على وقع الموسيقى... الفنون السعودية تتألق في لندن

زائرات يشاركن في تلوين لوحة الفن العسيري - عازف القانون عبد الله القرني - زائر للمعرض يتأمل في صور رحلة الأميرة أليس للسعودية - عمل للفنان ناصر السالم - لوحة للفنان محمد سيام
زائرات يشاركن في تلوين لوحة الفن العسيري - عازف القانون عبد الله القرني - زائر للمعرض يتأمل في صور رحلة الأميرة أليس للسعودية - عمل للفنان ناصر السالم - لوحة للفنان محمد سيام
TT

على وقع الموسيقى... الفنون السعودية تتألق في لندن

زائرات يشاركن في تلوين لوحة الفن العسيري - عازف القانون عبد الله القرني - زائر للمعرض يتأمل في صور رحلة الأميرة أليس للسعودية - عمل للفنان ناصر السالم - لوحة للفنان محمد سيام
زائرات يشاركن في تلوين لوحة الفن العسيري - عازف القانون عبد الله القرني - زائر للمعرض يتأمل في صور رحلة الأميرة أليس للسعودية - عمل للفنان ناصر السالم - لوحة للفنان محمد سيام

تظاهرة فنية ثقافية من السعودية اتخذت لها مكاناً في وسط لندن بمبنى دار مزادات «فيليبس»، تحمل معها أشكالاً من الفنون البصرية والسمعية، ونتاج أجيال من الفنانين السعوديين. أيام الثقافة السعودية عنوانها العريض، وينضوي تحته ملخص لكل جميل في الثقافة السعودية من الفنون التشكيلية للموسيقى، للتصوير، للأفلام التسجيلية.
بدايةً الوجود في داخل المعرض الفني الذي تقيمه هيئة الثقافة السعودية تجربة جميلة بالفعل، تسري أنغام موسيقية يعزفها شابان سعوديان في أحد الأركان، وكأنما تضع إطاراً على ما يحدث حولنا. المكان ممتلئ بالزوار والفنانين والمسؤولين والإعلاميين العرب والأجانب. في ثلاثة أيام وعبر جدول مزدحم بالمعارض وعروض الأفلام والصور الأرشيفية والموسيقى السعودية والعربية، تتألق ألوان الثقافة والفنون السعودية.
أولاً المعرض متنوع؛ فرغم محدودية القطع، فإنها مختارة بعناية من قبل القيمتين رنيم فارسي وآية علي رضا. فالعرض يمثل جرعة مبدئية لمتذوقي الفنون وأيضاً للزائر الغربي، نرى هنا خليطاً متجانساً من اللوحات والأعمال التركيبية، تعبر عن تطور الحركة الفنية في السعودية، من أعمال جيل الرواد من الفنانين السعوديين، أمثال الفنان محمد الرصيص ومحمد سيام إلى أعمال للفنان الشاب أحمد عنقاوي والمصور عادل قريشي وناصر السالم، مروراً بعمل تركيبي بديع للفنان صديق واصل. يتجول الحاضرون بين الأعمال ويسألون ويُبدون ملاحظات، كلها كانت تجد من يجيب عنها ويشرح للزائر بحب وشغف وابتسامة مرحِّبة.
الرئيس التنفيذي لهيئة الثقافة السعودية المهندس أحمد بن فهد المزيد ألقى كلمة رحب فيها بالحاضرين قائلاً: «إنه أمر يسعد القلب أن نرى هنا هذا الجمع من الناس يتأملون في اللوحات الفنية المعروضة، وأقول لكم إنها ليست النهاية، وإنما هي البداية، فقد أحضرنا معنا تراثاً وموسيقى وفنّاً».
المنسقة رنيم فارسي أشارت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الهدف من المعرض هو بناء صورة متكاملة للثقافة السعودية. وتضيف: «عبر التعاون مع هيئة الثقافة السعودية أحضرنا مجموعة من لوحات الفن الحديث السعودي ومجموعة من الأعمال المعاصرة، بعضها من صالات فنية وبعضها الآخر من مؤسسات ومقتنيات خاصة والبعض استعرناه من الفنانين أنفسهم».
تؤكد فارسي خلال حديثها أن الهدف الأكبر هو إبراز صورة متكاملة عن السعودية: «نريد أن نوضح أن المشهد الفني عندنا لها جذور وتاريخ وحاضر أيضاً؛ فهو لم يأتِ من فراع. إنه بناء شيده فنانون سعوديون عبر السنوات»، تشير إلى استراتيجيتها مع المنسقة آية علي رضا، التي تقوم على عرض مزيج التيارات الفنية، خصوصاً الفن الحديث... من الفنانين الذين تُعرَض أعمالهم هنا الفنان محمد الرصيص، وهو فنان وأكاديمي سعودي وصاحب أول كتاب عن تاريخ الفن السعودي، تشير إلى عمل آخر في مدخل المعرض، وهو للفنان محمد سيام، الذي يُطلَق عليه اسم «بيكاسو السعودية»، وتقول: «محمد سيام درس في الخارج في السبعينات والثمانينات وأبدع فنوناً تأثر فيها بالفن الغربي ولكنه خلق أعمالاً محلية تحمل كثيراً من العناصر من الثقافة السعودية».
