لماذا يطبع الأدباء أعمالهم خارج بلدانهم؟

ظاهرة تنتشر خصوصاً في الخليج

الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
TT

لماذا يطبع الأدباء أعمالهم خارج بلدانهم؟

الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي

على الرغم من توفر دور النشر في كل بلد، فإن الكثير من الأدباء يفضلون طباعة أعمالهم في بلد آخر. وهذا الأمر يطرح أسئلة عن الأسباب التي تدفع الأدباء إلى تكبد عناء الطباعة في مكان آخر غير البلد الذي يعيشون فيه، خصوصاً أن الطباعة في مكان بعيد قد تعني خروج الكتاب عن سيطرة صاحبه وعدم تمكنه من متابعته فنياً وتسويقياً كما يجب، ومع ذلك، فكثيرون يفضلون الطباعة خارج بلدهم. فما أسباب ذلك؟ أهو البحث عن شهرة أوسع... حرية أرحب، أم مردود أكثر؟
توجهنا بهذا الموضوع إلى العديد من الأدباء من مختلف الأقطار العربية، ومعظمهم خاض هذه التجربة، فكانت هذه الحصيلة من الآراء:

الروائي الكويتي طالب الرفاعي يرى أن الأمر ربما يحصل لدى أدباء الخليج أكثر من غيرهم، فيقول: «من الصعب الإشارة إلى أن كثيراً من الأدباء يطبعون أعمالهم خارج بلدانهم، فأدباء مصر هم أقرب إلى الناشر المصري، وكذا العراقيون واللبنانيون والسودانيون والجزائريون والتونسيون والمغاربة والعُمانيون وغيرهم من الكتّاب العرب. لكن يأخذ الأمر وضعاً آخر بالنسبة إلى الكاتب الخليجي، وربما مرجع ذلك هو تأخر وجود الناشر المحلي الخليجي الذي يطبع داخل البلد، ويحمل مطبوعاته لينشرها خارجاً. هذا الوضع اختلف تماماً في العقد الأخير، وأنا هنا أتكلم تحديداً عن الكويت. فلقد نشط شباب مثقف يؤمن بأن الإبداع والأدب والثقافة زاد للحظة العابرة، وخزين طيب للقادم من الأيام. هؤلاء الشباب أسسوا دور نشر كويتية متعددة، استحوذت على مجموعة كبيرة من الإصدارات الكويتية، وتحديداً الشبابية، وراحوا يخرجون بها إلى معارض الكتب العربية. وبالتالي وفّروا على الكاتب الكويتي الشاب البحث عن ناشر عربي. مع الإشارة إلى أن مجموعة من كتّاب الكويت، ما زالت لهم علاقات عمل طيبة مع ناشرين خارج الكويت، وينشرون أعمالهم لديهم».
ولا يعتقد الرفاعي أن الأمر يتعلق بمال، فقلة قليلة جداً من الكتّاب العرب راضون عن تعاملهم مع الناشر العربي، وقلة أقل منهم من يعتاشون على إصداراتهم الإبداعية، لذا فإن النشر غير مرتبط بالمال والفائدة المرجوة منه. الكاتب قد يختار دور نشر عربية معروفة ومرموقة وهذا شيء مشروع ولا غبار عليه. وأخيراً -يقول الروائي طالب الرفاعي- فإن سقف الحريات، وتحديداً في زمن الإنترنت، ومحركات البحث، ومواقع التواصل الاجتماعي بات عالياً رغماً عن كل الوصايات والمحاذير، ولا أظن أن أحداً يستطيع اليوم منع كاتب من قول ما عنده. بل إن بعض المنع يأتي لصالح الكاتب والكتاب.

