المرأة والعباقرة... سالومي نموذجاً

قد تساعدهم على التفتح أو تدمرهم

TT

المرأة والعباقرة... سالومي نموذجاً

كان اللقاء الأول بين نيتشه وسالومي قد ترتب ترتيباً من قِبل صديق نيتشه الفيلسوف بول ري وسيدة ألمانية تهتم بالثقافة والمثقفين من الخارج - أي بشكل سطحي، لكن مفيد - هي (مالفيلدا فون ميزنبوغ). ومن كثرة ما كتب له بول ري عن هذه الشابة الساحرة القادمة من البلاد السلافية رد عليه نيتشه بالرسالة التالية:
«سلم لي على هذه الروسية السلافية إذا كان للسلام من معنى! لا ريب في أني أطمع بهذا النوع من النساء. نعم، سوف أكرس نفسي قريباً للبحث عن فرائس كهذه!.. فأنا في أمس الحاجة إلى ذلك من أجل إنجاز الأعمال التي أنوي كتابتها خلال السنوات العشر القادمات. أما الزواج فمسألة أخرى... كل ما أستطيع قوله في هذا المجال هو اتخاذ قرار بالزواج لمدة سنتين فقط (أي زواج مؤقت، أو محطة استراحة). لاحظوا هذه الغطرسة الفارغة: لكأن هذه الروسية الحسناء ذات النظرات الغامضة والابتسامة القاتلة لم تكن تنتظر إلا مجرد صدور قرار عن نيتشه لكي تتزوجه!
سوف نلاحظ فيما بعد أنها هي التي سوف «تفترسه» وليس العكس. سوف نرى أنه سيعض أصابعه ندماً عليها بعد أن رفضته بشكل قاطع، وكان حبها قد تسرب إلى قلبه كالسم الزعاف دون أن يشعر، أو حتى وهو يشعر... هذا لا يعنى بالطبع أنها لم تعجب به ولم تعرف قيمته. فمنذ اللقاء الأول أحست بغرابته، وعرفت أنه شخص غير عادي. فهو أولاً قد تلبك وأخذ يبحث في جيبه عن شيء ما، وراح يقوم بحركات غير طبيعية ولم يعد يعرف ما ذا يقول. فصدرت عنه هذه العبارة العبثية والمضحكة في آن معاً: «من أي كوكب سقطنا لكي نلتقي؟» هذه هي طريقة نيتشه في المغازلة!
بعدئذٍ راحت تستمع إليه بكل إصغاء وتتعرف على فلسفته وتمشي معه في الوديان والجبال، وكان مشّاءً كبيراً. وعرفت الفرق الكبير بينه وبين صديقه بول ري. لكن قلبها مال لهذا الأخير على الرغم من كل شيء. بهذا المعنى يمكن القول إن الرجال العاديين بل، وحتى التافهين من أمثالنا أفضل للنساء من الرجال العباقرة.
وذلك لأن العبقري مهووس بشيء واحد فقط: هو عبقريته أو رسالته التي هي أعز عليه من روحه. وبالتالي؛ فالمرأة بالنسبة له عبارة عن أداة لا غاية بحد ذاتها. ثم كانت القطيعة والنميمة والحسد، وتدخل الناس والوشاة، وكل ما يتلو الحب الكبير من سقوط كبير. وراح يهجوها هجاءً مقذعاً لا يليق بفيلسوف كبير. وكره الجنس اللطيف كله من خلالها أو بسببها. وراح يشتم المرأة في المطلق بشكل ظالم وغير مقبول على الإطلاق. ماذا نستطيع أن نفعل لك يا سيد نيتشه إذا لم تكن هناك امرأة واحدة على وجه الأرض تريدك أو تقبل بك؟
لكن، أليس هناك من سبب آخر لابتعادها عن نيتشه: أقصد لرفضها له؟ ألا يمكننا الاعتقاد أنها خافت منه بعد أن انكشفت لها أعماقه العدمية أو دهاليز روحه الداخلية؟ عندئذ راحت لو أندريا سالومي تكتشف عالماً رهيباً مخيفاً لا يكاد يتحمله البشر فانسحبت طالبة النجاة والأمان. وتركت نيتشه يبحر في عُباب الفكر والظلام وحيداً...

