صادق هدايت.. شقاء المثقف في زمن الديكتاتورية

العديد من آثاره لا يزال محظورا في إیران

صادق هدايت
صادق هدايت
TT

صادق هدايت.. شقاء المثقف في زمن الديكتاتورية

صادق هدايت
صادق هدايت

الحديث حول صادق هدايت بحاجة إلی جرأة، ذلك لأن وصف آثاره وفكره وذكر مسلكه وسیرته يمثلان مغامرة خطيرة ومسؤولية كبيرة تلقي في قلب كل باحث الرعب من الضياع في آلاف العوالم المثيرة للخوف التي يخلقها هدايت نفسه. وحتى المؤلفات الخمسون التي كتبها عنه وعن آثاره المفكرون والكتاب البارزون لا تقدم عن لغز حياته وآثاره سوى حكاية ناقصة، ابتداء من مؤرخ مثل الدكتور محمد علي كاتوزيان الذي حلل حياة هدايت وموته إلى النقاد الأدبيين مثل الدكتور شميسا والدكتور شريعتمداري اللذين عمدا إلی تحليل آثاره، وحسن قائميان الذي أصدر آراء كبار الكتاب الأجانب حول هدايت في كتاب من 300 صفحة، وحتى أعضاء مؤسسة صادق هدايت للجائزة الأدبية، إذ لم يصور كل منهم سوى جانب من هيمنة هدايت الكبيرة على الأدب في إيران.
كان صادق هدايت كاتبا ومترجما ومثقفا إيرانيا بارزا من رواد كتابة القصة الحديثة في إیران. وقد عد كثير من الباحثين رواية «البومة العمياء» أبرز آثار الأدب القصصي المعاصر في إیران. ورغم أن شهرة هدايت تعود إلی الكتابة، فإنه ترجم أيضا آثارا لكتاب كبار مثل جان بول سارتر، فرانتس كافكا وأنطوان تشيخوف، كما أن آثاره هو نفسه ترجمت إلی 25 لغة.
وكان هدايت قد كتب، في سيرة متواضعة ومؤلمة بقلمه قبل ست سنوات من انتحاره في شقته المستأجرة في شارع شامبيونيه بباريس، قائلا: «إني لأشعر بالبهیمية إزاء حديثي عن نفسي بالمقدار نفسه الذي أشعر فيه إزاء الإعلام المتأثر بأمیركا. ترى، ما جدوى أن يعرف أحد تاريخ ولادتي؟ هذه الإيضاحات تذكرني دوما بسوق الماشية حيث يعرض للبيع بغل عجوز وتنقل للمشتري بصوت عال تفاصيل عن خصاله وعيوبه من أجل جذب هذا المشتري، وفضلا عن ذلك فإن الحدیث عن حیاتي لا یضم أي ملاحظة بارزة فلیس هنالك من حدث لافت للنظر قد وقع فیها، كما لم یكن لي أي عنوان، ولا أحمل أي شهادة مهمة، ولم أكن أیضا تلمیذا متمیزا في المدرسة، بل علی العكس من ذلك فقد كنت أواجه الإخفاق دائما. وكنت في الدوائر التي عملت فیها عضوا غامضا ومجهولا دائما، وكان رؤسائي حانقین عليّ، حیث إن استقالاتي كانت تقبل بفرح جنوني كلما قدمتها. وبشكل عام، فإن البیئة التي كنت أعیش فیها كانت تحكم علي بأنني كائن طفیلي عدیم الجدوى، وربما كانت هذه هي الحقیقة».
وتكاد كل آثاره تكون (كما یشهد النص السابق) غير متناغمة مع أفكار عامة الناس، إلا أن حیاة هدایت وآثاره هي في الحقيقة خلاصة أحوال أكثر أفراد المجتمع الإیراني بصیرة في السنوات التي تلت فشل الثورة الدستوریة وعدم تحقق العدالة والحریة، وانتكاسة التحديث مقابل صعود السلفیة. لقد كان هدایت، كما یذكر عابدیني: «من جیل مثقفي عصر رأوا فیه تقلبات الثورة الدستوریة والطموحات غیر الواقعیة للمفكرین المطالبین بالحكم الدستوري، وهو جیل مضطرب ومرتبك الفكر، رأی كابوس الانحطاط والاضمحلال بأم عینه، جیل وجد نفسه علی أعتاب التحول وحافة الأزمة، ومع ذلك كان یعمل علی إحداث تغییر جدید للحیاة».
