سكان الرقة ينفضون ركام الحرب عن مدينتهم... والجميع منهمك في إعادة الإعمار

أعظم الأحلام عودة المياه إلى الحنفيات والتخلص من الألغام التي خلفها «داعش»

طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
TT

سكان الرقة ينفضون ركام الحرب عن مدينتهم... والجميع منهمك في إعادة الإعمار

طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار

ينفض سكان مدينة الرقة شمال سوريا، غبار الحرب عن مدينتهم، وينهمك العائدون إليها بإعادة إعمار منازلهم ومحلاتهم بإصرار وعزيمة كبيرة، ويعمل الجميع لإعادة عجلة الحياة إلى مدينة تعبت من شدة المعارك.
النسوة والفتيات منشغلات بإخراج حطام الأنقاض وتنظيف بهو المنزل وفناء الدار، في محاولة لطي صفحة النزوح والشتات التي عايشنها طوال الأشهر الماضية، كما عادت عربات بيع الخضراوات والفاكهة إلى الساحات العامة وتعالت أصوات الباعة، خاصة في دوار النعيم، حيث ما زال دمارها وركامها شاهداً على الحرب التي وقعت فيها قبل أشهر.
أثار الدمار مسيطرة على الأحياء الواقعة في أطراف الرقة، حيث انهار سقف كثير من المنازل أو خلعت أبوابها والشبابيك، أما المحال التجارية فقد تعرضت للدمار والبعض منها سوي بالأرض. غير المشهد يبدو صادماً أكثر في مركز المدينة، وتحديداً في ساحة الساعة ومركز المحافظة ودوار النعيم وساحة الدلة والملعب الأسود والسوق القديم، حيث جرت معارك عنيفة جداً للسيطرة على أبنية استراتيجية انتهت بطرد عناصر «داعش»، وبات من الصعب التفريق بين منزل ومتجر، بعد أن تحول معظمها إلى جبال من الركام، وتناثرت الحجارة وأنابيب المياه وأسلاك الكهرباء، ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية.
وكانت حارة المشلب والرقة السمراء وحي الطيار ومنطقة السمرات الواقعة شرق المدينة أفضل حالاً من باقي المناطق، إضافة إلى حي الدرعية والسباهية ومزرعة الأسدية الواقعة غرباً كونها تحررت بداية الهجوم في شهر يونيو (حزيران) 2017، وعاد إليها معظم سكانها، بعد أن سمحت «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع مجلس الرقة المدني بعودة سكان جميع الأحياء.
عبد الرحمن (53 سنة) وهو من سكان دوار النعيم، يعمل على ترميم منزله الذي تعرض إلى دمار جزئي وهو الواقع بين أخطر ساحتين في الرقة، أثناء معركة طرد تنظيم داعش على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.
يبدي عبد الرحمن رغبته بحياة جديدة بعيداً عن الرعب الذي عاشه في زمن عناصر التنظيم المتشدد، يجبل بعض الإسمنت ويضعها تحت طوبة فوق سور منزله الذي تهاوى جزء كبير منه، ويقول لنا: «يقع بيتي بين دوار الجحيم ودوار الموت (أي بين دوار النعيم ودوار الدلة) عندما كنت أخرج من منزلي أشاهد رؤوساً معلقة بدوار الجحيم، وفي دوار الموت كانت الجثث معلقة دون رؤوس».
يحاول عبد الرحمن اليوم نسيان ذكرياته المثقلة، يعيد بناء منزله وقد نالته نيران المعارك العنيفة، فقد كسر زجاج النوافذ والأبواب جراء الانفجارات التي وقعت في محيطه، وتهاوي سور المنزل وجزء من سقفه. يقول وهو يتابع عمله: «لن أنتظر الجهود الدولية والوعود بإعادة الإعمار، أقوم بنفسي بهذا العمل. سكان المدينة هم فقط من سيقوم بإعادة الروح إليها».


عودة الحياة إلى مركز المدينة
تقع مدينة الرقة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع. كان يسكنها قبل اندلاع الثورة السورية التي تحولت إلى حرب في سوريا ربيع 2011، نحو 300 ألف نسمة، غالبيتهم من العرب السنة، إلى جانب أكراد ومسيحيين وتركمان، فر معظمهم بعد سيطرة التنظيم المتطرف على المدينة.
بعد تحريرها؛ قرر قسم من أبنائها العودة إليها، وتتركز غالبية العائدين بشكل خاص في حارة المشلب وأحياء الدرعية والرميلة وعدة أحياء مجاورة. وشهدت ساحة دوار الدلة الواقعة في مركز المدينة، حركة نشطة لم تشهدها الساحة منذ سنوات، حيث تعمل الورش ليل نهار لإعادة بناء السوق من جديد؛ ويربط أصحاب المحال والمنازل المحيطة بالمنطقة الليل بالنهار للإسراع من انتهاء أعمال التنظيف والعودة إلى حياتهم الطبيعية.
أحد هؤلاء العائدين عواد (36 سنة) الذي يعمل في مهنة البناء ويساعد السكان لإعمار منطقته بحارة السمرات شرق الرقة، وأثناء الحديث معه، كان منشغلاً بالبناء لكن هذا لم يمنعه من أن يقول: «لا أعطي فرحتي لأحد، كان حلماً بالعودة للرقة وقد تحقق».
لم تنه الحرب حياة سكان مدينة الرقة، فهم يعملون ويكافحون ليعيدوا مدينتهم إلى الحياة. لكن مع انتهاء سيطرة عناصر تنظيم داعش التي استمرت ثلاث سنوات ونيف بين يناير (كانون الثاني) 2014 وأكتوبر 2017)، برز تحد آخر، فقد عمد عناصر «داعش» إلى زرع الألغام والمتفجرات في مختلف أنحاء المدينة، الأمر الذي يحول الآن دون عودة معظم سكانها. ومن هؤلاء، آيات (54 سنة) النازحة في مخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومتر غربي الرقة، التي تقول إنها لن تعود هي وأسرتها إلى مسقط رأسها حتى تصبح آمنة، وتؤكد أنها تفضل العيش تحت خيمة لا تقيها برودة الشتاء على عودة فيها مجازفة. وتضيف: «لن نعود ما دام هناك ألغام ومتفجرات».

