صادق هدايت.. شقاء المثقف في زمن الديكتاتورية

العديد من آثاره لا يزال محظورا في إیران

صادق هدايت
صادق هدايت
TT

صادق هدايت.. شقاء المثقف في زمن الديكتاتورية

صادق هدايت
صادق هدايت

الحديث حول صادق هدايت بحاجة إلی جرأة، ذلك لأن وصف آثاره وفكره وذكر مسلكه وسیرته يمثلان مغامرة خطيرة ومسؤولية كبيرة تلقي في قلب كل باحث الرعب من الضياع في آلاف العوالم المثيرة للخوف التي يخلقها هدايت نفسه. وحتى المؤلفات الخمسون التي كتبها عنه وعن آثاره المفكرون والكتاب البارزون لا تقدم عن لغز حياته وآثاره سوى حكاية ناقصة، ابتداء من مؤرخ مثل الدكتور محمد علي كاتوزيان الذي حلل حياة هدايت وموته إلى النقاد الأدبيين مثل الدكتور شميسا والدكتور شريعتمداري اللذين عمدا إلی تحليل آثاره، وحسن قائميان الذي أصدر آراء كبار الكتاب الأجانب حول هدايت في كتاب من 300 صفحة، وحتى أعضاء مؤسسة صادق هدايت للجائزة الأدبية، إذ لم يصور كل منهم سوى جانب من هيمنة هدايت الكبيرة على الأدب في إيران.
كان صادق هدايت كاتبا ومترجما ومثقفا إيرانيا بارزا من رواد كتابة القصة الحديثة في إیران. وقد عد كثير من الباحثين رواية «البومة العمياء» أبرز آثار الأدب القصصي المعاصر في إیران. ورغم أن شهرة هدايت تعود إلی الكتابة، فإنه ترجم أيضا آثارا لكتاب كبار مثل جان بول سارتر، فرانتس كافكا وأنطوان تشيخوف، كما أن آثاره هو نفسه ترجمت إلی 25 لغة.
وكان هدايت قد كتب، في سيرة متواضعة ومؤلمة بقلمه قبل ست سنوات من انتحاره في شقته المستأجرة في شارع شامبيونيه بباريس، قائلا: «إني لأشعر بالبهیمية إزاء حديثي عن نفسي بالمقدار نفسه الذي أشعر فيه إزاء الإعلام المتأثر بأمیركا. ترى، ما جدوى أن يعرف أحد تاريخ ولادتي؟ هذه الإيضاحات تذكرني دوما بسوق الماشية حيث يعرض للبيع بغل عجوز وتنقل للمشتري بصوت عال تفاصيل عن خصاله وعيوبه من أجل جذب هذا المشتري، وفضلا عن ذلك فإن الحدیث عن حیاتي لا یضم أي ملاحظة بارزة فلیس هنالك من حدث لافت للنظر قد وقع فیها، كما لم یكن لي أي عنوان، ولا أحمل أي شهادة مهمة، ولم أكن أیضا تلمیذا متمیزا في المدرسة، بل علی العكس من ذلك فقد كنت أواجه الإخفاق دائما. وكنت في الدوائر التي عملت فیها عضوا غامضا ومجهولا دائما، وكان رؤسائي حانقین عليّ، حیث إن استقالاتي كانت تقبل بفرح جنوني كلما قدمتها. وبشكل عام، فإن البیئة التي كنت أعیش فیها كانت تحكم علي بأنني كائن طفیلي عدیم الجدوى، وربما كانت هذه هي الحقیقة».
وتكاد كل آثاره تكون (كما یشهد النص السابق) غير متناغمة مع أفكار عامة الناس، إلا أن حیاة هدایت وآثاره هي في الحقيقة خلاصة أحوال أكثر أفراد المجتمع الإیراني بصیرة في السنوات التي تلت فشل الثورة الدستوریة وعدم تحقق العدالة والحریة، وانتكاسة التحديث مقابل صعود السلفیة. لقد كان هدایت، كما یذكر عابدیني: «من جیل مثقفي عصر رأوا فیه تقلبات الثورة الدستوریة والطموحات غیر الواقعیة للمفكرین المطالبین بالحكم الدستوري، وهو جیل مضطرب ومرتبك الفكر، رأی كابوس الانحطاط والاضمحلال بأم عینه، جیل وجد نفسه علی أعتاب التحول وحافة الأزمة، ومع ذلك كان یعمل علی إحداث تغییر جدید للحیاة».
