المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

صعد في الستينات ثم راح ضحية ثقافة الاستهلاك

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
TT

المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل

مثلت حقبة الستينات زمن الصعود الأقوى للمسرح، وارتبطت بأسماء مبدعين كبار: مؤلفين، وفنانين ومخرجين، تركوا بصمة لا تزال مثيرة للدهشة والمتعة، لكن هذا الحراك ذبل وانطفأ مع التحولات التي طرأت على المجتمع، ودخوله في نفق سياسة الاستهلاك الشرهة، ليتراجع موقعه على الخريطة الثقافية مصرياً وعربياً.
«ثقافة» استطلعت في هذا التحقيق آراء مسرحيين، لمعرفة هل ثمة خطط ومشاريع لإخراج المسرح من الحالة المؤسفة التي يعيشها حالياً؟
في البداية، يقول الناقد المسرحي الدكتور عمرو دوارة: «على الرغم من المحاولات الجادة للتنمية الاقتصادية التي تشهدها بلادنا، فإن التنمية الثقافية للأسف ما زالت تأتي في الدرجة الأخيرة من الاهتمام، وبالتالي لا نجد أي اهتمام حقيقي من جانب الجهات المعنية بتقديم الدعم المناسب للفنون المسرحية، ومع ذلك شهدت المواسم المسرحية الأخيرة، خلال عامي 2017 و2018، عدة محاولات جادة لإنقاذ المسرح المصري من عثراته وأزماته المزمنة، بعدما حمل رايته جيل جديد من الشباب العاشقين له والمؤمنين بدوره. ويحسب لهؤلاء المسرحيين الشباب حماسهم الشديد، وتوظيفهم لجميع خبراتهم لجذب الجمهور مرة أخرى إلى المسارح. وبالفعل، علقت لافتة (كامل العدد) على شباك كثير من مسارح الدولة، وذلك في حين غاب النجوم عن المسرح، بتفضيلهم العمل بالدراما التلفزيونية، خصوصاً مع تقلص نشاط فرق القطاع الخاص، بل اختفاؤها بصورة شبه كاملة، والاكتفاء بتقديم بعض العروض بالفضائيات».

