مفارقات بالجملة في أولى نتائج الخفض الضريبي الأميركي

شركات بأرباح أكثر وموازنة بعجز أكبر

آثار الخفض الضريبي الأميركي بدأت في الظهور تباعاً على نتائج الشركات في «وول ستريت» (رويترز)
آثار الخفض الضريبي الأميركي بدأت في الظهور تباعاً على نتائج الشركات في «وول ستريت» (رويترز)
TT

مفارقات بالجملة في أولى نتائج الخفض الضريبي الأميركي

آثار الخفض الضريبي الأميركي بدأت في الظهور تباعاً على نتائج الشركات في «وول ستريت» (رويترز)
آثار الخفض الضريبي الأميركي بدأت في الظهور تباعاً على نتائج الشركات في «وول ستريت» (رويترز)

بدأت آثار الخفض الضريبي الأميركي في الظهور تباعاً، لتؤكد جملة معطيات متجانسة شكلاً، لكنها قد تكون خلاف ذلك مضموناً. وتقدر نسبة مبالغ ذلك الخفض بنحو 1.1 في المائة من الناتج، ما شكل نحو 200 مليار دولار.
وأكد متابعون للمؤشرات الأولى، أن عجز الموازنة ارتفع 12 في المائة بسبب نقص في الإيرادات الضريبية، مقابل استمرار ارتفاع «وول ستريت» وارتفاع ثقة المستهلكين وصغار المستثمرين. أما على صعيد الشركات الكبيرة، فالأمر أقل إشراقاً في مسألة الاستثمارات المنتظرة منها، والتي راهن عليها الرئيس دونالد ترمب لزيادة التوظيف ورفع الإنتاجية. كما حذر اقتصاديون من تفاقم عجز الموازنة في الأشهر والسنوات المقبلة، بما يهدد النمو، وبالتالي الوظائف والاستثمارات معاً.
على صعيد «وول ستريت»، ومنذ انتخاب ترمب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، أي خلال ما يصل إلى نحو سنة ونصف السنة، حققت بورصة نيويورك مكاسب كثيرة. فمؤشر «داو جونز» صعد 38 في المائة، و«ناسداك» المتخصص بقياس أداء أسهم الشركات التكنولوجية قفز 47 في المائة.
المحرك الأساسي لهذا الصعود القياسي كان انتطار - ثم إقرار - قوانين الضرائب لجهة خفضها. تلك كانت ورشة «إصلاحية» واسعة النطاق، أصاب «وول ستريت» منها نصيب وافر بسبب خفض ضرائب أرباح الشركات من 35 في المائة إلى 25 في المائة، وهذا سيرفع الأرباح والتوزيعات منها، ما يثير شهية المستثمرين في أسهم الشركات التي ستستفيد من ذلك الخفض الكبير نسبياً.
ويؤكد محللون عاملون في «بيكيت آي إم» لإدارة الأصول، أن أرباح أسهم أو شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» سترتفع نحو 5 في المائة على الأقل في 2018. هذا إضافة إلى مكاسب المناخ الاستثماري الإيجابي العام الذي تعيشه الشركات الأميركية، سواء على الصعيد الداخلي وعلى صعيد إفادتها من نمو الاقتصاد العالمي. لذا يظهر المحللون تفاؤلاً بأداء الأسهم المدرجة في «وول ستريت» ويراهنون على صعود بين 15 و20 في المائة هذه السنة.
وبدأت بعض الشركات تشعر بمنافع ذلك الخفض الضريبي الذي أقر أواخر 2017، مثل شركة «بيركشاير هاثاواي» التي يرأسها الملياردير والمستثمر الشهير وارن بافيت، التي جمعت 29 مليار دولار بفضل القانون الضريبي الجديد حتى الآن. فللشركة مساهمات استراتيجية في عدد من الشركات الكبيرة في قطاعات هي الأكثر استفادة من خفض الضرائب، مثل النقل وسكك الحديد والسلع الاستهلاكية ومطاعم الوجبات السريعة. كما أن «بيركشاير هاثاواي» مستثمرة في أسهم شركة «آبل». ويذكر أن «آبل» تأتي على رأس الشركات الأخرى في قطاعها، من حيث الاستفادة من بنود في القانون الجديد خاصة بخفض الضرائب، في حال إعادة مئات المليارات الموظفة أو الموطنة خارج الولايات المتحدة الأميركية، والتي في حال عودتها ستكون عرضة لضرائب نسبتها 15.5 في المائة، بدلاً من 35 في المائة، بالنسبة للنقدي (كاش) و8 في المائة فقط بالنسبة للأرباح المخصصة لإعادة استثمارها في الولايات المتحدة.
لذا فالرهان ضخم جداً وفقاً لبنك «غولدمان ساكس» الذي يقدر أن لدى «آبل» و«مايكروسوفت» و«سيسكو» و«غوغل» (ألفابيت) و«أوراكل» نحو 511 مليار دولار في الخارج. أما إجمالي المبالغ المهاجرة فيبلغ 2.5 تريليون دولار، علما بأن لشركة «آبل» وحدها 250 مليار دولار في الخارج، وكشفت الشركة أنها ستدفع 38 ملياراً منها ضرائب عند عودتها.