اللقاء الثاني مع ريلكه
دائماً اللقاء الأول له معنى على الرغم من هشاشته، وأنه يتم «بالغلط» أو عن طريق الصدفة المحضة في معظم الأحيان. وكثيراً ما ننساه فيما بعد في زحمة الحياة والعلاقة، ثم لا نعود لكي نتذكره إلا بعد أن تحصل القطيعة المُرّة وتنتهي القصة فنتساءل: كيف حصل ذلك الحب يا ترى؟ وعندئذ نحاول استعادته، ونجد أن له طعماً خاصاً: طعم الحامض - الحلو، أو حتى المر - الحلو، طعم الندم والحرمان...
كان اللقاء الأول بين لو أندريا سالومي وريلكه قد حصل في ميونيخ بتاريخ 12 مايو (أيار) 1897 بواسطة الروائي والصديق المشترك جاكوب واسرمان. وكان كافياً لكي تنقدح شرارة الحب: تلك الشرارة الخالدة التي تخترق العصور والأزمان دون أن تتغير، ودون أن يبليها الزمن. الزمن قادر على إبلاء كل شيء ما عدا شرارة الحب. والحب هو الشيء الوحيد القادر على إيقاف الزمن. الحب هو المنافس الأكبر للموت والزمن. الحب هو الموت بعينه.
وقالت: لقد دخل حياتي كالضرورة، وزارني الحب بكل هدوء وطمأنينة... زارني دون أي تحدٍ أو إحساس بالذنب. زارني كما لو أننا نكتشف شيئاً مباركاً يكتمل بفضله العالم. هذا عن حبها هي، أما عنه هو فحدّث ولا حرج... فقد كان جارفاً، مشتعلاً... ينبغي ألا ننسى هنا الفرق الأساسي بين علاقتها مع نيتشه وعلاقتها بريلكه. فهي عندما تعرفت على فيلسوف الألمان كان عمرها لا يزيد على العشرين عاماً، وكان نيتشه قد شارف الأربعين وأنجز قسماً كبيراً من أعماله، وتهيأ للانعطافة الكبرى التي ستقوده إلى كتابه الحاسم، «هكذا تكلم زرادشت». بمعنى أنها كانت تلميذة صغيرة في محراب فيلسوف كبير يعرف ما يريد وما لا يريد، فيلسوف تشكل وتبلور ونضج.
أما علاقتها بريلكه فكانت مختلفة تماماً. فهي كانت قد اقتربت من الأربعين، في حين أنه لم يكن قد تجاوز العشرين. الأمور معكوسة إذن. ولم يكن قد نشر شيئاً يذكر حتى ذلك الوقت، ولم يكن معروفاً بعد. بل لم يكن أحد يتوقع أنه سيصبح أحد كبار شعراء العصر. لقد التقاها والعمر في أوله، والعبقرية لا تزال نائمة تنتظر فقط شرارة الاحتكاك بالمرأة العشيقة، بالمرأة الصديقة، لكي تنقدح وتشتعل كالحريق... وفي اليوم التالي للقائها لم يستطع البقاء في البيت فراح يتجول كالمجنون في شوارع ميونيخ، ويمر على كل البيوت ما عدا بيتها، وهو يتوقع أن يلقاها صدفة على منعطف شارع ما، أو في منتصف الطريق، أو في إحدى الساحات والزوايا...
وراح يكتب لها الرسائل التي تفوق الشعر:
«في يوم ما، وبعد سنوات طويلة، سوف
تعرفين ماذا كنتِ بالنسبة لي.
كنتِ نبع الجبال للعطشان
آه يا نبعي الصافي!
أي عرفان بالجميل نحوك! لم أعد أتمنى رؤية الأزهار والسماء
والشمس إلا فيك... من خلالك..»...
هذا هو الحب، أو قل جنون الحب: في أوله أحلى من العسل، وفي آخره أمرّ من الحنظل. (بين قوسين للدلالة على مدى خطورة هذه المرأة وكيف أنها كانت تفتك بالرجال فتكاً ذريعاً دعوني أروي لكم النادرة التالية: في أحد الأيام كنت أقلب صفحات كتاب فرنسي قديم، وفجأة وقعت على صورتها وهي تحتل الصفحة كاملة. فوقعت في حبها على الفور، وبالضربة القاضية! صدقوا أو لا تصدقوا، أنتم أحرار... وعندئذ قلت بيني وبين نفسي: الآن فهمت لماذا جننت نيتشه. فإذا كانت الصورة قد دوختني فما بالكم بالحقيقة؟).
لكن جنون ريلكه كان أحياناً أكثر مما يحتمل أو يطاق. كان توتره الداخلي يتفاقم ويتعاظم لكي يتحول في بعض اللحظات إلى مشكلة حقيقية بالنسبة للو أندريا سالومي. وقد حاولت مساعدته عندما عرضته على الأطباء النفسانيين لكي يكتشفوا علته وسر قلقه القاتل، لكن عبثاً... فالعلة كانت غائصة في الأعماق، بل وفي أعماق الأعماق. وربما اقتنعت سالومي في نهاية المطاف بأنه من الأفضل ألا تُكتشف علته؛ لأنها إذا ما اكتشفت زال سر عبقريته! كان ريلكه من صنف المبدعين الكبار الذين تنطبق عليهم كلمته الشهيرة:
«عجبت لمن يرى بمثل هذا الوضوح دون أن يجد مخرجاً!»