المسرح والشارع
ويفسر الدكتور دوارة انفصال المسرح حالياً عن هموم الشارع والشخصية المصرية، قائلاً: «هناك محاولات للتغلب على غياب مشاركات فرق القطاع الخاص، نظراً لارتفاع تكلفة إنتاج العروض المسرحية (كنتيجة لارتفاع أجور النجوم والدعاية وإيجار المسارح). ونتيجة لذلك، انتشرت ظاهرة مؤسفة أساءت كثيراً إلى المسرح المصري، وإلى مفهوم المسرح بصفة عامة، وهي ظاهرة مساهمة بعض القنوات الفضائية في إنتاج عروض للتصوير التلفزيوني، ثم تقديمها من خلال الشاشة الصغيرة فقط. والحقيقة أن النجاح التجاري لهذه التجربة، وزيادة الطلب على مثل تلك النوعية من العروض، قد دفع بعض الفنانين إلى استغلال الفرصة وتقديم بعض العروض المتواضعة جداً فنياً. وكشفت إعادة عرض هذه العروض مدى الإفلاس، ومدى تدني المستوى الفني لتلك العروض، التي لا يمكن أن تصمد أمام الزمن، ولا يمكن مشاهدة أي منها أكثر من مرة، فجميعها تعتمد على تقديم بعض القوالب الشعبية للكوميديا المرتجلة واللعب بالكلمات والقفشات اللفظية، والسخرية من بعض العاهات أو الأحداث الآنية، وذلك على النقيض من تلك الأشكال والقوالب الكوميدية الراقية التي تعتمد على حبكات جيدة، ومجموعة من المواقف الدرامية محكمة الصنع، التي قدمها المسرح المصري منذ عشرينات القرن الماضي، وكان على رأسهم الفنان الكبير نجيب الريحاني، وعلي الكسار، مروراً بمسرحيات فترة الستينات لكتاب الكوميديا الكبار، التي استطاعت تناول قضايا الإنسان المصري، وعبرت عن طموحاته وآماله من خلال قوالب فنية راقية».
ويرى د. دوارة أن «أزمة المسرح تتمثل فقط في أزمة الإدارة، وأن مصر ولادة فعلاً، وتتمتع بعدد كبير من الفنانين الموهوبين في جميع المجالات، ومن بينها الكتابة المسرحية، ولكن تبقى مشكلة الإدارة التي يجب عليها القيام بعملية الفرز الدقيق، ومنح الفرص للموهوبين فعلا فقط». ولكن ما يحدث في أرض الواقع، كما يضيف، يخالف ذلك «حيث يقتنص الفرص أنصاف الموهوبين أصحاب النفوذ، في حين تغلق أبواب النشر وفرص الإنتاج المسرحي أمام عدد كبير من أصحاب الموهبة الحقيقية والكفاءة. ومن خلال مشاركاتي ببعض لجان التقييم والتحكيم، تأكد لي وجود عدد كبير من كتاب المسرح الرائعين بمختلف الأقاليم المصرية، ولكن للأسف كثيراً ما يصيبهم الإحباط كنتيجة منطقية لاهتمام المسؤولين ببعض الأشكال والقوالب التجريبية فقط، وتسييدها وإتاحة الفرصة لإنتاجها على حساب تلك النصوص الرصينة التي يقومون بتجاهلها وإهمالها».
واعتبر دوارة أن تجليات المسرح البديل تكمن في تعاظم دور «هواة المسرح» بمصر، وهو الظاهرة الإيجابية التي تحتاج لمزيد من دعم جميع الجهات المعنية بالشباب، خصوصاً بعدما نجحت بعض فرق الهواة، لا سيما من الفرق الجامعية وفرق «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، في جذب جمهور جديد لعروضهم المتميزة التي يحرصون على تقديمها لعدة ليال متتالية ببعض مسارح العاصمة والأقاليم، اعتماداً على دعم جمهورهم وإيرادات شباك التذاكر.
وأضاف: «لقد نجح (هواة المسرح) وعشاقه المغامرون في تحقيق التواصل مع جمهورهم عبر وسائل الاتصال الحديثة، وكذلك في التخلص من جميع القيود الرقابية، وأهمها لوائح ممارسة المهنة بنقابة المهن التمثيلية، وقوانين ضريبة الملاهي، وقبل كل ذلك فكرة ضرورة مشاركة النجوم لاجتذاب الجمهور. والملاحظات التي يجب تسجيلها في النهاية هي أن أغلب فعالياتنا ومهرجاناتنا المسرحية تعاني كثيراً من عدم التنسيق فيما بينها (سواء على مستوى مواعيد تنظيمها أو على مستوى تكرار بعض الأنشطة)، كما تفتقد للتخطيط السليم نظراً للاعتماد على القرارات الفردية والجهود العشوائية».
وطالب دوارة بضرورة وضع خطط قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى، والحرص على تنفيذ كل منها بكل دقة، مع ضرورة مراعاة الاهتمام بالخطاب الدرامي لتحقيق المشاركة في التنمية الاجتماعية بصورة فعالة، مما يتطلب أيضاً ضرورة تنظيم خطط للتجوال بجميع العروض لتحقيق فكرة العدالة الاجتماعية، وتوصيل دعم الدولة للجميع، ولن يتحقق ذلك بالطبع إلا من خلال الاختيار الدقيق للقيادات المسرحية، والاعتماد على أسلوب العمل الجماعي، من خلال لجان القراءة والمكاتب الفنية المتخصصة، مع تحقيق فكرة المتابعة والتقييم والتقويم بكل جدية وشفافية.