لكن بعد الصعود الهائل لمؤشرات «وول ستريت» يخشى البعض من انتكاسة ما، كما حصل في الإنذار القاسي المتمثل في الهبوط الحاد الذي شهدته تلك المؤشرات في النصف الأول من فبراير (شباط) الماضي، عندما سجلت خسارة 10 في المائة في أيام قليلة. كما أن المحللين يضيفون إلى تلك المخاوف هواجس أخرى متعلقة بارتفاع عجز الموازنة الأميركية، بفعل ذلك الخفض الضريبي الذي سيخفض الإيرادات العامة، وهذا بدوره قد يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي، وبالتالي في الشركات وأرباحها.
فقد بلغ عجز الموازنة 215 مليار دولار في فبراير الماضي بزيادة نسبتها 12 في المائة، وفبراير هو الشهر الأول الذي تشعر فيه الموازنة بعبء نقص إيرادات الضرائب، بسبب خفض معدلاتها، كما أراد الرئيس دونالد ترمب. وبلغ إجمالي العجز في الأشهر الخمسة المنقضية من السنة المالية الحالية، التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، 391 مليار دولار، مقارنة مع 351 مليار دولار في الفترة نفسها من السنة المالية السابقة.
على صعيد آخر، يرى المحللون أن الشركات الصغيرة والمتوسطة - كما الأسر الأميركية - ستكون بين أكثر الرابحين من الخفض الضريبي، وفقاً للمؤشرات الأولى التي بدأت بالظهور الشهر الماضي، وطالت منافعها نحو 3 ملايين أميركي في المرحلة الأولى. وبفعل ذلك - إلى جانب مؤشرات إيجابية أخرى - صعدت ثقة المستهلكين الأميركيين إلى أعلى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2000.
يذكر أن 90 في المائة من الشركات في أميركا، لا سيما الصغيرة والمتوسطة الحجم، تخضع لضرائب مماثلة لضرائب دخل الأفراد، وليس لنسب ضرائب الشركات الكبيرة؛ لأن الاقتصاد الأميركي مفعم بعدد هائل من المؤسسات العائلية، ما يجعل منها مساهمة بنحو نصف الإيرادات الضريبية التي تدخل الموازنة أو أكثر من ذلك، بعكس الاعتقاد السائد حول العالم عن أن الشركات الكبيرة والعملاقة مثل «آبل» و«مايكروسوفت» و«بوينغ» تساهم بأكبر قدر ممكن من تلك الإيرادات؛ لكن في حقيقة الأمر فهي تسهم بأقل من نصف تلك الإيرادات الضريبية.
وتشهد الشركات الصغيرة والمتوسطة حالياً موجة استثمارات وتوسعات وتجديد معدات؛ لأن القانون الجديد أعفى تلك الاستثمارات من الضرائب حتى مليون دولار. ويوضح المحللون أن ما خص الشركات الصغيرة والمتوسطة على صعيد الاستثمارات المعفاة من الضرائب، سيكون له أكبر الأثر الإيجابي على الوظائف والإنتاجية والنمو، وربما بما يضاهي الأثر الآتي من خفض ضرائب الشركات الكبيرة، علماً بأن ترمب أرضى - أو كافأ - أصحاب المؤسسات الصغيرة بطريقتين: الأولى بخفض نسبة الضرائب المفروضة عليهم، والثانية بزيادة الإعفاءات بنسبة 20 في المائة على الأقل.
أما على صعيد الشركات الكبيرة، فقد أكدت دراسات أن جزءاً يسيراً من الوفر الضريبي الذي ستحققه تلك الشركات سيوجه إلى الاستثمار الذي هو العصب الأساس لزيادة الإنتاجية في الاقتصاد الأميركي. إذ وفقاً لدراسة أجراها بنك «مورغان ستانلي» فإن 17 في المائة فقط من ذلك الوفر سيعاد استثماره مقابل 43 في المائة لإعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح (أي دعم أسعار الأسهم في الحالتين)، ما يشير إلى أن مكاسب «وول ستريت» ستزيد مقابل إفادة أقل للاقتصاد عموماً. تلك هي المعضلة الدائمة في بعض الاقتصادات الرأسمالية التي تركز على الأصول المالية أكثر من الحقيقية أحياناً.


مقالات ذات صلة

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

أوروبا نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

تراقب روسيا من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وتبدي استعدادها لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

رائد جبر (موسكو )
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «وظائف شاغرة» مُعلّقة على باب متجر «غيم ستوب» في مدينة نيويورك (رويترز)

فرص العمل في الولايات المتحدة عند أدنى مستوى منذ 5 سنوات

تراجعت فرص العمل في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر، مع تعديل بيانات الشهر السابق بالخفض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.