تاريخ الفلسفة منذ اليونان حتى يومنا هذا

الفيلسوف الفرنسي لوك فيري يقدم مسحاً تاريخياً شاملاً

لوك فيري
لوك فيري
TT

تاريخ الفلسفة منذ اليونان حتى يومنا هذا

لوك فيري
لوك فيري

غني عن القول أني لا أستطيع استعراض جميع الكتب التي قرأتها أخيراً، ولكني سأتوقف عند أحدها، وهو للفيلسوف الفرنسي لوك فيري، ومعلوم أنه كان قد نشر سابقاً كتاباً بعنوان «أجمل قصة لتاريخ الفلسفة». وكنت قد أشدت به هنا على صفحات «الشرق الأوسط»، في مقالة مطولة فور صدوره، ولكنه أصدر بعده كتاباً أكثر ضخامة، بعنوان «فلسفات الأمس واليوم»؛ العنوان الحرفي للكتاب هو «حكمات الأمس واليوم»، جمع حكمة. ومن مصادفات الأمور السعيدة أن العرب كانت تترجم كلمة «فلسفة» اليونانية بكلمة «حكمة». وربما كان الأفضل أن نترجم عنوان الكتاب بـ«فلاسفة الأمس واليوم»، وذلك لأنه يستعرض تاريخ الفلسفة منذ اليونان حتى يومنا هذا، ولكنه يضيف إليهم غلغامش وبوذا وحكمة الشرق أو حكمائه. وينبغي أن نعترف فوراً بأن لوك فيري هو أفضل شارح لتاريخ الفلسفة في فرنسا، وربما في العالم كله. ما عدا ذلك، فإن هذا الكتاب يتحدث لنا عن تاريخ الفلسفة من هوميروس إلى أفلاطون، في فصل افتتاحي تدشيني، ثم ينتقل مباشرة لكي يتحدث عن أرسطو (تلميذ أفلاطون)، في فصل مطول يحاذي الأربعين صفحة تقريباً، يليه فصل عن الرواقيين، ثم عن الأبيقوريين، ثم عن غلغامش وبوذا وحكمة الشرق، كما ذكرنا.
وبعدئذ، يكرس المؤلف فصلاً كاملاً ليسوع المسيح والثورة الدينية الرائعة التي دشنها ودفع حياته ثمناً لها. ولكن ينبغي الاعتراف بأن الدوغمائية الدينية الانغلاقية انقلبت لاحقاً على الفلسفة اليونانية، بل وكفرتها باعتبار أنها وثنية، ثم جاء عصر النهضة في القرن السادس عشر لكي ينقلب بدوره على الدوغمائية الدينية اللاهوتية، وينتقم للفلسفة. وهكذا، انتقلنا من نقيض إلى نقيض في تاريخ الفكر الأوروبي. فالعدو أصبح العصور الوسطى المسيحية، وليس الفلسفة والآداب اليونانية - الرومانية التي أشعلت النهضة الأوروبية. ومعلوم أن العرب لعبوا دوراً كبيراً في انطلاقة نهضة أوروبا، عن طريق نقل الفلسفة اليونانية إليها من خلال الفارابي وابن سينا، ثم الشارح الأكبر ابن رشد.
ونلاحظ أن لوك فيري يركز على شخصية واحدة من شخصيات النهضة الإيطالية، ألا وهو: بيك الميراندولي، الذي كان معجباً جداً بالعرب وحضارتهم وثقافتهم. وسوف أتوقف عنده لحظة بعد قليل. وماذا حصل بعد عصر النهضة في القرن السادس عشر؟ شيئان عظيمان: الثورة العلمية التي قضت على علم أرسطو وبطليموس، بفضل كوبرنيكوس وغاليليو، والثورة الفلسفية التي تحققت على يد ديكارت.
وبعد أن يفرغ المؤلف من الحديث عن الثورة الديكارتية، نجده يكرس فصلاً مطولاً لأهم تلميذين خرجا من معطف ديكارت وتفوقا عليه في بعض المجالات، وهما لايبنتز وسبينوزا. ثم يخصص صاحبنا فصلاً كاملاً للفلسفة الأنغلو - ساكسونية، وهذا أضعف الإيمان. وبعدئذ، ينتقل مباشرة إلى التحدث عن كانط والأنوار. ومعلوم أن فيري مختص بكانط، وهو يقرأه في النص الأصلي، أي الألماني. بل ونعته البعض بأنه كانط جديد، عندما اندلعت المعركة ضد فوكو