المال والرقابة

الروائية الكويتية منى الشافعي ترى أن التوجه إلى الطباعة خارج بلد المبدع تحتمل الحالات الثلاث أو إحداها، وهي: البحث عن الانتشار، والحرية، والعائد المالي أيضاً، خصوصاً بالنسبة إلى الأدباء الشباب. بعض المبدعين الكويتيين يسعى إلى الطباعة خارج الكويت كي يحظى ببعض الانتشار وزيادة عدد القراء، والآخر تقف المادة عقبة في طريقه فيلجأ إلى البحث عن أسعار تناسبه، وهناك من يستشعر أن ما يكتبه سوف يطاله مقص الرقيب داخل البلد، فيفضل الهروب بكتابه إلى الخارج.
وتستدرك الروائية منى الشافعي بقولها: «ومع هذا، ومن واقع بعض التجارب التي حصلت مع زملاء وزميلات، فإن بعض دور النشر الجشعة في الخارج تستغل المبدع الذي يدفع مبلغاً كبيراً في سبيل طباعة جيدة ونشر وتوزيع وتسويق، ويأمل أن يرى إصداره موجوداً في معارض الكتب في كل دولة، لكنه بعد فترة زمنية يفاجأ بعدم مصداقية هذه الدور، فلا انتشار ولا تسويق ولا توزيع».
وتعتقد منى الشافعي أن الحل يكمن في وجود مؤسسة ثقافية حكومية أهلية تحتضن المبدعين وترعاهم وتضمن لهم الاستقرار النفسي بمساعدتهم مادياً ومعنوياً وتوفر لهم معاناة الطباعة والنشر والتوزيع.

أساليب احترافية

الكاتبة الكويتية أمل الرندي خاضت هذه التجربة، وهي تحكي عن ذلك قائلة: «بالنسبة إليّ خضت تجربة الطباعة داخل الكويت وخارجها... ولكل إصدار ظروفه الخاصة... ومؤخرا أنشأتُ بنفسي (دار شمس الكويت). وعموماً، الطباعة خارج الكويت تكون أقل تكلفة قليلاً. لكن في كل الحالات تنوُّع التعاون يفيد الكاتب في انتشار إصداره في الوطن العربي. فالمؤلف يبحث عن دار نشر تقوم بالتوزيع على دول عدة، دار محترفة لديها أساليب مضمونة لإيصال الكتاب إلى أكبر عدد من القراء». وتضيف الرندي: «نحن نؤلّف لتصل كتبنا إلى القارئ العربي وتترك أثراً فيه. ولأنني أهتم بكتابة قصصي وكتبي أهتم بأن تكون في أفضل حلة وأفضل شكل، لذا أختار رسامين مهمين وأتابع مع المخرجين، ولا بد من اختيار الناشر المهم، إن كان داخل الكويت أو خارجها. وفي النهاية العمل الجيد يفرض نفسه».

كشف التناقضات

ومن خارج الكويت، يقول الأكاديمي المغربي الدكتور عبد المالك أشهبون: «مما لا شك فيه أن النشر عادةً ما يكون مرتبطاً بحرية التعبير. فمقياس درجة تحضر هذا البلد أو ذاك هو المحرار المتعلق بمدى توسع أو انغلاق أفق حرية التعبير. فمعروف أنه في مجموعة من التجارب الإبداعية كان النشر خارج الوطن الوسيلة الوحيدة لنشر رواية، من قبيل (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، و(الخبز الحافي) لمحمد شكري في لبنان التي شكّلت طوال عقود من الزمن واحة ظليلة لنشر وإعادة نشر مجموعة من الأعمال الإبداعية التي أثارت الكثير من الجدل، وما ترافق ذلك الجدل من منع وتسفيه وتشويه لأصحابها، كما أن رواية (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم لم يُسمح له بنشرها في القاهرة منذ البداية، ونُشرت طبعتها الأولى الكاملة في مراكش 1986».
ويضيف أشهبون: «الطريف في الأمر هو أن ما أثارته (تلك الرائحة) يومها من ردود فعل عميقة في وجدان الكاتب أهَّلها لتصبح بعد ذلك التيمة الرئيسة في بعض أعماله السردية اللاحقة. فهناك أكثر من وشيجة ما بين عوالم روايته (اللجنة)، التي تحاكَم فيها الشخصية الرئيسة بوصفها مؤَلِّفَة مخطوط لا يبتعد كثيراً في مواصفاته (تلك الرائحة)». ويعود الدكتور عبد المالك أشهبون إلى تجربته الشخصية فيقول: «إن اختيار النشر خارج الوطن بالنسبة إليّ، لا علاقة له بحرية التعبير ولا بالجانب المادي، بل بتوزيع الكتاب وتعميمه على نطاق واسع. ففي كتبي الثلاثة الأولى التي نُشرت في المغرب، بعد أن دعمتها وزارة الثقافة، لم يُكتب لها الرواج على نطاق واسع، حيث ظلت حبيسة جدران المدينة، وفي أحسن الأحوال يمكن العثور عليها في بعض نقاط البيع في هذه المدينة أو تلك».