إن الازدواجیة في قصص هدایت، الذهنیة والواقعیة، هي تجسید لهذا الانفصام الاجتماعي - الفكري. كان لا يطيق «الحیاة المتحجرة المتداولة»، التي تمر كأنها كابوس مرعب»، ولا یمیل إلی «شبه الحداثة الاستبدادیة لرضا شاه». وكان یثیر في قصصه التساؤلات حول القیم المترسخة من خلال السخریة اللاذعة والمدمرة، فاضحا المجتمع الخاضع للديكتاتوریة والخرافات من خلال وصفه النقدي، كاشفا عن تآكله الداخلي، معلنا في الوقت نفسه براءته من الناس الذین «تقبلوا هذه البیئة الوضیعة والمتعصبة».
یشید هدایت في «أغاني الخیام» بالشاعر الذي «لم یتقبل أبدا التقالید البالیة لبیئته، بل إنه یسخر بمنطق كل ترهاتهم». وهو ما یصف بالضبط حال هدایت نفسه، الذي یعد مثل الخیّام من الكتاب الإیرانیین القلائل الذین «رفضوا وكرهوا، حرفوا، حللت شخصیاتهم خطأ، وحققوا شهرة واسعة لكنهم باتوا في النهاية مغمورین ومجهولین».
یذكر حسن میرعابدیني، الكاتب والباحث الأدبي، أنه، خلال السنوات التي كان فیها معظم الكتاب یرون الحقیقة من نافذة بیوت الفاحشة الضیقة أو كانوا یشفقون علی مصیر الأمراء عدیمي الأصل، في قالب القصص الأخلاقیة التاریخیة المفعمة باللواعج والآهات، كان هدایت يوجه سخريته لاذعة علی عامة الجهال وعباد الشهوات، معلنا البراءة منهم، وكأنه یرید الانتقام من هؤلاء البشر السعداء الذین لیس لهم أي مُثُل ولا یتحملون مثل هذا الوضع، دون أن ینطقوا بكلمة».
ویكتب هدایت نفسه في «ثلاث قطرات من الدم»، قائلا: «لا یوجد أي وجه شبه بیننا. فأنا أختلف عنهم اختلاف الأرض عن السماء. إن آهات هؤلاء البشر وصمتهم وشتائمهم وبكاءهم تملأ منامي بالكوابیس دوما».
إن علاقته بعامة الناس متناقضة ومعقدة كعلاقته مع الأرستقراطیین، وكان هو نفسه ينحدر من أسرة متنفذة من سلالة رضا قلي خان، وهو من أشهر الكتاب والشعراء والمؤرخین في القرن التاسع عشر المیلادي في إیران، لكن هدايت اختار أن ينفصل عن عائلته، وعمل موظفا بسطا في إحدى الدوائر. وعرف في تلك الفترة بنزعته التشاؤمية الانطوائية، منصرفا لكتاباته، كما تعلم اللغة الفرنسیة في مدرسة «سان لویس» في إیران. وتعرف من خلال قسیس في المدرسة علی الأدب العالمي. وفي هذه المدرسة نفسها وجد في نفسه رغبة في تعلم الفلسفة المیتافیزیقیة، ثم أصدر بعد ذلك بعض المقالات حول «السحر في إیران»، كما أصبح نباتیا وألف كتابا حول فوائد النباتیة، وبقي نباتیا حتى نهایة عمره. وكان یری أن الإنسان إن أراد أن یكف عن الحرب، فإن علیه أولا أن یكف عن قتل الحیوانات وأكلها.