نزع المواد المتفجرة
في كثير من الأحياء التي ما زالت تنفض عن نفسها غبار الحرب، يتفقد مدنيون من سكان الرقة منازلهم المدمرة ويزيلون الركام أمام محلاتهم، ويعود آخرون منهم على متن سيارات وآليات محملة ببعض من حاجاتهم، فيما يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم ما.
وتعمل منظمة «روج» بالتنسيق مع منظمات أميركية ودولية معنية بإزالة الألغام على نزع المواد المتفجرة والمنتشرة بكثافة، ويرتدي ستة أشخاص من عمالها زياً لونه (كاكي)، ويضعون على ذراعهم شارة حمراء اللون تتوسطها جمجمة بيضاء. وفي منطقة الصناعة وبجانب سور الرقة الأثري، يحمل الفريق الباحث عن مخلفات الحرب، أجهزة كشف تقليدية مثل عصا طويلة بلاستيكية مزودة بلاقط حاد، ليتمكن من التقاط الخيوط المتفجرة، كما يحمل أجهزة رصد دقيقة عن بعد للكشف عن الألغام اليدوية والقنابل الغير متفجرة.
يقول عبد الحميد آيو المستشار التقني لقسم العمليات مدير منظمة (روج)، متحدثا إلى «الشرق الأوسط»، إنّ: «الألغام في المدينة تقدر بالآلاف. وقد تمكنا من الكشف عن نصف المدينة وأزلنا 1500 لغم حتى اللحظة لأن المدينة كانت ملغمة بشكل كامل»، مشيراً، إلى أن فريق المنظمة قام بتدمير أكثر من 15 ألف لغم من مخلفات تنظيم داعش بحسب عبد الحميد آيو.
إصلاح شبكة المياه
غابت المياه عن الرقة منذ قرابة سنة، ولا يوجد سوى عدد قليل من الآبار للاستخدام بعد تحرير المدينة. وبدأت ورشة فنية تتبع لجنة المياه التابعة في مجلس الرقة، أعمال إصلاح خطوط المياه في حارة الرقة السمراء. وأثناء وجودنا، كان الفريق يقوم بحفر موزع شبكة رئيسية بالقرب من نقطة سقطت عليها قذيفة صاروخية دمرت الشبكة بشكل شبه كلي. وبرفقة مجموعة من العمال والفنيين، قام المهندس جاسم الخلف من لجنة المياه بتفقد المكان. وفي حديثه إلى صحيفة «الشرق الأوسط» شرح الخلف خطتهم التي تقوم على إعادة المياه لعدة أحياء، وقال: «معي ورشة تعمل حالياً على إصلاح هذا الخط قطره 600 سنتمتر من الفونط المرن، وهي من الخطوط الرئيسية التي تؤمن تغذية المياه لباقي أحياء الرقة».
في السياق، انتهى مجلس الرقة المدني من تجهيز محطة مياه الكسرات الأساسية (غرب الرقة) والتي توجد فيها مضختان عموديتان واثنتان أفقيتان، طاقة كل منها 500 متر مكعب في الساعة، لتضخ جميعها، نحو ألفي متر مكعب في الساعة بحدودها الدنيا، غير أن طاقتها الإنتاجية تبلغ قرابة 8500 متر مكعب في الساعة.
إلا أن زياد (38 سنة) الذي ينحدر من سكان شارع الانتفاضة الواقع غرب الرقة، أكد أنه وجيرانه يشترون المياه الصالحة للشرب والاستعمال، ويبلغ سعر برميل الماء 200 ليرة سورية (ما يعادل نصف دولار أميركي). يقول: «لا مشكلة في انقطاع الكهرباء والخدمات، لكن عدم توفر المياه سيما الصالحة للشرب فتعد أكثر المشكلات التي نعانيها»، ويكمل «إن أكبر أحلامنا مشاهدة عودة المياه إلى الحنفية».
أما على مستوى نظافة المدينة، ففد بدأت بلدية الرقة منذ بداية الشهر الحالي، العمل داخل أحياء المدينة، وخصصت جرارات وآليات للنظافة ورمي النفايات في المكبات المخصصة. وقالت سناء الأحمد رئيسة البلدية المشكلة من قبل مجلس الرقة المدني الذي يدير المدينة: «قمنا بتوزيع حاويات النفايات في معظم الأحياء التي عاد الناس إليها، كما خصصنا 7 جرارات للنظافة لجمع النفايات، وتقوم هذه الآليات بالتجول في الأحياء مرتين يومياً، 7 صباحاً ومثلها مساءً».
ولتشجيع الأهالي على العودة إلى منازلهم؛ قررت البلدية إعفاء المواطنين من رسوم ترخيص البناء وضرائب المالية. وتقول الأحمد: «قررنا إعفاء الأهالي من الضرائب والرسوم المالية لتسريع عمليات إعادة الإعمار، الجميع هنا يربط الليل بالنهار لتقديم الخدمة لكل شخص عائد، لتعود الرقة عروسة الفرات».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.