مسألة معقدة

ومن مصر، يرى الروائي منير عتيبة أن النشر عملية معقدة للغاية، فالكاتب عندما ينتهي من عمله الإبداعي تكون لديه رغبة قوية في أن يقرأه كل العالم، حتى إنك لتجد الآن بعض المبدعين ينشرون على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مقتطفات من أعمالهم، وهو ما يعبّر عن تلك الرغبة في التواصل مع متلقٍّ ما في مكان ما. لكن النشر الورقي لا يزال له سحره الخاص في عالمنا العربي، خصوصاً أن معظم الجوائز الكبرى تشترط أن يكون العمل مطبوعاً. غير أن اختيار الناشر ليس أمراً سهلاً بالنسبة إلى جمهرة المبدعين، فبعض دور النشر تطلب مبالغ مالية أحياناً تكون فيها مبالغات غير معقولة، وبعض دور النشر لديها سمعة حسنة تضيف إلى الكاتب الذي يتعامل معها، وبعض دور النشر تعطي للكاتب حقوقه المادية، وهم من اعتبرهم الناشرين الحقيقيين، لكنهم لا ينشرون غالباً سوى لمن يمكن أن نطلق عليهم «كتّاب الدار» وعدد قليل من الكتاب بجوارهم. لذلك فالظرف الشخصي للكاتب له دور كبير في تحديد جهة النشر التي يقدم لها عمله، وحالته المادية، لكن الكثيرين من الكتاب يطمحون في نشر أعمالهم خارج بلادهم، فهذا يفتح لهم مجالاً لقارئ مختلف، كما أنه يزيد من حضورهم داخل بلادهم باعتبارهم تجاوزوا المحلية، قد تكون هذه الأفكار مضحكة بشكل أو بآخر، لكنها موجودة وفاعلة على أرض الواقع.

السلطة الحقيقية

من مصر أيضاً، يتحدث الشاعر المصري شريف الشافعي عن تجربته الشخصية قائلاً: «منذ عام 2008، وأغلبية أعمالي الشعرية تُنشر خارج مصر. ومن أسباب النشر بالخارج أن المعوّل على المؤسسات الرسمية في مصر يبقى رهن معطياتها الانتفاعية، وحساباتها الضيقة. أما بالنسبة إلى النشر في الدور الخاصة، فقد ذابت الحدود والفواصل الإقليمية بين الدول منذ عهد المعلوماتية والثورة الرقمية. ويختار الكاتب مكان النشر الأنسب إليه بقصد الحضور العربي أو الدولي، بغض النظر عن الدولة التي يُنشر فيها الكتاب. وينبني هذا الاختيار على معطيات كثيرة، منها مدى التزام الناشر، وتوقيت النشر، وجودة الطباعة، والتوزيع المقبول للكتاب في معارض الكتب، والترويج له بوعي، وغيرها من أمور، فضلاً عما يتطلبه الشعر من تعامل خاص وحساسية تراعي وزنه بميزان الذهب تحت الأضواء البراقة».
ويعتقد الشاعر شريف الشافعي أنه لا أحد يتربح من أعماله، فهذا لا يتأتى إلا في استثناءات نادرة، لكن تكفّل الناشر على الأقل بتكلفة طبعة أنيقة للديوان، وتوفير عدد مقبول من النسخ للمؤلف أو مكافأة رمزية، أمر يؤخذ في الاعتبار من دون شك، ولا يسلكه سوى القلة من الناشرين للأسف.

ترف الأدباء

أما الشاعر الفلسطيني المقيم في بولندا الدكتور يوسف شحادة فيقول: «يجب النظر إلى هذه المسألة من وجهات مختلفة، فقد يخضع أمر طباعة العمل لاعتبارات خارجة عن حسابات المؤلف، فربما يجد تمويلاً من مؤسسات خارج بلاده ترى في عمله ما يجذب القارئ ويهم مراكز الأبحاث أو المؤسسات الداعمة للإبداع، وهنا يكسب الكاتب الشهرة والمكافأة المادية المستحقة. وقد يُعدّ طلب الانتشار ترفاً لغالبية الكتاب، فلا يسعون إليه، نظراً إلى معرفتهم المسبقة بتضاؤل عدد القراء، أما الحريات فلها دور كبير عندما يكون الرقيب فاعلاً في بلد المؤلف، وحينما تكون الرقابة الذاتية هاجساً يجعل الكاتب غير راغب في المغامرة والرهان على حسن نية الرقيب فيلجأ إلى طبع عمله خارج وطنه».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».