كالفي: إرغام شخص على أن يتكلم لغتي عنف رهيب وفوقية

صاحب {أي مستقبل للغات} لـ«الشرق الأوسط»: حين تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي تصبح الإنجليزية خارجه

لويس جان كالفي   -  غلاف الكتاب
لويس جان كالفي - غلاف الكتاب
TT

كالفي: إرغام شخص على أن يتكلم لغتي عنف رهيب وفوقية

لويس جان كالفي   -  غلاف الكتاب
لويس جان كالفي - غلاف الكتاب

كيف نقرأ العولمة من جانبها اللغوي؟ ما هو مصير اللغات في عالم تحول إلى سوق مفتوحة كل شيء فيها يخضع للمصلحة ومنطق البيع والشراء؟ هل ستبقى الإنجليزية سيدة الألسن؟ وما الذي سيحل بالعربية وغيرها في خضم صراع الثقافات والقوى؟ على هذه الأسئلة ونقاط حساسة كثيرة يتحدث العالم اللغوي الفرنسي لويس - جان كالفي في كتابه الشيق «أي مستقبل للّغات؟ الآثار اللغوية للعولمة» الذي صدر مؤخراً عن «مؤسسة الفكر العربي» في بيروت، وترجمه الدكتور جان ماجد جبور. والكتاب بقدر ما هو أكاديمي علمي، سهل القراءة، كون الباحث يلجأ إلى أمثلة عملية ملموسة، لنفهم منه أكثر حال «سوق اللغات» التي أصبحت كسوق الأسهم، حيث «الإنجليزية هي ذات التسعيرة الأعلى» لكن معرفة لغات أخرى قد تشكل «ورقة رابحة جداً» لمتعلميها.
«لا شيء ثابتا أو أكيدا» يقول لنا كالفي في حوار أجريناه معه أثناء وجوده في بيروت، لإلقاء محاضرة وإطلاق الترجمة العربية لكتابه. «ولكن هذا لا يعني أن لغة أخرى ستحل مكان الإنجليزية غداً، ولا في القريب العاجل. حين يفكر الناس باللغات الأهم في العالم، إنما يفكرون باللغات التي لها العدد الأكبر من المتحدثين. تبعاً لهذا المقياس هناك الصينية والهندية مثلاً التي يتحدث بها ملايين الناس. لهذا لا يكفي عدد المتحدثين لإعطاء اللغات وزنها ومكانتها». ويضرب الباحث مثلاً «الفرنسية التي يقل عدد متحدثيها، لكنها لا تزال لغة رسمية في 36 بلداً في العالم، بينما لو أخذناها بمقياس اللغة الأم فهي تتراجع لتصبح الرابعة عشرة عالمياً. أما الإسبانية فهي اللغة الرسمية في 21 دولة، لكن إذا أخذنا في عين الاعتبار الدخل القومي والترجمات والوزن الاقتصادي، نكتشف أننا بحاجة فعلية إلى جداول وتصنيفات للّغات تبعاً لعناصر كثيرة، كي نفهم موقعها». وهو ما قام به كالفي بحيث نشر في كتابه مقياساً لغويّاً يتضمّن 12 عاملاً، بينها عدد المتكلّمين (كلغة أمّ أو كلغة ثانية)، عدد البلدان التي تكون فيها اللغة رسميّة أو وطنية، تدفّقات الكتب المترجمة منها وإليها، خصوبة الشعوب التي تتحدّث بهذه اللغات، الموقع الذي تحتلّه على شبكة الإنترنت، وغيرها من العناصر. وتحتلّ اللغة العربية المرتبة الثالثة كلغة رسميّة معتمدة في 21 بلداً من حيث الانتشار الجغرافي. إنما لو أخذنا عامل التعليم في جامعات العالم بأسره، فإن العربية تحتلّ المركز التاسع.
وحين نسأل كالفي عن التحولات التي يتوقعها للغة الإنجليزية يجيب: «هناك مؤشرات مهمة، حين ستخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي الدولة الوحيدة التي تعتمد الإنجليزية لغة رسمية دون سواها، نصبح أمام حقيقة جديدة. هو خروج هذه اللغة من الاتحاد، مما يجعل الإنجليزية تخسر شيئا من وزنها الجيوسياسي. وهذا مرجح وعلينا أن ننتظر لنرى».