ثقافة الإنترنت
ومن جانبه، يقول الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل إنه تحول لكاتب روائي أخيراً، وصدرت روايته الأولى «المنفى والملكوت»، لتراكم الإشكالات الكبرى التي استقرت على الفن المسرحي في مصر خلال السنوات الماضية، ولم تنته بعد إصابة المسارح بالروتين الحكومي الذي يفرض نموذج «الطابور» على المبدعين وانتظار الدور، ما أدى إلى ترهل المشهد الإداري.
ويضيف إسماعيل: «لا توجد حركة مسرحية الآن في المسرح المصري، بمعنى أن الدولة لها توجه تنموي واضح في شتى المجالات، لكنها لا تلتفت لكتاب المسرح الذين أصابهم الاكتئاب حتى بحثوا في أكوام الأفكار عن الموضوعات العدمية لكتابتها، وهذا ترتب عليه أن مسرحنا الآن (غير وطني)، بمعنى أن الكاتب يكتب في فضاء ذاتي، بما يناسب حالته النفسية، وهذا لا يشكل حركة مسرحية وطنية إطلاقاً. والمثال الأقرب لهذه الفكرة أنتجته ثورة 1952، حينما كان المسرح هو ظهير الاشتراكية. وإن أسقطنا هذا النموذج على واقعنا المعاصر، سنجد أن مصر قامت بها ثورتان في فترة وجيزة، شارك فيهما أغلب المصريين، ومن بينهم بطبيعة الحال المسرحيون. ومع ذلك، لم يواكبها أي حراك مسرحي حقيقي يؤرخ ويوثق هذا الحدث التاريخي الجلل بشكل يليق».
ويتابع: «لا يمكن أن نتجاهل النقلة النوعية التي أحدثها الذكاء الإلكتروني واختزال المعلوماتية في جهاز صغير، حيث تربت أجيال متلاحقة على استخدام (الموبايل) للسفر حول العالم وهم في أماكنهم، وبالتالي أنتج هذا سهولة التلقي، وإلغاء كاملاً للخيال والمسافة بين الشباب والقراءة الجادة، فهناك ارتباط وثيق الصلة بين العادات القرائية التي تفرز إنساناً مثقفاً حقيقياً قادراً على التخيل وفن المسرح، وكلما ابتعد الجمهور عن القراءة، ابتعد بطبيعة الحال عن خشبة المسرح».
ولكن المخرج خالد جلال لا يتفق مع الآراء السابقة، فهو يرى أن فن المسرح ليس غائباً عن المشهد الثقافي المصري، مستشهداً بكم العروض المسرحية التي تعرض على مسارح الدولة، والتي «كسرت الدنيا» - على حد تعبيره - في القاهرة، وكذلك في باقي المحافظات.
ويقول عن ذلك: «إن المسارح في كل ربوع مصر تستقبل 3 آلاف عرض مسرحي في العام الواحد، أي أن المنتج الثقافي الذي يقدمه المسرح المصري هو الأكبر مقارنة بأي منتج ثقافي آخر، وهذا على مستوى العالم العربي، ولو كان هناك غياب للمسرح ما كانت وسائل الإعلام قد اهتمت بتسجيل العروض المسرحية وبثها على مدار الموسم». ويستشهد هنا بالفرق المسرحية التي كانت تقيم عروضها في مواسم محددة، وينجذب إليها الجمهور المصري والعربي، مثل العروض المسرحية التي كان يقدمها الفنان عادل إمام ومحمد صبحي وسهير البابلي ومحمد نجم وسمير غانم، وكان لها أثر بالغ في صناعة مشهد ثقافي يتصدره المسرح الخاص.
ويستدرك المخرج جلال بقوله: «ولكن مع تطور وسائل الإعلام والميديا، تراجع هذا النوع من العروض، وذلك يرجع إلى تكاليفها الباهظة، بدءاً من تأجير المسرح، مروراً بكل ما يخص العرض من تجهيزات، إضافة لأجور الفنانين المرتفعة التي لا يصمد أمامها سعر تذكرة العرض، خصوصاً أنها سوف تسجل وتذاع مما يقلص عدد الجمهور. وهذا التراجع الملحوظ ساهم في تأكيد وجود وانتشار مسرح الدولة، وذلك لأنه لا يعتمد في عروضه على أسماء الفنانين الكبار غالباً، لكنه يعتمد في الأساس على شباب المسرحيين. ومن هنا، علينا أن نعترف بأن خريطة المسرح في مصر قد تغيرت مع غياب هذه الفرق المسرحية، وبروز مسرح الدولة الذي جذب كتاباً كباراً في مراحل مختلفة، وكان وجود هذه الأسماء مؤشراً حقيقياً على محو البيروقراطية والروتين الثقافي».



تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».