بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي يعيد بناء الحياة الجحيمية للعراقيين.. سردا

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية
TT

بغداد.. الخوف الذي لا اسم له

أحمد سعداوي   -  غلاف الرواية
أحمد سعداوي - غلاف الرواية

ماذا يتوقع القارئ من رواية بعنوان «فرانكشتاين في بغداد»؟ أعترف أنني للوهلة الأولى ذعرت من العنوان الذي يحمل دلالتين للعنف والقتل (الشخص والمكان)، هل هذا ما حفزني على قراءة الرواية إلكترونيا بعد أن حملتها من موقع الأدب العراقي المعاصر (قبل فوزها بجائزة البوكر)؟ أم الضجة الجميلة والاحتفاء بوصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة بنسختها العربية ومن ثم فوزها بهذه الجائزة؟ أم اسم المؤلف وهو من الشباب المجتهدين الذي اختار البقاء في العراق وشهد التراجيديا العراقية بمختلف مراحلها؟ أم أنني أذعنت للمؤلف وهو يستدرج غريزة الخوف وفضوله في من خلال العنوان اللافت؟
هذه رواية تنصب لقارئها الفخاخ والكمائن وتضج بالمفاجآت، وهي رواية شريرة إلى حد ما، فهي لا تدع القارئ يستمتع بلذة تحقق توقعاته أثناء القراءة أو استباق الأحداث كما يحدث مع بقية الروايات أو الأفلام. ورغم ذلك فهناك حالة تماهٍ بين الأحداث والقارئ، أجزاء الجثث المنسية بعد الانفجارات التي تعثر بها هادي العتاك مثلا يمكن أن يتعثر بها أي عراقي، كقراء كنا مستعدين للقبول بأن الشسمة (ما التقطه هادي العتاك من بقايا الجثث وروح حسيب جعفر ونداء إيليشوا واسم دانيال وملابسه) سيثأر من القتلة ويضمحل ويتلاشى، لكن سعداوي تصرف بالشسمة (وقد يكون العكس هو الصحيح) بطريقة يصعب على القارئ أن يخمنها، ولذلك لم تراودني فكرة القفز على الصفحات رغم أنني كثيرا ما أفعلها مع روايات أخرى. هذه رواية تحتوي على فضاءات بيض كثر، لكنها مع ذلك تقول كل شيء وبسرعة عجيبة، إنها تسحب القارئ إلى الركض وتجعلنا نلهث داخل صفحاتها كي نسرع في الخروج منها، ومع ذلك تظل مسترخية في حبكتها وهي تتدفق بين يدي القارئ لأن أماكنها وأحداثها ومعظم شخوصها تكاد تكون معروفة سلفا من قبل القارئ العراقي تحديدا (لكنها أيضا ستتدفق للقارئ العربي والأجنبي) لذلك فالقارئ سينفتح على الرواية من خلال ترسيخ التفكير والرؤية الذاتية للأحداث والشخوص.
رواية «فرانكشتاين» في بغداد الصادرة عن دار الجمل لعام 2013 تبدأ بجملة غريبة وغير إنسانية «إني أطلب منك ألا تصفح عني» هذه الجملة مقتبسة من رواية «فرانكنشتاين» لميري شيلي، تشكل هذه الجملة برأيي مدخل الرواية وثيمتها، فالمجرم لا يطلب الصفح لأنه يعرف أن الإجرام سمة أساسية فيه كما في باقي البشر، إنه فقط يطلب أن يكون مسموعا من الآخر، وبعد ذلك فليفعل هذا الآخر ما يشاء أو ليحكم عليه بما يشاء. الاقتباس الثاني اختاره المؤلف بعناية فائقة ليعبر عن رجوع الضحية، كأن الألم يأبى الموت ويطلب الراحة بالثأر، وهو اقتباس عن قصة شهيد مسيحي. والاقتباس الثالث جاء على لسان الشسمة، وهو الخوف الذي يطلق عليه الرصاص ولا يموت، هو الجلاد والضحية معا. «الشسمة» الذي يتحدث إلينا بكثير من الحنان، فهو يريد القارئ أن يكون إلى جانبه، يريد من ينصت إليه، من يفهمه ومن يرشده، يريد إجابات عن أسئلته، يبحث عن يقين ما، فحوى وجوده ومغزى شهوته للقتل (شهوة الجميع للقتل). «فرانكشتاين» سعداوي تمحو الفوارق بين الذاكرة الفردية لأي عراقي، والتي تمكنه من سرد الماضي القريب الذي عايشه والذاكرة الجمعية لأبناء البلد الواحد. وحسب تصوري، ستغدو هذه الرواية ضمن الخزين السردي لأبناء الرافدين كما «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، و«الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي.

