي، بعنوان: «الشعر مفتاحي للعالم!»، وأجراه الناقد المغربي الدكتور نصر الدين شردال.

يتحدث الحوار عن الساعدي الشاعر الذي «ظل وفياً لخصائص القصيدة العربية الأصيلة في جزالة لغتها، وإحكام إيقاعاتها وبراعة صورها، وحداثة رؤيتها، وتخلق أنساقها، وتعدد دلالاتها وتناسل تأويلاتها، واستمر في بلورة هذه الإمكانيات الجمالية في أعماله الشعرية».

وفي هذا الحوار قال الساعدي عن الشعر إنه «ذلك الكائن الغامض الذي يتسلل إلى أرواحنا، فنغوص فيه دون أن نعرف متى وإلى أین ننتهي، لكنه يبقى أشبه بالحلم الذي حلمناه. ولم نصح منه».

وقال إن أول التماساته مع الشعر «هي حكايات جدتي لأمي وأنا ابن السنة العاشرة: حين كانت تغوص بنا ما بين الأساطير والجنّي والطنطل، مجموعة خرافات أشبه بأفلام الكرتون، ولكنها حكايات مخصبة لبذرة الشعرية، منذ تلك اللحظات وأنا بلا وعي أخزن هذه الحكايا لتخرج فيما بعد كلمات موزونة بلا معنى».


الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم


شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.