لماذا يطبع الأدباء أعمالهم خارج بلدانهم؟

ظاهرة تنتشر خصوصاً في الخليج

الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
TT

لماذا يطبع الأدباء أعمالهم خارج بلدانهم؟

الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي

على الرغم من توفر دور النشر في كل بلد، فإن الكثير من الأدباء يفضلون طباعة أعمالهم في بلد آخر. وهذا الأمر يطرح أسئلة عن الأسباب التي تدفع الأدباء إلى تكبد عناء الطباعة في مكان آخر غير البلد الذي يعيشون فيه، خصوصاً أن الطباعة في مكان بعيد قد تعني خروج الكتاب عن سيطرة صاحبه وعدم تمكنه من متابعته فنياً وتسويقياً كما يجب، ومع ذلك، فكثيرون يفضلون الطباعة خارج بلدهم. فما أسباب ذلك؟ أهو البحث عن شهرة أوسع... حرية أرحب، أم مردود أكثر؟
توجهنا بهذا الموضوع إلى العديد من الأدباء من مختلف الأقطار العربية، ومعظمهم خاض هذه التجربة، فكانت هذه الحصيلة من الآراء:

الروائي الكويتي طالب الرفاعي يرى أن الأمر ربما يحصل لدى أدباء الخليج أكثر من غيرهم، فيقول: «من الصعب الإشارة إلى أن كثيراً من الأدباء يطبعون أعمالهم خارج بلدانهم، فأدباء مصر هم أقرب إلى الناشر المصري، وكذا العراقيون واللبنانيون والسودانيون والجزائريون والتونسيون والمغاربة والعُمانيون وغيرهم من الكتّاب العرب. لكن يأخذ الأمر وضعاً آخر بالنسبة إلى الكاتب الخليجي، وربما مرجع ذلك هو تأخر وجود الناشر المحلي الخليجي الذي يطبع داخل البلد، ويحمل مطبوعاته لينشرها خارجاً. هذا الوضع اختلف تماماً في العقد الأخير، وأنا هنا أتكلم تحديداً عن الكويت. فلقد نشط شباب مثقف يؤمن بأن الإبداع والأدب والثقافة زاد للحظة العابرة، وخزين طيب للقادم من الأيام. هؤلاء الشباب أسسوا دور نشر كويتية متعددة، استحوذت على مجموعة كبيرة من الإصدارات الكويتية، وتحديداً الشبابية، وراحوا يخرجون بها إلى معارض الكتب العربية. وبالتالي وفّروا على الكاتب الكويتي الشاب البحث عن ناشر عربي. مع الإشارة إلى أن مجموعة من كتّاب الكويت، ما زالت لهم علاقات عمل طيبة مع ناشرين خارج الكويت، وينشرون أعمالهم لديهم».
ولا يعتقد الرفاعي أن الأمر يتعلق بمال، فقلة قليلة جداً من الكتّاب العرب راضون عن تعاملهم مع الناشر العربي، وقلة أقل منهم من يعتاشون على إصداراتهم الإبداعية، لذا فإن النشر غير مرتبط بالمال والفائدة المرجوة منه. الكاتب قد يختار دور نشر عربية معروفة ومرموقة وهذا شيء مشروع ولا غبار عليه. وأخيراً -يقول الروائي طالب الرفاعي- فإن سقف الحريات، وتحديداً في زمن الإنترنت، ومحركات البحث، ومواقع التواصل الاجتماعي بات عالياً رغماً عن كل الوصايات والمحاذير، ولا أظن أن أحداً يستطيع اليوم منع كاتب من قول ما عنده. بل إن بعض المنع يأتي لصالح الكاتب والكتاب.