* الخوف الذي لا اسم له
التخيل في الرواية هو ابتداع شخصية الشسمة وأفعاله القائمة على مجموعة من الاستباقات والاستذكارات (وهو شخصية فنتازية لا تمت للواقع بصلة)، وهذا (التخيل/ السرد الاصطناعي) خدم هيكلية الرواية وشخوصها الواقعيين وسرديتها الطبيعية التي تروي سلسة من الأحداث يريدنا سعداوي أن نصدق حقيقتها، وأغلبها قد وقع فعلا، فالمؤلف استثمر الكثير من التفجيرات التي وقعت ببغداد في الفترة بين 2005 و2006 في أحداث الرواية كي يزيد من جرعة مصداقيتها، كما في تفجير سوق الصدرية وتفجير ساحة الطيران وواقعة جسر الأئمة. تعيد قيامة «الشسمة» لملمة الواقع (زمن السرد) وتربطه بالماضي والمستقبل، وسوف تؤول السردية الطبيعية في رواية أحمد سعداوي ذات يوم إلى اعتبار أن الأحداث التي جرت في زقاق 7 في حي البتاويين بأنها حقيقية. وسوف يحصل الشسمة على حق المواطنة باعتباره شخصية تجاوزت الخيال للواقع وتحررت من مؤلفها الذي ابتكرها.