يطرح كالفي أيضا جانبين، إيجابيا وسلبيا لانتشار لغة ما، لأنها حينها تتعرض لما يعتبره «انفجاراً لغوياً». فكلما اتسعت رقعة انتشار لغة تشعبت وتفرعت، كما هو حال الفرنسية حيث بات لكل بقعة جغرافية فرنسيتها. يشرح الباحث أن «الفرنسية في كندا غيرها في السنغال أو الكونغو، أو فرنسا نفسها. كما أن العرب لا يتكلمون نفس العربية في لبنان والمغرب والسعودية، وليست نفس الإنجليزية هي التي يتكلمها الناس في نيجيريا والهند وبريطانيا». هذا الانتشار قد يذهب باللغات على المدى الطويل إلى تفرعات غير متوقعة. «قد يقرر السنغاليون أن لهم فرنسيتهم وأن الأكاديمية الفرنسية لا سلطة لغوية لها على ما يعتمدونه في حياتهم. ومن الممكن، أن يقرر اللبنانيون ذات يوم، أنهم يريدون تعليم اللبنانية لأطفالهم حين يدخلون المدرسة وليس الفصحى، لأن هناك هوة بين اللغة التي يتعلمها الطفل في بيته وتلك المستخدمة في الإدارات والمكتوبة في الكتب والمعتمدة دينياً».
ربما أن واحدة من عورات نظريات كالفي أنه لا يرى كبير جسور بين العاميات العربية والفصحى، ويعتقد أن المشكلة الأكبر للأطفال العرب أنهم يتعلمون حين يدخلون المدرسة لغة لا يعرفونها. وهو مهتم بالتعددية اللغوية في بداية التعليم ويتابع التجارب ونتائجها.
خبراء يقولون إن تعليم الأطفال لغة أجنبية في عمر مبكر جداً قبل لغتهم الأم، يجعلهم غير قادرين في المستقبل، على إتقان أي لغة بشكل جيد ومتين لا لغتهم الأصلية ولا لغة أجنبية. يوافق كالفي شارحاً «هذا صحيح وثبت بالتجربة». ويروي بأن صفوفاً تجريبية في دول فرنكوفونية أفريقية افتتحت، لاختبار هذا الموضوع، بحيث يبدأ التعليم في السنة الأولى باللغة الأم الأفريقية، وفي السنة الثانية تشكل الفرنسية نسبة 30 في المائة و60 في المائة من البرنامج يبقى باللغة الأم، وفي نهاية المرحلة الابتدائية تصبح كل المواد بالفرنسية. ويتم المرور تدريجياً من اللغة الأم، لتصبح الفرنسية وحدها هي اللغة التي تدرس بها كل المواد. خلال سبع سنوات أجريت هذه التجربة وتمت مقارنة نتائج هؤلاء الأطفال بأقرانهم الذين تم تعليمهم بالفرنسية منذ الصفوف الأولى ليتبين أن الذين تعلموا بلغتهم الأم أولاً، ولو لفترة قصيرة جاءوا بنتائج أفضل بكل المواد بما في ذلك اللغة الفرنسية نفسها. وذلك لأنهم تعلموا الكتابة والقراءة باللغة التي يعرفونها أصلاً، بينما الطفل الذي ندخله إلى المدرسة ونبدأ نكتب له على اللوح أرقاماً وحروفاً وكلمات لا يفهمها فإن هذا سيشعره بالإرباك بدل الراحة.
ويخلص الباحث الفرنسي إلى القول إن «الشيء الأكيد اليوم أن إعطاء الأولوية والحصرية للغة الأم في البداية يعطي النتائج الأكثر نجاعة». يؤكد هذا العالم الذي كتب عن «اللغويات والاستعمار» و«المتوسط بحر لغاتنا»» أن في العالم نماذج تعليمية لغوية كثيرة جداً يمكن رصدها والإفادة منها. «ففي بلد صغير مثل لوكسمبورغ تستخدم اللغات الثلاث الألمانية، الفرنسية واللوكسمبورغية، كلغات رسمية، وتدرس في المدرسة مع بعضها. يمكن للتلميذ أن يدرس هذه السنة مادة الجغرافيا بالألمانية والرياضيات بالفرنسية، وتعكس اللغات في السنوات التي تليها مثلاً. والأمور تسير بشكل جيد. لا يوجد لديهم رسوب مدرسي مرتفع، والمواطنون يتحدثون جميعهم اللغات الثلاث».
انتزاع لغة شخص قد يعتبر اعتداء وعنفاً يمارس عليه. الجزائريون، مثلاً، يعتبرون أن فرنسا حين سلبتهم العربية ارتكبت عملاً عدوانياً. بالمقابل هناك نظرة أخرى يجيب كالفي: «الأديب الجزائري كاتب ياسين اعتبر أن الفرنسية بالنسبة له هي غنيمة حرب. وهناك كتاب أفارقة يعتبرون أنهم حين يكتبون بالفرنسية فإنما هم يصنعون فرنسيتهم الخاصة. أحياناً تصبح لغة مختلفة، هذا نراه في الكتب الفرنكوفونية الأفريقية، حيث تدخل عبارات محلية على النصوص، التي لا يفهمها سوى أهلها. فاللغة هناك لم تعد فرنسية تماماً».