المال والرقابة

الروائية الكويتية منى الشافعي ترى أن التوجه إلى الطباعة خارج بلد المبدع تحتمل الحالات الثلاث أو إحداها، وهي: البحث عن الانتشار، والحرية، والعائد المالي أيضاً، خصوصاً بالنسبة إلى الأدباء الشباب. بعض المبدعين الكويتيين يسعى إلى الطباعة خارج الكويت كي يحظى ببعض الانتشار وزيادة عدد القراء، والآخر تقف المادة عقبة في طريقه فيلجأ إلى البحث عن أسعار تناسبه، وهناك من يستشعر أن ما يكتبه سوف يطاله مقص الرقيب داخل البلد، فيفضل الهروب بكتابه إلى الخارج.
وتستدرك الروائية منى الشافعي بقولها: «ومع هذا، ومن واقع بعض التجارب التي حصلت مع زملاء وزميلات، فإن بعض دور النشر الجشعة في الخارج تستغل المبدع الذي يدفع مبلغاً كبيراً في سبيل طباعة جيدة ونشر وتوزيع وتسويق، ويأمل أن يرى إصداره موجوداً في معارض الكتب في كل دولة، لكنه بعد فترة زمنية يفاجأ بعدم مصداقية هذه الدور، فلا انتشار ولا تسويق ولا توزيع».
وتعتقد منى الشافعي أن الحل يكمن في وجود مؤسسة ثقافية حكومية أهلية تحتضن المبدعين وترعاهم وتضمن لهم الاستقرار النفسي بمساعدتهم مادياً ومعنوياً وتوفر لهم معاناة الطباعة والنشر والتوزيع.

أساليب احترافية

الكاتبة الكويتية أمل الرندي خاضت هذه التجربة، وهي تحكي عن ذلك قائلة: «بالنسبة إليّ خضت تجربة الطباعة داخل الكويت وخارجها... ولكل إصدار ظروفه الخاصة... ومؤخرا أنشأتُ بنفسي (دار شمس الكويت). وعموماً، الطباعة خارج الكويت تكون أقل تكلفة قليلاً. لكن في كل الحالات تنوُّع التعاون يفيد الكاتب في انتشار إصداره في الوطن العربي. فالمؤلف يبحث عن دار نشر تقوم بالتوزيع على دول عدة، دار محترفة لديها أساليب مضمونة لإيصال الكتاب إلى أكبر عدد من القراء». وتضيف الرندي: «نحن نؤلّف لتصل كتبنا إلى القارئ العربي وتترك أثراً فيه. ولأنني أهتم بكتابة قصصي وكتبي أهتم بأن تكون في أفضل حلة وأفضل شكل، لذا أختار رسامين مهمين وأتابع مع المخرجين، ولا بد من اختيار الناشر المهم، إن كان داخل الكويت أو خارجها. وفي النهاية العمل الجيد يفرض نفسه».

كشف التناقضات

ومن خارج الكويت، يقول الأكاديمي المغربي الدكتور عبد المالك أشهبون: «مما لا شك فيه أن النشر عادةً ما يكون مرتبطاً بحرية التعبير. فمقياس درجة تحضر هذا البلد أو ذاك هو المحرار المتعلق بمدى توسع أو انغلاق أفق حرية التعبير. فمعروف أنه في مجموعة من التجارب الإبداعية كان النشر خارج الوطن الوسيلة الوحيدة لنشر رواية، من قبيل (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، و(الخبز الحافي) لمحمد شكري في لبنان التي شكّلت طوال عقود من الزمن واحة ظليلة لنشر وإعادة نشر مجموعة من الأعمال الإبداعية التي أثارت الكثير من الجدل، وما ترافق ذلك الجدل من منع وتسفيه وتشويه لأصحابها، كما أن رواية (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم لم يُسمح له بنشرها في القاهرة منذ البداية، ونُشرت طبعتها الأولى الكاملة في مراكش 1986».
ويضيف أشهبون: «الطريف في الأمر هو أن ما أثارته (تلك الرائحة) يومها من ردود فعل عميقة في وجدان الكاتب أهَّلها لتصبح بعد ذلك التيمة الرئيسة في بعض أعماله السردية اللاحقة. فهناك أكثر من وشيجة ما بين عوالم روايته (اللجنة)، التي تحاكَم فيها الشخصية الرئيسة بوصفها مؤَلِّفَة مخطوط لا يبتعد كثيراً في مواصفاته (تلك الرائحة)». ويعود الدكتور عبد المالك أشهبون إلى تجربته الشخصية فيقول: «إن اختيار النشر خارج الوطن بالنسبة إليّ، لا علاقة له بحرية التعبير ولا بالجانب المادي، بل بتوزيع الكتاب وتعميمه على نطاق واسع. ففي كتبي الثلاثة الأولى التي نُشرت في المغرب، بعد أن دعمتها وزارة الثقافة، لم يُكتب لها الرواج على نطاق واسع، حيث ظلت حبيسة جدران المدينة، وفي أحسن الأحوال يمكن العثور عليها في بعض نقاط البيع في هذه المدينة أو تلك».