* إدارة الشخصيات
سيطر المؤلف على العلاقات بين الشخوص حتى إنه كان أشبه بمدير الأفراد الناجح، لم تطغَ شخصية على أخرى. الكل متساوون في الظهور والاختفاء حتى الشخصيات التي بالغ المؤلف في ابتكارها من أمثال المنجم الكبير والصغير، خدمت هدف الروي بطريقة ما.
قبل بداية الفصل الأول يفاجئنا التقرير النهائي وهو التقرير الذي أعدت قراءته بعد انتهائي من الرواية، هذا التقرير يشير إلى أن الأحداث تجري في زمن الاحتلال وما خلفه من مؤسسات (الإدارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي للعراق) ونعرف أن هناك عملا تقوم به هذه الدائرة (المتابعة والتعقيب) وهو توقع الانفجارات قبل وقوعها والقبض على المجرمين، لكن عملها الحقيقي هو الإجابة عن سؤال (متى وكيف أموت) ص259، وهو السؤال الحقيقي والوحيد لسياسيي العراق الجديد الذي يجعلهم يقصدون مكتب العميد سرور لأجله، وإن هذه الدائرة تجاوزت صلاحيات عملها، لذلك تم توقيفها عن العمل. منذ الصفحات الأولى تمسك هذه الرواية بتلابيب القارئ، فما علاقة هذه الدائرة بالمنجمين وتسريحهم منها؟ وما علاقة هذه الدائرة بالأدب والروائيين ومؤلف رواية ما مجهول الهوية يعيش في فندق في شارع أبي نواس ورد ذكره في توصيات لجنة تقصي الحقائق؟
الرواية تتكون من تسعة عشر فصلا، اختار الروائي لكل فصل اسما تغلب عليها الصفات، مثل المجنونة والكذاب والمجرم والصحافي والمؤلف.
سعداوي لم يجمل الواقع ولم يحاول تطمين القارئ، بل تقصد أسلوب الصدمة، حيث افتتح الفصل الأول بانفجار ينهي حياة أناس أبرياء ويحدث تدميرا كبيرا. إذن أين ذروة رواية تبدأ بانفجار؟ نعم فهذه رواية عراقية تنتمي للعراق ما بعد 2003، والزمن في هذه الرواية جزء كبير من ثيمتها، حيث الانفجارات تفاصيل يومية مألوفة، الراوي يتحدث عن العجوز إيليشوا المسيحية نصف المجنونة بسبب حنينها إلى ابنها الذي فقدته في حرب الثماني سنوات مع إيران، هذا الحنين الذي يتحول إلى هاجسها الوحيد للاستمرار في الحياة: ص13 «الميتون إلى الطب العدلي والجرحى إلى مستشفى الكندي. بعض الزجاج المهشم هنا أو هناك. عمود متسخ بالدخان، حفرة صغيرة أو كبيرة في إسفلت الشارع، وأشياء أخرى لا تتمكن، بسبب بصرها الغائم، من رؤيتها أو الانتباه إليها». الدمار والموت والخراب والبصر الغائم هو الانطباع الأول للمكان الذي تدور به أحداث الرواية.
يستخدم المؤلف أسلوب الراوي العليم (الشخص الثالث) الذي يرى الشخوص ويصفهم وتتداخل أزمان الروي بين الحاضر (الحوادث التي يتعرف القارئ أثناء القراءة) والمستقبل (ما سيتعرف عليه القارئ لاحقا باستمرار القراءة)، في ص24 (شاهدت «دنيه» كما كانت تسميه دائما في طفولته وشبابه. تحققت أخيرا نبوءة قديسها الشفيع. نادت عليه فأتاها: تعالَ يا ولدي.. يا دنيه).
تجري الحوارات بين الشخوص بلغة أقرب إلى اللهجة العراقية، وهذا ما يمنحها مصداقية وواقعية: ص37 (أعطني صبرا يا رجل). ولن تكون جملة فرج الدلال بذات الدلالة لو أنها كتبت بالفصحى: ص112 (ما تموتين وتخلصيني عمر تفكه رب الحلو).
حاول سعداوي أيضا «وقد أفلح» أن يجعل حي البتاويين البغدادي الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية يمثل التشكيلة الحقيقية للكثير من أحياء بغداد القديمة، فالمرأة المسيحية إيليشوا تسكن في بيت بناه اليهود، وجارتها المسلمة أم سليم تتبارك بوجودها في الحي، بينما يستعمل جارها الجشع (فرج) جارتها الأرمنية لإقناع إيليشوا ببيع بيتها، الجنوبي أبو إنمار صاحب فندق العروبة يجد نفسه وحيدا بعد غياب سلطة الدولة بسبب الاحتلال الأميركي، هادي العتاك المتشرد الكذاب يستحوذ على بيت مهدم بسبب غياب سلطة الدولة أيضا. يبرع المؤلف في التقاط يوميات نساء البتاويين أو النساء العراقيات عامة (قد يراها بعض القراء مبالغة) وكيف تتداخل طقوسهن الدينية بحيث تضيع الحدود بين الديانات المختلفة، فالراوي يتحدث عن العجوز الآثورية: ص105 (وضعت قبضة الحناء الداكنة على حائط الكنيس اليهودي المهجور، وكذلك على باب الأورفلي المطل على مدخل شارع السعدون وهو الجامع الوحيد في حي البتاويين). هذا المربع المدهش (إيليشوا، هادي العتاك، فرج الدلال، أبو إنمار) هو بطل الرواية الحقيقي.