> هل هو نوع من الثأر؟
- «أنا أسمي هذا نوعاً من التحايل. نعم الاستعمار الفرنسي، وضع العربية جانبا. لكن في الجزائر هناك الأمازيغ أيضاً الذين يعتبرون أن الفرنسية حمتهم من العربية. وهم يحبون ذلك. لكن الجزائريين العرب لهم وجهة نظر أخرى وهي محقة بالطبع، وهي أن الاستعمار حرمهم من لغتهم».
> إلى أين تذهب الفرنكوفونية؟ وهل تفقد من وزنها؟ أم تولد من جديد كما يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؟
- «اليوم يوجد 67 مليون فرنسي ولكن لم يعد هناك 150 مليون إنسان يتحدثون الفرنسية في العالم. العدد يتضاءل تدريجياً. في بعض دول أفريقيا السوداء، الحكومات تواصل اعتبار الفرنسية لغة رسمية وتدرسها في المدارس. نسبة المواليد تجعل أنه بعد 40 سنة ستصبح الكونغو (زائير سابقاً) الدولة الفرنكوفونية الأولى في العالم من حيث عدد السكان، الذين سيفوق عددهم سكان فرنسا». الفرنكوفونية من وجهة نظر كالفي كلغوي لن تنجح إلا حين تصبح في خدمة اللغات الأخرى المحلية التي تعيش معها جنباً إلى جنب. «بالمعنى السياسي إذا كان على الأفارقة أن يموتوا جوعاً كي يتعلموا الفرنسية، أنا أفضل أن يعيشوا حياة كريمة ويفقدوا الفرنسية كلغة. لذلك فإن الهدف من التعلم هو النمو. اللغة هي وسيلة. فهل التطوير يمر باللغة الفرنسية؟ ليس بالضرورة. بالإمكان تعليم المهندسين بالفرنسية أو في فرنسا، وتعليم الممرضات باللغة المحلية في بلادهم، وهذا لن ينتقص من كفاءتهم. بالعكس هذا سيسمح لهم بالتواصل بشكل أفضل مع المرضى وتفهم مشكلاتهم. في عملية تعليم اللغات نحن بحاجة إلى كثير من البراغماتية. يفضل أن يعيش الناس دون أن يتكلموا الفرنسية على أن يستخدموها ليقولوا: أنا أموت جوعاً. على هذا الأساس يجب أن ترسم السياسات اللغوية».
> كيف يمكن تفسير أن دولاً أوروبية تتحدث لغات مختلفة توحدت، فيما تعيش الدول العربية التي تتشارك اللغة نفسها نزاعات دموية؟
- هذا أكبر دليل، في رأي كالفي، على أن اللغة المشتركة لا تمنع النزاعات، وأن الترجمة قد تكون وسيلة ممتازة للتقارب بين الشعوب، معتبراً أن تحدث المرء بلغته الأصلية حين يعبّر عن أفكاره، شرط مهم لإيصال ما يريد قوله بدقة.
«الاتحاد الأوروبي مكون من 28 دولة تتحدث 24 لغة مختلفة معتمدة جميعها بشكل رسمي، هذا مدهش فعلاً. في الأمم المتحدة 194 دولة ولم تعتمد سوى ست لغات رسمية. حين يكون هناك نقاش جاد في موضوع دقيق، يفضل أن يتحدث كل لغته، ويتم اللجوء إلى الترجمة، على أن يحاول كل التحدث بلغة الآخر. لأننا نكون متأكدين بأننا سنقول بدقة ما نريد ودون التباس. الترجمة هي المدخل إلى التعايش. الترجمة تجنبنا هيمنة لغة على اللغات الأخرى. في الاتحاد الأوروبي تتساوى اللغات جميعها، وهذا يعزز التساوي بين الدول».
عمل كالفي في الصين وقرأ «فن الحرب» لصاحبة لاو تسيه، ومنه استوحى فكرة «حرب اللغات» فالكاتب يقول: «حين أرغم شخصاً بشكل مباشر أو موارب أن يتكلم لغتي فأنا أمارس عليه عنفاً رمزياً وماديا رهيباً، لأنني أمارس عليه تلقائياً نوعاً من الفوقية. إذا كان يجب أن أناقش نظرية فلسفية باللغة الإنجليزية وأنا لا أجيدها كما خصمي الذي في مواجهتي، فهو حتماً سيتفوق علي، لأنني لا أملك أدواته كما يملكها هو».


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».