مسألة معقدة

ومن مصر، يرى الروائي منير عتيبة أن النشر عملية معقدة للغاية، فالكاتب عندما ينتهي من عمله الإبداعي تكون لديه رغبة قوية في أن يقرأه كل العالم، حتى إنك لتجد الآن بعض المبدعين ينشرون على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مقتطفات من أعمالهم، وهو ما يعبّر عن تلك الرغبة في التواصل مع متلقٍّ ما في مكان ما. لكن النشر الورقي لا يزال له سحره الخاص في عالمنا العربي، خصوصاً أن معظم الجوائز الكبرى تشترط أن يكون العمل مطبوعاً. غير أن اختيار الناشر ليس أمراً سهلاً بالنسبة إلى جمهرة المبدعين، فبعض دور النشر تطلب مبالغ مالية أحياناً تكون فيها مبالغات غير معقولة، وبعض دور النشر لديها سمعة حسنة تضيف إلى الكاتب الذي يتعامل معها، وبعض دور النشر تعطي للكاتب حقوقه المادية، وهم من اعتبرهم الناشرين الحقيقيين، لكنهم لا ينشرون غالباً سوى لمن يمكن أن نطلق عليهم «كتّاب الدار» وعدد قليل من الكتاب بجوارهم. لذلك فالظرف الشخصي للكاتب له دور كبير في تحديد جهة النشر التي يقدم لها عمله، وحالته المادية، لكن الكثيرين من الكتاب يطمحون في نشر أعمالهم خارج بلادهم، فهذا يفتح لهم مجالاً لقارئ مختلف، كما أنه يزيد من حضورهم داخل بلادهم باعتبارهم تجاوزوا المحلية، قد تكون هذه الأفكار مضحكة بشكل أو بآخر، لكنها موجودة وفاعلة على أرض الواقع.

السلطة الحقيقية

من مصر أيضاً، يتحدث الشاعر المصري شريف الشافعي عن تجربته الشخصية قائلاً: «منذ عام 2008، وأغلبية أعمالي الشعرية تُنشر خارج مصر. ومن أسباب النشر بالخارج أن المعوّل على المؤسسات الرسمية في مصر يبقى رهن معطياتها الانتفاعية، وحساباتها الضيقة. أما بالنسبة إلى النشر في الدور الخاصة، فقد ذابت الحدود والفواصل الإقليمية بين الدول منذ عهد المعلوماتية والثورة الرقمية. ويختار الكاتب مكان النشر الأنسب إليه بقصد الحضور العربي أو الدولي، بغض النظر عن الدولة التي يُنشر فيها الكتاب. وينبني هذا الاختيار على معطيات كثيرة، منها مدى التزام الناشر، وتوقيت النشر، وجودة الطباعة، والتوزيع المقبول للكتاب في معارض الكتب، والترويج له بوعي، وغيرها من أمور، فضلاً عما يتطلبه الشعر من تعامل خاص وحساسية تراعي وزنه بميزان الذهب تحت الأضواء البراقة».
ويعتقد الشاعر شريف الشافعي أنه لا أحد يتربح من أعماله، فهذا لا يتأتى إلا في استثناءات نادرة، لكن تكفّل الناشر على الأقل بتكلفة طبعة أنيقة للديوان، وتوفير عدد مقبول من النسخ للمؤلف أو مكافأة رمزية، أمر يؤخذ في الاعتبار من دون شك، ولا يسلكه سوى القلة من الناشرين للأسف.

ترف الأدباء

أما الشاعر الفلسطيني المقيم في بولندا الدكتور يوسف شحادة فيقول: «يجب النظر إلى هذه المسألة من وجهات مختلفة، فقد يخضع أمر طباعة العمل لاعتبارات خارجة عن حسابات المؤلف، فربما يجد تمويلاً من مؤسسات خارج بلاده ترى في عمله ما يجذب القارئ ويهم مراكز الأبحاث أو المؤسسات الداعمة للإبداع، وهنا يكسب الكاتب الشهرة والمكافأة المادية المستحقة. وقد يُعدّ طلب الانتشار ترفاً لغالبية الكتاب، فلا يسعون إليه، نظراً إلى معرفتهم المسبقة بتضاؤل عدد القراء، أما الحريات فلها دور كبير عندما يكون الرقيب فاعلاً في بلد المؤلف، وحينما تكون الرقابة الذاتية هاجساً يجعل الكاتب غير راغب في المغامرة والرهان على حسن نية الرقيب فيلجأ إلى طبع عمله خارج وطنه».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.