* موت يطال الجميع
في الفصل الثالث المعنون «روح تائهة» يتلاشى جسد حسيب حارس الفندق بفعل تفجير تصدى له، لكن أحلام أحبته هي من يجمع أشلاء هذا الجسد المتناثر، يا له من التقاط مؤثر من قبل المؤلف، حيث يستلهم (الموروث الشعبي/ الديني) للأحلام وعلاقتها بالأموات. وعندما يستعيد حسيب وعيه بعد الانفجار تختلط الفنتازيا بالواقع، فالجسد تلاشى، لكن الوعي باق، والبصر قادر على الرؤية. لا يبالغ سعداوي في الوصف المثقل بالتفاصيل، بل يلجأ إلى الجمل القصيرة المؤثرة كأنها ضربات سريعة، أو صور متلاحقة لإعلانات سردية متتالية. الأموات في هذا الفصل يعون موتهم ويعرفون أنهم محض جثث، ومن بقيت جثته سليمة هو المحظوظ بينهم. حسيب جعفر يعرف أنه ميت ويعود إلى مكان الانفجار باحثا عن جثته، وواضح جدا أن المؤلف «ولو بعقله الباطن» قد استعار بعض مشاهد فيلم «شبح 1990» الشهير في هذا الفصل، في الصفحة 46 من نفس الفصل هناك روح الشاب الذي يرتدي تي شيرت أحمر ويضع سوارين في معصمه، وهي إشارة إلى الموت الذي يطال الجميع بمختلف الحجج، فهذا المراهق يبدو أنه من مقلدي الموضة الغريبة الذين يتعرضون للقتل على يد الجماعات المتشددة. فنتازيا القتل تحول كل شيء إلى كوابيس إلى الحد الذي تختفي فيه الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، الجثث تتكلم والقديس في الصورة يهدد المسخ (الموت الذي يطال الجميع). إنه سيغرس رمحه في صدره، لكنه لن يفلح أبدا، بل سيتحول القديس إلى مسخ بعد أن تقتطع أم دانيال من اللوحة وجهه فقط. هذه رواية لا تخدع القارئ، بل تفتح عينيه لتجعله يواجه موته ومصيره بكامل وعيه.
في الفصل الرابع (الصحافي) يضعنا المؤلف في مواجهة نماذج للصحافيين طفت على السطح بعد الانفتاح الإعلامي عام 2003. محمود السوادي رجل غائم يبدأ هذا الفصل بترقيته وفصل زميلين من زملائه، علي باهر السعيدي، مدير التحرير الأنيق الذي له صلات واسعة بالسياسيين لديه القدرة على تمييع الأزمات، بل القفز عليها. علاقة الظل بالجسم اللامع الواهي أصلا، محمود السوادي وعلي باهر السعيدي (بينما محمود ينظر إلى نفسه في الزجاج والمرايا المنتشرة في كل مكان ولا يرى شيئا. لا يرى سوى السعيدي ودائرة علاقاته المتشابكة). حتى المرأة التي أحبها محمود السوادي هي عشيقة السعيدي، إنه لا يحب المرأة هنا، بل يحب ما قد أحب السعيدي في محاولة للتطابق معه، في الفصل الأخير يكتشف محمود السوادي من خلال مراجعة مواقف السعيدي أنه رجل بلا وجه محدد، وهو أشبه بقناة مجوفة تمر عبرها سيول من الأفكار البراقة والمواقف الغريبة، شخصية السعيدي هي مثال على منظري الديمقراطية الذين جاءوا مع الاحتلال، وتلتقي مصالحهم مع ما تبقى من متلونين من إرث النظام السابق، كما في السخرية المبطنة في لقاء العميد سرور بالسعيدي وضحكهما رغم كل ما يجري من حولهما من قتل وتدمير: ص90 (كانا يتحدثان عن الحرب وكأنها فلم ينتظرا مشاهدته في السينما. كانا يضحكان).
لا حانات في بغداد في هذه الفترة، فالحانة التي يجلسون فيها سرية يتم الدخول إليها من باب مطعم صغير وهناك ثرثرة عادية بين الأصدقاء الجالسين في هذه الحانة بإنقاذ أحدهم من موت محقق، توازن من نوع بين مفارقات الحياة الموت.
للمؤلف تقنية تقترب من تقنية المشاهد السينمائية بالإضافة إلى الجمل القصيرة المركزة والوصف الموجز هناك انتقالات جميلة في السرد في أزمان متعددة (شرب فرج الدلال من شايه بهدوء ناظرا بازدراء إلى الشحاذ العجوز، وفي ذات الوقت كان هناك من يشرب شايه بهدوء أيضا، إنه العميد سرور محمد مجيد، المدير العام لدائرة المتابعة والتعقيب).
في الفصل الثامن ترد إشارة ذكية إلى حادثة جسر الأئمة وما يسبقها من أشباح تحوم فوق الجسر، هذه رواية لا تغفل سير الأرواح يسميها الراوي بحذق توابع الخوف. السرد الحيوي المسترسل لأحداث يومية بسيطة يحولها إلى دعامات قوية في بنية الرواية: ص84 (استغرقا في الزحام الذي خلفته دورية من الهمرات الأميركية تسير ببطء ويشهر الجنود من فوقها الأسلحة بوجه السيارات التي تسير خلفهم فتتأخر هذه السيارات مسافة عشرين مترا عن الهمرات).
الانتقالات في الزمان والمكان في الفصل الثاني عشر مذهلة ومبتكرة، الاستراتيجية النصية تحتوي على إحالات زمنية دقيقة بما يغني الحبكة لا بما يكسر من بهائها، إحالات تتشعب على المستقبل، الراوي العالم بالحدث مسبقا يتلاعب بالزمن كأنه لفافة ورق يفرده ويطويه أمام القارئ، بينما مشهد الشسمة وهو يتفرج من فوق سطح بيت أم دانيال على أبيه هادي العتاك يضرب من قبل ضباط دائرة المتابعة، هذا المشهد يحلينا إلى مشاهد في أفلام الرجل الوطواط. يشير تغيير الاسم من فندق العروبة إلى فندق الرسول الأعظم على الواقع الذي تغير من زمن القومية إلى زمن الهوية الدينية.