وفي عام 1926، توجه إلی بلجیكا مع أول مجموعة من الطلاب المتوجهین إلی الخارج للدراسة في فرع الهندسة. ولكنه لم یأخذ الدراسة علی محمل الجد واتجه إلی الكتابة. وفي تلك السنة، نشر قصة «الموت»، في مجلة «إیرانشهر»، التي كانت تصدر في ألمانیا، وكتب مقالة بالفرنسیة باسم «السحر في إیران» في مجلة «لیه فیل دلیس».
وبعد فترة شعر بالملل والسأم من حالة الجو في تلك المدینة وأوضاعه الدراسیة، وأخذ یتحین الفرص للذهاب إلی باریس التي كانت آنذاك مركز الحضارة الغربیة. وأخیرا نقل بعد سنة إلى باریس لمواصلة الدراسة. وفي باریس مر بتجربة عاطفیة فاشلة تركت تأثیرا كبيرا علی آثاره، بحیث أصبح الحب حسب النظرة الفرویدیة یشكل أحد أهم مضامین آثاره.
كتب في وصف الحب في قصة «آفرینكان» (نسك من كتاب «زند» المقدس) قائلا: «الحب مثل أغنیة بعیدة، نغمة خلابة وساحرة یترنم بها الإنسان القبیح والدمیم. وعلینا أن لا نتبعه ولا ننظر إلیه من الأمام، لأن ذلك سوف یقضي علی لذة الترنم به، كما یجب أن لا نتخطى عتبة الحب، ونكتفي بهذا القدر».
وهكذا ازدادت النزعة الباطنیة لدی هدایت شیئا فشیئا، وأخذ هاجس الموت یسیطر علی وجوده. وإثر الكآبة التي أصیب بها، والتي كانت تتعمق یوما بعد آخر، أقدم في عام 1928 علی الانتحار لأول مرة، لكنه نجا من الموت. وقد وصف هذه الحادثة في «مذكرات مجنون». وبعد أن جرب لحظات مواجهة الموت، وظل یعاني منها حتى نهایة عمره، كان یدفع شخصیات أعماله هي أیضا إلى أن تمارس هذه التجربة، كي تشهد علی خواء الحیاة وعبثیتها.
وفي عام 1930، عاد إلی طهران دون أن ینهي دراسته، وجرى توظیفه في المصرف الوطني الإیراني. ولكنه لم یكن یشعر بالرضا من عمله، وكانت رسائله في هذه الفترة مفعمة بالشكوى من الدنیا وحالها، رغم أن عمله في المصرف أدی إلى صداقته المباركة مع حسن قائمیان الذي كرس نفسه بعد وفاة هدایت للتعریف به وبآثاره.
وخلال السنوات التالیة تولى عدة مناصب في المدیریة العامة للتجارة، وزارة الخارجیة، الشركة العامة المساهمة للبناء، مدیریة الموسیقى في البلاد، وجامعة الفنون الجمیلة. رغم أنه لم یبقَ في كل منصب أكثر من عام، وكان یقدم استقالته كل عام مرة تقریبا.
أثناء ذلك، نشر آثاره الواحد تلو الآخر. وتعد السنوات من 1931 إلى 1935 فترة غزیرة بالإنتاج بالنسبة إلى هدایت حين نشر العدید من الآثار البحثیة والقصصیة. وخلال هذه السنوات نفسها أدی كتابه القیم «وغ وغ ساهاب» (لعبة یخرج منها صوت عندما یتم تدویرها)، الذي كتبه منتقدا حالة التردي الثقافي والأدبي في تلك الفترة، إلی استدعائه لمدیریة الأمن في طهران، وبذلك أصبح صادق هدایت من أوائل الذین منعوا من الكتابة في تاریخ الرقابة في إیران.
سافر هدایت عام 1936 إلى الهند بحجة تعلم اللغة البهلویة، وأصدر هناك أكثر آثاره شهرة «البومة العمیاء»، في 50 نسخة.
