«بروفة فبراير»: القذافي يحتوي أزمة «المساكن الشعبية»... ويفشل في اختبار «الانتفاضة»

العقيد دعا المواطنين إلى «الزحف» على الشقق الجديدة فخرج الشارع عن نطاق السيطرة

جانب من الاحتجاجات التي اجتاحت مدن ليبيا بعد الإطاحة بنظام القذافي قبل سبعة أعوام (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي اجتاحت مدن ليبيا بعد الإطاحة بنظام القذافي قبل سبعة أعوام (أ.ف.ب)
TT

«بروفة فبراير»: القذافي يحتوي أزمة «المساكن الشعبية»... ويفشل في اختبار «الانتفاضة»

جانب من الاحتجاجات التي اجتاحت مدن ليبيا بعد الإطاحة بنظام القذافي قبل سبعة أعوام (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي اجتاحت مدن ليبيا بعد الإطاحة بنظام القذافي قبل سبعة أعوام (أ.ف.ب)

تحل هذه الأيام الذكرى السابعة لـ«انتفاضة 17 فبراير» في ليبيا. لم تأتِ من فراغ، لكن نظام العقيد الراحل معمر القذافي كان يُفترض أنه استعد لاحتوائها جيداً؛ كونه اختبر للتو، وبنجاح: «بروفة» لكيف يمكن أن يتحرك الشارع الليبي بعفوية ويخرج عن نطاق السيطرة.
ربما لا يذكر كثيرون هذه «البروفة»، التي حصلت قبل شهور فقط من «انتفاضة فبراير»، وكانت تداعياتها لم تنته بعد عندما بدأت ثورات ما يُعرف بـ«الربيع العربي»، وأطاحت بنظامي الحكم في تونس ومصر، جارتي ليبيا غرباً وشرقاً.
تعود القصة إلى منتصف العام 2010، عندما كان العقيد الليبي في زيارة لمدينة سبها، معقل مؤيديه في جنوب البلاد. ما أن استعد كعادته في جولاته لإلقاء «خطاب جماهيري»، حتى فوجئ ببعض الحاضرين – الذين ينتمون إلى ضاحية حجارة الفقيرة - يتوجهون إليه مباشرة بشكواهم. قالوا إن أرضهم التي عاشوا فوقها داخل منازل متداعية أو في أكواخ من الصفيح، تم أخذها منهم بهدف بناء مشروع سكني تقوم به الدولة، على أن يتم تسليمهم مساكن جديدة بعد إنجاز المشروع. وبحسب شكواهم، تم بناء المساكن، لكن لم يُسمح لهم بالسكن فيها، وعوض ذلك مُنحت الشقق لأشخاص غير أولئك الذين وُعدوا بها. فما كان من القذافي إلا أن سارع، ومن دون استشارة مساعديه على ما يبدو، إلى إبلاغ المحتجين بأن «يزحفوا» على المساكن الشعبية ويأخذوا حقهم بأنفسهم، بما أن الأرض أرضهم، وقد وُعدوا أصلاً بمنحهم مساكن فيها.
وفي تصريحات إلى «الشرق الأوسط»، يقول نعمان بن عثمان، الذي عمل لفترة في «مشروع الغد»، الذي يقوده سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي، وشارك في مساعيه للمصالحة مع الإسلاميين (وهم رفاقه السابقون في «الجماعة المقاتلة»): إن العقيد القذافي «انفعل بشكل عفوي بعدما سمع بتفاصيل قضيتهم، ومن دون أن يراجع الحكومة قال لهم: ما دام أنهم (شعبية بلدية سبها) أخرجوكم من أرضكم، فالمساكن من حقكم... اذهبوا واسترجعوها. وما أن غادر القذافي سبها حتى بدأت الجماهير تزحف على المباني السكنية فوراً. لكن الغريب أن هذه القصة التي بدأت في سبها، سرعان ما انتشرت لتشمل مشروعات البناء السكني في عموم ليبيا، ووصلت حتى العاصمة طرابلس التي تبعد عن سبها بأكثر من 700 كلم».
وأثار هذا «الزحف الجماهيري» على المساكن الشعبية بلبلة واسعة في ليبيا. وجادل محتلو المساكن بأنهم لا يقومون سوى بما يدعو له القذافي نفسه في خطاباته. لم يتحججوا فقط بما قاله في سبها، بل قالوا إنهم يطبقون نظرياته الاجتماعية من قبيل أن «البيت لساكنه»، وليس بالضرورة لمالكه.
في المقابل، قال منتقدو هذا التصرف: إن المساكن الشعبية - وعددها بعشرات الآلاف - بُنيت لتلبية حاجات المجتمع، خصوصاً جيل الشباب لمساعدته على الزواج، واقتناء مسكن بأسعار مخفضة، ومن دون دفع فوائد قروض أثارت آنذاك اعتراضاً دينياً بين الليبيين، الذين رفضوا «قروض الربا». وقال هؤلاء الرافضون أيضاً إن كثيراً من المساكن الشعبية قد تم بيعها، وسُجّلت بأسماء أصحابها الجدد الذين يملكون صكوك ملكية تثبت أنهم دفعوا على الأقل الأقساط الأولى من قروض الشراء، وأنهم عندما ذهبوا لتفقد شققهم الجديدة وجدوا فيها أشخاصاً آخرين أقاموا فيها، وأكملوا تقسيمها وتركيب أبواب جديدة لها.