ونيتشه في الساحة الباريسية نهاية السبعينات وبداية الثمانينات. ثم يخصص المؤلف فصلاً كاملاً لجان جاك روسو وتوكفيل، اللذين دشنا الفكرة الديمقراطية في الغرب. وبعدئذ، يخصص فصلاً طويلاً لهيغل والفلسفة المثالية الألمانية، ثم ينتقل إلى شوبنهاور العدو اللدود لهيغل. ومعلوم أنه كان يغار منه، ويشتمه بعبارات نابية. وبالتالي، فالفلاسفة الكبار قد يفقدون أعصابهم أحياناً بسبب الغيرة والحسد من بعضهم بعضاً، وكنا نتوقع منهم غير ذلك، ولكن انظر إلى حقد المثقفين العرب على بعضهم بعضاً أيضاً! ثم ينتقل المؤلف إلى تلميذ شوبنهاور الذي تفوق على أستاذه: عنيت نيتشه. وبعد نيتشه، يجيء دور ماركس وفرويد وكارل بوبر وهيدغر، وسارتر والفلسفة الوجودية، ثم فكر «مايو 68»، المتمثل بالأقطاب الكبار فوكو وديلوز ودريدا، إلخ. وهم الذين حاول لوك فيري تفكيكهم أو تحطيمهم في كتاب مشهور صدر بالاسم نفسه عام 1985. ثم يختتم المؤلف كتابه بفصل مطول عن وضع الفلسفة اليوم. هكذا، تلاحظون أني عددت مفاصل الكتاب بدقة لكي يتسنى للقارئ أخذ فكرة عن المشروع العام ككل. والآن، دعونا ندخل في التفاصيل.
يرى المؤلف منذ البداية أن هدف الفلسفة هو: تحديد نوعية الحياة الجيدة التي ينبغي أن يعيشها الإنسان؛ إنها تبغي التوصل إلى الحكمة التي تقودنا في الحياة، وذلك اعتماداً على العقل فقط. والفلسفات المتتالية ما هي في نظر لوك فيري إلا روحانيات علمانية منافسة للدين، أو مستغنية عنه، وذلك على عكس الروحانيات الدينية التي لم يعد لها لزوم في عصر الحداثة، بحسب رأيه. وهنا، نجد أنفسنا مختلفين مع السيد فيري، فنحن لا نعتقد أن بتر الإيمان أو الدين شيء مستحب. نعم لبتر التعصب الديني التكفيري، ولكن لا لبتر الدين في المطلق، فنحن لا نعتقد أن هناك تعارضاً بين الفلسفة والدين، أو العقل والإيمان، بشرط أن نفهم الدين بشكل عقلاني متنور. وأكبر مثال على ذلك الفيلسوف بول ريكور، فقد كان فيلسوفاً ضخماً، باعتراف لوك فيري نفسه، وفي الوقت ذاته كان مؤمناً كبيراً. على أي حال، فالسيد فيري حر في تصوراته، مثلما نحن أحرار في تصوراتنا.
لكن لنواصل رحلتنا مع هذا الكتاب الضخم الذي يتجاوز الثمانمائة صفحة من القطع الكبير.. يرى المؤلف أن الانتقال من مرحلة هوميروس إلى مرحلة أفلاطون يعني الانتقال من عصر الأسطورة إلى عصر الفلسفة، أو من عصر الملاحم الشعرية إلى عصر النثر والعقل. بهذا المعنى، فإن أفلاطون هو أول فيلسوف في تاريخ البشرية، وربما أكبر فيلسوف، كما قال لي يوماً ما كاستورياديس، أستاذ لوك فيري نفسه وكل جيله، وذلك عندما قابلته يوماً ما في منزله الباريسي لصالح مجلة «الكرمل»، التي كان يرأس تحريرها شاعرنا الكبير محمود درويش.