كتب هدایت في أحد المواضع: «كانت اللغة البهلویة ذریعة. والآن فإن الجمیع أخذ یطبلون لي؛ بأنني قد ذهبت إلی الهند لأدرس البهلویة! كنت أرید الفرار. لقد وقع لي حادث فذهبت إلى الهند وتذرعت بالبهلویة.. كنت قد ذهبت لأطبع (البومة العمیاء)، ولكن لم یتیسر لي ذلك، و(بعد التي واللتیا) تمكنت من استنساخ 50 نسخة.. ثم إنني عندما كنت في طریقي إلى الهند كنت أخشی أن یصادروها مني في الجمارك لأخسر كل شيء».
وقد ترجم في الهند «سیرة أردشیر بابكان» من البهلویة إلی الفارسیة.
ثم عاد إلی إیران، وشكل في عام 1934 مع مجموعة من كتاب إیران الشباب الذین كانوا قد درسوا في أوروبا جمعیة «الربعة» الأدبیة المتجددة، التي كانت قد وقفت موقفا معارضا غیر مباشر إزاء جمعیة «السبعة»، التي كانت تضم الأدباء السلفيين الحكومیین. وقد مارست هذه المجموعة النشاطات الأدبیة والثقافیة ونشرت بعض الآثار بشكل مشترك.
یقول مجتبی مینوي، الأدیب المؤرخ والكاتب الإیراني الشهیر حول هذا العهد: «لقد كنا نحارب بقوة ونسعى من أجل الحصول علی الحریة، وكان صادق هدایت مركز دائرتنا».
وبعد سنوات الأربعینات، وإثر احتلال الحلفاء لإیران وانفتاح الأجواء السیاسیة، تعاون هدایت مع بعض أعضاء حزب توده، ونشر بعض المقالات في صحیفة «مردم» (الشعب)، التي كانت اللسان الناطق لحزب توده، رغم أن أمله خاب في هذا الحزب بعد نهایة الحرب واندلاع مشكلتي أذربیجان وكردستان، فازداد تشاؤمه من الأوضاع أكثر من ذي قبل.
وكانت آخر أعماله «توب مرواري» (مدفع اللؤلؤ) (نصب في ساحة أرك بطهران، كانت النساء غیر المتزوجات یقصدنه لقراءة الحظ)، وقد صدر هذا الكتاب بعد موته، كما ترجم رواية «المسخ» لكافكا التي نشرها في مجلة «سخن». سافر هدایت إلی فرنسا عام 1950، بعد أن بلغ الـ48، وبعد أن حصل علی التأشيرة بفعل تقریر طبي. وانتحر أخيرا بالغاز في التاسع من أبريل (نيسان) 1951. وكان قد أتلف قبل بضعة أيام من انتحاره كثیرا من قصصه غیر المطبوعة.
يذكر محمد علي جمال زاده، الكاتب والمترجم الإیراني الشهیر عنه: «لم یكن صادق هدایت یتقبل كثیرا من قيم الناس، وكانت تساوره في داخله تساؤلات حول الخلق كانت قد افترست روحه، علی حد قوله».
وفي الحقیقة فإن هدایت یمثل مثقف العهد الديكتاتوري الأسود، المثقف الذي حرم من أي وجود اجتماعي مفيد، إنه كما فقد إيمانه بقدرة الكاتب علی التأثیر وبالتالي التغيير. وكان یعلن احتجاجه واعتراضه على مظاهر الفوضى التي كان الجمیع قد اعتادها، ولم تكن شخصيته المنفتحة الفكر لتتحمل الأمية والفقر والجهل السائد، ولذلك فقد اعتزل، معانيا من الضیاع الروحي الكبير.. ثم جاء الانتحار، مثله مثل بعض الوجوه الأدبیة الشهیرة التي أقدمت علی الانتحار في ذلك العهد، كرضا كمال، وشهرزاد جهانكیر جلیلي.
وللأسف، كثیر من آثار هدایت لا يزال محظورا في إیران في الوقت الحالي، كما توقف طبع معظم آثاره المسموح لها بالنشر.
* خدمة «الشرق الأوسط» بالفارسية (شرق بارسي)



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».