يقول بن عثمان، رئيس مؤسسة «كويليام» الدولية لمكافحة التطرف، في شرحه لما حصل آنذاك: «بعض المشروعات السكنية كان قد تم إنجاز 50 في المائة منها، وبعضها 60 في المائة، أو حتى 70 في المائة عندما اندلعت الأحداث (في فبراير/شباط 2011). كان لسيف الإسلام علاقة بطريقة ما بهذه المشروعات من خلال الضغط، الذي مارسه على الدولة لتوفير نصف مليون مسكن جديد، مع إعطاء الأولوية لجيل الشباب. كان الشاب يدفع ما بين خمسة آلاف إلى سبعة آلاف دينار ليبي للحصول على شقة، لكن ثمنها كان زهيداً لأنها مدعومة من الدولة. المشكلة التي واجهتها (الدولة) آنذاك هي أن الناس رفضت فكرة القروض الائتمانية على أساس أن فيها ربا، ففشلت مشروعات الإسكان. وجرت دراسات من قبل سيف الإسلام، وتم الاستخلاص أنه يجب تأمين مساكن بأي طريقة، ما دام الناس لن تقبِل على القروض الائتمانية التي فيها ربا. فكان الحل هو أن المواطن يدفع مالاً من دون أن توضع عليه أعباء الدين... لكن الذي حصل (بعد خطاب القذافي في سبها) هو أن الدولة وجدت آلاف الشقق مصادرة من المواطنين بالقوة، واستدعى ذلك أسابيع طويلة إلى أن تمكنت قوات الأمن من إخراج الناس منها».
لم تتم عملية إخراج محتلي الشقق «المصادرة» بالقوة، «فقد صدرت أوامر فورية من معمر نفسه بعدم التعرض لهم بعنف. قال إنه يمنع منعاً باتاً المس بهم. لكنه كان في غاية الاستياء والغضب»، بحسب بن عثمان الذي يضيف: «كنت حاضراً شخصياً ما حصل آنذاك. كان القذافي مستاءً جداً، وخشي أن هناك تحريضاً ضده عن طريق (قضية) المساكن، فكلّف شخصاً صديقاً لي - وهو ضابط برتبة عميد مقرب من معمر– بإجراء تحقيق موازٍ خارج أجهزة الدولة لتحديد كيف دخل هؤلاء الناس إلى البيوت في ليبيا كلها، في حين أن الكلام كان محصوراً بسبها؟ أراد القذافي أن يعرف كيف صارت هذه الفوضى فجأة، وبدأ الناس يتكلمون في السياسة. طلب أن يعرف من هي الشخصيات التي دعت المواطنين إلى القيام بما قاموا به (احتلال المساكن الشعبية)».
وبالفعل، باشر العميد الليبي تحقيقاته، وأخذ مع فريق من معاونيه في استقبال الناس، والسماع منهم بخصوص الأسباب التي دعتهم إلى «الزحف» على المساكن الشعبية، كما استمع بالطبع إلى شكاوى «المالكين» للشقق، والذين وجدوا أشخاصاً آخرين يقيمون فيها. يقول بن عثمان: «جاء أحدهم (إلى مكتب عميد الأمن) قائلاً إنه كان يستعد للزواج، ويدفع أقساطا تُخصم من راتبه. لكنه عندما ذهب إلى شقته وجد فيها عائلة ثانية. كانت فوضى عارمة. طالب مشترو الشقق باستعادتها، وحصلت مشكلات بينهم وبين مواطنين آخرين، وصارت الناس تتجرأ على الدولة. كان الأمر، في الواقع، بمثابة بروفة لكيف يمكن أن يخرج الشعب على الدولة ويتجرأ على تجاوز القانون. لكن البروفة كانت مقبولة؛ كونها جاءت في إطار مقولة البيت لساكنه، وتم توظيف أفكار القذافي ضده».
ويؤكد بن عثمان، أن القذافي أمر في بداية الأزمة قوات الأمن المركزي بعدم إخراج أي شخص من شقة، أو عقار يسكن فيه بشكل غير شرعي، لكنه بعد فترة قصيرة طلب البدء في إخراجهم منها، «لكن دون استخدام العنف والقوة. تم اللجوء إلى النيابة والاستعانة بالشرطة، لكن كل ذلك تم بهدوء إلى أن انتهت موجة احتلال المساكن». لكن ما كادت هذه القضية أن تنتهي حتى اندلعت حادثة البوعزيزي في تونس المجاورة، وفجّرت ثورة شعبية أطاحت حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، في مطلع عام 2011، وتلتها «ثورة يناير»، التي أطاحت أيضاً بحكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك.
وعلى رغم أن «بروفة المساكن الشعبية» انتهت بنجاح القذافي في احتوائها، فإن تداعياتها والتحقيقات التي أجريت بيّنت، كما يكشف بن عثمان، أن تحرك الشارع «لم يكن عفوياً»، بل كانت هناك جهات متورطة فيه، علما بأن النظام الليبي كان يشهد آنذاك صراعاً حامياً بين سيف القذافي وتياره «الإصلاحي»، وبين تيارات أخرى معارضة لهذا النهج، ومدعومة من أبناء آخرين للزعيم الليبي. ويوضح بن عثمان قائلاً: «كان القذافي مهتماً بمعرفة من يدفع بهؤلاء (الذين «زحفوا» على المساكن الشعبية). بدأت الاتهامات تنطلق في كل اتجاه. بعضهم حاول أن يقول إن سيف (متورط) من خلال منظمته الشبابية. وقال آخرون إن ذلك غير صحيح، بل إن المتورطين هم جماعة من المعارضين (في الخارج)، في حين قال آخرون أيضاً إن تصرف المواطنين كان عملاً طبيعياً يقوم به الشعب نتيجة الفقر. استمر التحقيق، وما سمعته مباشرة من الشخص (العميد) الذي قام به، هو أن التحريض كان من أجل أغراض سياسية، وأن كلمة معمر في سبها تم استغلالها لهذه الغاية. كان هو شخصياً (عميد الأمن) متضايقاً ومرتبكاً، وقال لي إنه لا يعرف كيف يمكن أن يقول للقائد إن هذا الأمر لم يكن عفوياً. صحيح أن الناس تريد بيوتاً، ولكن هناك من قام بتوجيهها في لحظة معينة، واستغل ظرفاً ليحرّك الشارع بالطريقة التي تحرك بها».



مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».


«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
TT

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)
أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

أفادت منظمة الصحة العالمية، اليوم الأحد، بأن ولاية جنوب كردفان السودانية تعرّضت لهجمات استهدفت ثلاث منشآت صحية خلال الأسبوع الأخير، أسفرت عن مقتل أكثر من 30 شخصاً.

وقال مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس عبر منصة «إكس» إن «النظام الصحي في السودان يتعرّض إلى الهجوم مجدداً».

ويخوض الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» حرباً منذ أبريل (نيسان) 2023، أسفرت عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص، وتشريد ملايين آخرين، وتسببت في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد تيدروس أن النظام الصحي تعرض لهجمات عديدة في منطقة كردفان في وسط السودان، حيث يتركز القتال حالياً.

وقال: «خلال هذا الأسبوع وحده، تعرّضت ثلاث منشآت صحية إلى هجمات في جنوب كردفان، في منطقة تعاني أساساً من سوء التغذية الحاد».

وأفاد بأن في الثالث من فبراير (شباط) قتل ثمانية أشخاص هم خمسة أطفال وثلاث نساء وجُرح 11 آخرون في هجوم على مركز رعاية صحية أولية.

وأكد أنه في اليوم التالي «تعرض مستشفى لهجوم أسفر عن مقتل شخص واحد».

وفي 5 فبراير «وقع هجوم آخر على مستشفى أسفر عن مقتل 22 شخصاً بينهم 4 عاملين في المجال الصحي وإصابة 8 آخرين»، بحسب ما ذكر تيدروس.

وقال: «ينبغي على العالم أجمع أن يدعم مبادرة السلام في السودان لإنهاء العنف، وحماية الشعب، وإعادة بناء النظام الصحي»، مشدّداً على أن «أفضل دواء هو السلام».

اقرأ أيضاً


تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية على استقبال السفن التجارية، وهو ما انعكس بوضوح على حركة الواردات، خصوصاً القمح والوقود.

وفي المقابل، سجلت المواني الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ارتفاعاً غير مسبوق في واردات السلع الأساسية، وسط تحسن نسبي في سعر صرف الريال اليمني، وانخفاض ملموس في أسعار المواد الغذائية.

ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، ارتفعت واردات القمح إلى مواني الحكومة مع نهاية عام 2025 بنسبة 329 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر يعكس تحولات عميقة في خريطة الإمدادات الغذائية داخل البلاد.