ولكي لا نبتعد كثيراً عن الأعمال الفنية، أقوم بجولة منطلقةً من عمل الفنان محمد سيام، وهو أول ما يطالع الزائر، العمل يذكِّر بلوحة بيكاسو «غيرنيكا»، غير أن سيام استمدَّ من بيكاسو أسلوبه، وصاغ لوحته بمضمون محلي يصوِّر راقصين وعازفي طبل.
من الأعمال الأخرى في المعرض هناك لوحة للفنان السعودي ناصر السالم بعنوان «إنما الأعمال بالنيات»، يستغني فيها السالم عن الحروف ويكتفي بحركات التشكيل، العمل مبدع بحق ويشهد على التطور الذي حققه السالم في تعامله مع الخط العربي.
في جانب آخر، صورة فوتوغرافية ضخمة للفنان عادل قريشي تحمل مشهداً من داخل المسجد النبوي، حيث تبرز جدران الغرفة الشريفة بكل وضوح، بينما تتماهى أسفل منها جموع المصلين في موجة بيضاء موحدة.
ضمن الحضور تلمح سيدتين انشغلتا بالتلوين على لوحة ضخمة تحمل نقوشاً بالأبيض والأسود، هي لوحة تعبر عن فن النقش العسيري (القط)، الذي برعت فيه نساء منطقة عسير. اللوحة وُضِعت وإلى جانبها حاوية لأقلام التلوين تدعو الزوار لوضع بصمتهم على نموذج من التراث الشعبي السعودي.
السيدتان هما د. هدى الحليسي عضو مجلس الشورى، وسمية جبرتي رئيسة تحرير صحيفة «سعودي غازيت». تبدأ الفرقة الموسيقية عزفها مرة أخرى ومع سريان الألحان الجميلة لأغنية «ليلة» للمغني عبد الرب إدريس، أتحدث مع د. الحليسي حول الفعالية وأهمية وجودها في بريطانيا، وتجيبني قائلة: «على المستوى الثقافي، المعارض الفنية تفتح أبواباً للتواصل والتفاهم؛ ففي الماضي عانينا من التنميط ولكنني أعتقد أن هناك إمكانية لتغيير الأفكار النمطية حول المملكة عبر الفن فهو لغة عالمية يتحدثها الجميع».
سمية جبرتي، من جانبها، ترى أن الفعالية ليست فقط لعرض للمستجدات على الواقع السعودي أو مجرد عرض للجوانب الثقافية للملكة، بالنسبة لها هي «دعوة للتفكير بشكل مختلف، تريد أن ينظر لنا الناس بنظرة شاملة؛ ليس فقط من زاوية السياسة أو من خلال نظرة ضيقة لا ترى سوى البترول، ولكن رؤية السعودية كمجتمع وشعب في حالة تطور وتقدم مستمرة... هذا النوع من التشارك هو بداية فقط، فالسعودية أشبه ما تكون بكتاب لم يكن متاحاً للكل خارجها».
خلال الفعالية يدور الفنان أحمد ماطر الرئيس التنفيذي لمعهد مسك للفنون، ويتجول مع الزوار لرؤية المعروضات، أسأله سريعاً عن المعرض والفعالية التي يشارك معهد «مسك للفنون» فيها، يجيب بأسلوبه المليء بالحماس: «فكرة المعرض تتمثل في عنوانه (كلي)، فهو يجمع ثقافات وأنواعاً مختلفة من الفن بغض النظر عن فكرة أنها أيام سعودية أو غير ذلك، هي أيام فنية ثقافية نلتقي من خلالها بالعالم برؤية ثقافية فكرية».
ويستطرد بالقول: «المميز اليوم أن الحدث يقام في مكان ثقافي، وليس في مكان عام أو مركز تجاري... المعرض في مكان جميل»، بالنسبة لماطر فإن الحدثين الأكثر أهمية في الفعالية هما معرض الصور الفوتوغرافية لرحلة الأميرة أليس حفيدة الملكة فيكتوريا للسعودية وأيضاً الركن الذي يقدم فن النقش العسيري.
يقول: «سعدتُ بعرض صور الأميرة أليس، مكتبة الملك عبد العزيز قدمت تجربة ثرية من خلال العرض، وأثبتت أن أرشفة الصور والاهتمام بها والتاريخ مهمة جدّاً، وكذلك أعجبت بعرض فن النقش العسيري الذي أضافته (اليونيسكو) أخيراً لقائمة التراث غير المادي».