اللقاء الثالث مع فرويد
أما اللقاء الثالث والأخير الذي أتيح للو أندريا سالومي أن تحظي به في حياتها العامرة بلقاء العبقريات، فكان مع مؤسس التحليل النفسي: سيغموند فرويد. لكنه كان لقاءً خاصاً ومختلفاً جداً عن اللقاءين السابقين اللذين طبعا حياتها بطابعهما. فعندما التقته كان عمرها قد تجاوز الخمسين وفرويد نفسه تجاوز الستين بكثير، وحقق اكتشافاته الأساسية في مجال التحليل النفسي. باختصار، كانت علاقة ناضجة قائمة على التفاهم والمعرفة وخالية من «المصالح الجنسية» التي كثيراً ما تعكر صفو العلاقة بين الرجل والمرأة. أو قل كانت علاقة تشبه «الصداقة الغرامية» عن بعد لأنها قائمة على تبادل الرسائل أساساً ما عدا بعض اللقاءات العابرة. صحيح أن فرويد كان «مريضاً» أيضاً كنيتشه وريلكه وبقية المبدعين الكبار. لكنه استطاع أن يتجاوز مرضه بعد مشقة هائلة، وبعد أن بلغ الثانية والأربعين من العمر، وذلك عندما أضيئت له طفولته ودهاليز حياته الداخلية في لمعة واحدة. فانحلت عقدته النفسية التي لاحقته طيلة كل تلك السنين. وبناءً على ذلك راح يبلور التحليل النفسي علماً عقلانياً لدراسة كل ما هو لا عقلاني مظلم في حياتنا ومتمركز في منطقة «اللاوعي». لقد استطاع فرويد أن يتجاوز ذاته ويرتفع فوق نفسه: بمعنى أنه اتخذ من ذاته وشخصيته وعقده النفسية حقل تجارب بغية تشكيل علم جديد مفيد جداً للآخرين والأجيال المقبلة. وهذا ما أعجبت به لو أندريا سالومي أيما إعجاب.
وما انفكت سالومي تثني على طريقة فرويد في توظيف العقلانية من أجل الكشف عن كل ما هو جامح ولا عقلاني فينا. وقد طبقت منهجيته على نيتشه ومعرفتها الشخصية به لكي تكشف عن لا عقلانيته، أو عن دهاليز شخصيته الداخلية التي حيرتها، بل وأرعبتها عندما كانت لا تزال شابة صغيرة.
ونتج من ذلك كتابها المهم عنه: «فريدريك نيتشه عبر أعماله ومؤلفاته». ففي حين أن نيتشه كان قد اخترق كل حدود العقلانية في فكره ووصل إلى التخوم الأخرى وقلب كلياً في جهة الجنون، وفي حين أن ريلكه لم يكن يهتم بالحدود الفاصلة بين العقل والجنون إلا من أجل إنكارها أو محوها، استطاع فرويد أن يبقى عقلانياً متزناً. وكانت تبحث عن هذا النوع من الرجال العباقرة الذين استطاعوا الإبحار ضد العواصف والأنواء قبل التوصل إلى الشاطئ الآخر بعد جهد جهيد.



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.