وأوضح التقرير أن هذا التحسن يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن، ولا سيما تنظيم عمليات الاستيراد وضبط سوق الصرف، ما أسهم في تعزيز استقرار العملة المحلية.

النقص المحتمل في الوقود يهدد سلاسل الإمداد الغذائي باليمن (إعلام محلي)

ولم تتجاوز واردات القمح عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين - حسب التقرير الأممي - 40 في المائة خلال الفترة ذاتها، ما يبرز اتساع الفجوة بين مناطق الحكومة والمناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

ويعزو خبراء هذا التراجع الحاد إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية للمواني، والتي أدت إلى تقليص قدرتها على استقبال السفن وتأمين عمليات التفريغ والنقل.

ولم يقتصر التأثير على القمح فحسب، بل امتد ليشمل الوقود، إذ انخفضت واردات الوقود إلى ميناء رأس عيسى، الذي يديره الحوثيون، بنسبة 82 في المائة، في حين ارتفعت إجمالاً بنسبة 20 في المائة عبر المواني الحكومية، بما فيها عدن والمكلا. هذا التباين الحاد في حركة الوقود انعكس بشكل مباشر على استقرار الأسواق، وأسهم في تعميق التحديات الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين.

تحسن العملة

ولفتت البيانات الأممية إلى أن الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة ظل أقوى بنسبة 27 في المائة مقارنة بنهاية عام 2024، وهو ما انعكس إيجاباً على أسعار الوقود والمواد الغذائية. فقد ظلت أسعار الوقود مستقرة نسبياً مقارنة بالشهر السابق، لكنها انخفضت بنسبة تتراوح بين 14 في المائة و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، رغم بقائها أعلى من متوسط السنوات الثلاث الماضية بنسبة تتراوح بين 4 في المائة و13 في المائة.

وينطبق الأمر ذاته على أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في مناطق الحكومة بنسبة تتراوح بين 12 في المائة و20 في المائة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية.

تراجع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية بسبب تحسن الريال اليمني (إعلام محلي)

ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى تحسن قيمة العملة المحلية، وانخفاض تكاليف الوقود والنقل، إلى جانب ارتفاع حجم الواردات الغذائية، وفي مقدمتها القمح.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر التقرير الأممي من أن الأمن الغذائي في اليمن لا يزال يتعرض لضغوط شديدة نتيجة أزمات متعددة ومتشابكة. ففي مناطق الحكومة، لا يزال تقلب سعر الصرف يشكل عامل خطر قد يعيد إشعال موجات تضخم جديدة في أسعار الغذاء والوقود، في حال تراجع الاستقرار النقدي، أو تعثرت إجراءات البنك المركزي.

استقرار هش

أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فتتمثل أبرز التحديات - وفق التقرير الأممي - في ضوابط السوق الصارمة، والاضطراب الحاد في القطاع المالي، الناتج عن العقوبات التي تؤثر على المدفوعات والتحويلات المالية، إضافة إلى القيود المفروضة على استيراد دقيق القمح ومحدودية المساعدات الإنسانية. وأكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، وترفع عدد الأسر المعرّضة لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وخلال الفترة نفسها، ظلت تكلفة سلة الغذاء الدنيا في مناطق الحكومة مستقرة نسبياً، وكانت أقل بنسبة 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وأقل بنسبة 5 في المائة من متوسط السنوات الثلاث الماضية. غير أن هذا الاستقرار لا يخفي واقعاً صعباً تعيشه شريحة واسعة من السكان، إذ يعتمد نحو 35 في المائة منهم على رواتب حكومية غير منتظمة تآكلت قيمتها بفعل التضخم السابق.

واردات الوقود تراجعت إلى ميناء رأس عيسى بنسبة 82 % (إعلام محلي)

كما رصد التقرير خلال شهر ارتفاعاً في أسعار الأسماك بنسبة 5 في المائة في مناطق الحكومة، لتصبح أعلى بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 18 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية.

في المقابل، ظلت أجور العمالة الزراعية والمؤقتة مستقرة نسبياً، مدعومة بالاستقرار النسبي للريال، حيث ارتفعت الأجور الزراعية بنسبة 8 في المائة، وأجور العمالة المؤقتة بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي.

ورأت منظمة الأغذية والزراعة أن هذه المؤشرات تعكس مزيجاً من العوامل الإيجابية والسلبية، إذ يسهم تحسن العملة واستقرار الواردات في تخفيف الضغوط المعيشية، لكن استمرار التوترات الأمنية واضطراب الإمدادات في مناطق الحوثيين، خصوصاً الوقود، يظل عامل تهديد لاستقرار الأسواق على مستوى البلاد.