نغمات الموسيقى السعودية
أترك ماطر الذي يسرع في اتجاه آخر، وأتوجه للطابق الثاني من المعرض حيث تقدم فرقة موسيقية من خمسة أشخاص مجموعة من الألحان السعودية التي تشد الحاضرين، ورغم الحديث الذي لا يهدأ بين الزوار، فإن الموسيقى تتسلل بنعومة ودلال لتكمل صورة الأيام الثقافية السعودية.
في أحد أركان المعرض يقوم عازفان شابان بعزف ألحان من التراث الموسيقي السعودي ثم يتوقفان لالتقاط الأنفاس، ولكن عازف القانون يعود مرة أخرى ليقدم فاصلاً فردياً لأغنية لأم كلثوم، يعزف بشغف وتواضع، يلتف حوله بعض الزوار حاملين الهواتف الجوالة لتسجيل مقاطع فيديو للعزف البديع. بعد أن يتوقف انتهز الفرصة للحديث معه. اسمه عبد الله أحمد القرني ويعرف نفسه بأنه «عازف وصانع آلة القانون»، يشير إلى آلة القانون التي يعزف عليها بفخر ويقول: «صنعتُها بنفسي... انظري على الشريط الحديدي المثبَّتة عليه عبارة (صناعة سعودية)».
ويقول إن عزف القانون هو هواية في المقام الأول، ويضيف: «أمارس هوايتي من 13 عاماً، وشاركتُ في فعاليات محلية كثيرة وأيضاً عالمية من خلال الأيام السعودية في الخارج، قبل شهر كنت في دافوس المنتدى الاقتصادي وقبلها كنت في (اليونيسكو)».

فن النقش العسيري يتألق
في ركن فن النقش العسيري يجلس الباحث السعودي علي مغاوي، يتحدث مع الزوار ويرحب بأسئلتهم، وإلى جانبه شاشة كبيرة تعرض فيلماً تسجيلياً عن الفن يتتبع خطوات تكوين الألوان ثم الرسم على الجدران كما تقوم به النساء في عسير. يتحدث بحب وفخر عن الفن الأصيل الذي مارسته نساء عسير في بيوتهن، وضمن حديثه أساطير وحكايات تراثية حول بداية هذا الفن ولكنه يختم بقوله: «لا نعرف كيف بدأ ولا مَن هم أول من مارسوه».
مغاوي يُعدّ سفيراً للفن العسيري؛ فهو قد شارك في عدد من الفعاليات التي أُقيمَت خارج السعودية ويذكر منها بسعادة العرض الذي أُقِيم في مقر الأمم المتحدة بنيويورك وحمل اسم «في بيوت أمهاتنا» حيث عرضت لوحة ضخمة من النقش العسيري طولها 22 متراً، وعرضها متران، قامت نساء من عسير بتلوينه خصيصا للعرض.

الأميرة أليس وزيارة تاريخية
يشتمل المعرض على صور ضوئية نادرة باللون الأبيض والأسود، وصور ملونة نادرة كانت ملتقَطة في السعودية بعدسة الأميرة أليس التي عكست من خلالها رحلتها الممتدة من غرب المملكة إلى شرقها.
كما تؤرخ الصور لزيارة الأميرة ومرافقيها إلى مدينة الرياض والدرعية، ثم للمنطقة الشرقية وتوقفها عند محطة الأحساء، فالعقير ثم الدمام.
وقد قامت الأميرة أليس بتوثيق رحلتها للسعودية التي استغرقت زهاء ثلاثة أسابيع صورت كثيراً من أحداثها بصور نادرة، لم تُنشر من قبل.
يُذكَر أن الأميرة البريطانية قد التقطت بعدستها أكثر من 320 صورة فوتوغرافية نادرة باللونين الأبيض والأسود، وضمن هذه الصور بعض الصور الملونة، قام بالتقاطها شخص آخر، ويظن أنها أول صور ملونة تُلتَقَط في السعودية على الإطلاق، بل إن إحدى هذه الصور التي جمعت الملك عبد العزيز مع زوج الأميرة البريطانية، وظهر فيها الأمير فيصل، والأمير عبد الله بن عبد العزيز، ربما تكون أول صورة ملوَّنة للملك عبد العزيز.



«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.