* لا أبرياء أنقياء ولا مجرمين كاملون
سعداوي أطال زمن التشنج أو الذروة الذي بدأ من الفصل الأول ولم ينته بالحل الدرامي كما يحدث عادة في الروايات. بل إن المشهد الأخير في الرواية التي تنتهي بتفجير كبير يهدم المنازل ويحرق ويشوه هادي العتاك، بينما القط نابو يتمسح برجل الشسمة وهو يتفرج على سيارات الإطفاء والإسعاف من إحدى نوافذ فندق العروبة المهجور، هذا المشهد برأيي هو ذروة الرواية التي أضحت مهمة الثأر والانتقام فيها أبدية: ص255 (ليس هناك أبرياء أنقياء بشكل كامل ولا مجرمين كاملون).
تتفوق حبكة هذه الرواية على حكايتها إلى الحد الذي نستطيع القول فيه إن «فرانكشتاين في بغداد» تمتلك حبكة أكبر بكثير من حكايتها بسبب إصرار المؤلف على ملاحقة كل شيء وتضمينه داخل هذا الميكانزم السردي الضخم لذلك وقع في مطبات هينة من وجهة نظري كما في الإشارة أكثر من مرة إلى اللون الوردي الذي يرتديه ضباط دائرة المتابعة والتعقيب والمغلفات الوردية التي يستعملونها. وعدم وجود شخصية إيجابية مؤثرة بين شخوص الرواية.
هل سخرت هذه الرواية من موت العراقيين في الشوارع والساحات العامة وفوق الجسور وقدمت هذا الموت باعتباره سردا وتخيلا؟ أو على الأقل وظفت هذه الحوادث المأساوية لإثراء عالم الرواية السردي اعتمادا على معطيات الواقع العراقي؟ «فرانكشتاين في بغداد» تجعلنا نواجه خوفنا وقلقنا ونحن نحاول قول شيء حقيقي عن عالمنا الواقعي: ص137 (كل يوم نموت خوفا من الموت نفسه)، القارئ لا يقرأ فحسب، بل يكتشف قلقه وخوفه ويستدل من خلالهما على ذاته في هذا البناء السردي الذي يعج بالأوهام والحقائق، وبالتالي يحدد موقع هذه الذات داخل عالم الرواية كجزء من استهلاك النص واستيعاب دلالاته وقد يتحول القارئ بعد إكمال هذه الرواية إلى سارد آخر للإحداث التي عايشها شخصيا في حقبة الاقتتال الطائفي تلك.



على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.