وماذا عن أرسطو الذي هيمن على البشرية العربية الإسلامية والأوروبية المسيحية طيلة العصور الوسطى؟ إنه القطب المضاد لأستاذه أفلاطون. فبقدر ما كان هذا الأخير مثالياً سارحاً في عالم المثل السماوية، كان أرسطو واقعياً يركز اهتمامه بالدرجة الأولى على دراسة الواقع الأرضي المحسوس. والصراع بين أفلاطون وأرسطو اخترق تاريخ الفلسفة من أوله إلى آخره، إنه الصراع بين المثالية والواقعية. نقول ذلك باختصار شديد وتسرع أشد. والآن، لنقفز على فصول كثيرة، ولننتقل مباشرة إلى عصر النهضة في القرن السادس عشر. وهنا، نصل إلى بيك الميراندولي، الذي يُعتقد أنه مات مسموماً في عز الشباب: 31 سنة فقط! لقد اغتاله الإخوان المسيحيون، فقد اتهموه بالزندقة والكفر والخروج على الدين. وكان الميراندولي يقول إن علينا أن نقلد علماء العرب وفلاسفتهم، إذا ما أردنا أن ننهض ونتطور. وكان في رأي لوك فيري أول من بلور النزعة الإنسانية الحديثة في الغرب، عندما ألف كتابه عن «الكرامة الإنسانية أو العظمة الإنسانية»، ولذلك اصطدم باللاهوت المسيحي ورجال الدين، وقد اشتهر بثقته الكبيرة في الإنسان، وقدرته على صنع المعجزات، وقال إنه أخذ هذه الفكرة عن كتب العرب التي تقول إنه «لا يوجد على وجه الأرض أروع من الإنسان»، ولكن المتشددين فهموا كلامه على أساس أنه تطاول على الذات الإلهية. هذا في حين أنه كان مؤمناً بالله، ولا غبار عليه، ولكن الإنسان في نظرهم لا يستحق كل هذا الاهتمام والتمجيد، فهو مجرد عابر فان، يجدر به أن يفكر بآخرته لا بدنياه. وهنا، نلتقي بإحدى سمات العصور الوسطى التي كانت تحتقر الحياة الدنيا، وتزهد بالإنسان وإمكانياته وملكاته وقدراته.
ننتقل الآن بسرعة شديدة إلى ديكارت، الذي يقول عنه المؤلف: لقد خُلد اسم ديكارت لاحقاً عن طريق كتابين فقط، هما: مقال في المنهج (1637)، والتأملات الميتافيزيقية (1641). وهذان الكتابان صغيران من حيث الحجم، ولكنهما ضخمان من حيث التأثير الذي مارساه على تاريخ الفلسفة، والدليل على ذلك أن العمالقة اللاحقين، من هيغل إلى هيدغر، أشادوا بديكارت كل الإشادة، واعتبروه بطل الفكر والمؤسس الحقيقي للفلسفة الحديثة، بمعنى أنه أغلق العصور الوسطى والفلسفة الأرسطوطاليسية. ولا نستطيع الدخول في تفاصيل الفلسفة الديكارتية لأننا قد نغطس بكل بساطة. ولن نتوقف عند تلميذيه الكبيرين، لايبنتز وسبينوزا، ولا حتى عند الفلسفة الأنغلو - ساكسونية، وإنما سننط نطة كبيرة واحدة لكي نصل إلى كانط والأنوار، فماذا يقول لوك فيري عن الموضوع؟ يقول بالحرف الواحد: «سوف نتحدث اليوم عن إيمانويل كانط (1724 - 1804)، إنه أكبر فلاسفة التنوير وأعظمهم شأناً، وربما كان أكبر فيلسوف في تاريخ البشرية. إن مؤلفاته تشبه جبال الهمالايا: من الصعب جداً تسلقها، ومن المستحيل مضاهاتها». ولكي لا نغطس هنا أيضاً، بل ونغرق كلياً، دعونا ننتقل فوراً إلى الفصل التالي، عن جان جاك روسو، أستاذ كانط ذاته ومثله الأعلى، قدوةً وأخلاقاً وسلوكاً.
أين تكمن عظمة روسو؟ في نزعته الإنسانية العميقة التي لا تضاهى. يضاف إلى ذلك أن روسو غامر بحياته من أجل الحقيقة؛ لقد شطب على حياته الشخصية بكل بساطة. ما السؤال الرئيسي الذي طرحه جان جاك روسو على عصره؟ إنه التالي: هل التقدم العلمي والتكنولوجي للبشرية يترافق بالضرورة مع التقدم الأخلاقي والإنساني؟ سؤال هائل وعظيم انفجر في عصره كالزلزال أو البركان، فراحوا يشتمونه ويتهكمون عليه، بل ويطلقون الشائعات حول مدى صحته النفسية وإمكانياته العقلية.


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).