إن الازدواجیة في قصص هدایت، الذهنیة والواقعیة، هي تجسید لهذا الانفصام الاجتماعي - الفكري. كان لا يطيق «الحیاة المتحجرة المتداولة»، التي تمر كأنها كابوس مرعب»، ولا یمیل إلی «شبه الحداثة الاستبدادیة لرضا شاه». وكان یثیر في قصصه التساؤلات حول القیم المترسخة من خلال السخریة اللاذعة والمدمرة، فاضحا المجتمع الخاضع للديكتاتوریة والخرافات من خلال وصفه النقدي، كاشفا عن تآكله الداخلي، معلنا في الوقت نفسه براءته من الناس الذین «تقبلوا هذه البیئة الوضیعة والمتعصبة».
یشید هدایت في «أغاني الخیام» بالشاعر الذي «لم یتقبل أبدا التقالید البالیة لبیئته، بل إنه یسخر بمنطق كل ترهاتهم». وهو ما یصف بالضبط حال هدایت نفسه، الذي یعد مثل الخیّام من الكتاب الإیرانیین القلائل الذین «رفضوا وكرهوا، حرفوا، حللت شخصیاتهم خطأ، وحققوا شهرة واسعة لكنهم باتوا في النهاية مغمورین ومجهولین».
یذكر حسن میرعابدیني، الكاتب والباحث الأدبي، أنه، خلال السنوات التي كان فیها معظم الكتاب یرون الحقیقة من نافذة بیوت الفاحشة الضیقة أو كانوا یشفقون علی مصیر الأمراء عدیمي الأصل، في قالب القصص الأخلاقیة التاریخیة المفعمة باللواعج والآهات، كان هدایت يوجه سخريته لاذعة علی عامة الجهال وعباد الشهوات، معلنا البراءة منهم، وكأنه یرید الانتقام من هؤلاء البشر السعداء الذین لیس لهم أي مُثُل ولا یتحملون مثل هذا الوضع، دون أن ینطقوا بكلمة».
ویكتب هدایت نفسه في «ثلاث قطرات من الدم»، قائلا: «لا یوجد أي وجه شبه بیننا. فأنا أختلف عنهم اختلاف الأرض عن السماء. إن آهات هؤلاء البشر وصمتهم وشتائمهم وبكاءهم تملأ منامي بالكوابیس دوما».
إن علاقته بعامة الناس متناقضة ومعقدة كعلاقته مع الأرستقراطیین، وكان هو نفسه ينحدر من أسرة متنفذة من سلالة رضا قلي خان، وهو من أشهر الكتاب والشعراء والمؤرخین في القرن التاسع عشر المیلادي في إیران، لكن هدايت اختار أن ينفصل عن عائلته، وعمل موظفا بسطا في إحدى الدوائر. وعرف في تلك الفترة بنزعته التشاؤمية الانطوائية، منصرفا لكتاباته، كما تعلم اللغة الفرنسیة في مدرسة «سان لویس» في إیران. وتعرف من خلال قسیس في المدرسة علی الأدب العالمي. وفي هذه المدرسة نفسها وجد في نفسه رغبة في تعلم الفلسفة المیتافیزیقیة، ثم أصدر بعد ذلك بعض المقالات حول «السحر في إیران»، كما أصبح نباتیا وألف كتابا حول فوائد النباتیة، وبقي نباتیا حتى نهایة عمره. وكان یری أن الإنسان إن أراد أن یكف عن الحرب، فإن علیه أولا أن یكف عن قتل الحیوانات وأكلها.
وفي عام 1926، توجه إلی بلجیكا مع أول مجموعة من الطلاب المتوجهین إلی الخارج للدراسة في فرع الهندسة. ولكنه لم یأخذ الدراسة علی محمل الجد واتجه إلی الكتابة. وفي تلك السنة، نشر قصة «الموت»، في مجلة «إیرانشهر»، التي كانت تصدر في ألمانیا، وكتب مقالة بالفرنسیة باسم «السحر في إیران» في مجلة «لیه فیل دلیس».
وبعد فترة شعر بالملل والسأم من حالة الجو في تلك المدینة وأوضاعه الدراسیة، وأخذ یتحین الفرص للذهاب إلی باریس التي كانت آنذاك مركز الحضارة الغربیة. وأخیرا نقل بعد سنة إلى باریس لمواصلة الدراسة. وفي باریس مر بتجربة عاطفیة فاشلة تركت تأثیرا كبيرا علی آثاره، بحیث أصبح الحب حسب النظرة الفرویدیة یشكل أحد أهم مضامین آثاره.
كتب في وصف الحب في قصة «آفرینكان» (نسك من كتاب «زند» المقدس) قائلا: «الحب مثل أغنیة بعیدة، نغمة خلابة وساحرة یترنم بها الإنسان القبیح والدمیم. وعلینا أن لا نتبعه ولا ننظر إلیه من الأمام، لأن ذلك سوف یقضي علی لذة الترنم به، كما یجب أن لا نتخطى عتبة الحب، ونكتفي بهذا القدر».
وهكذا ازدادت النزعة الباطنیة لدی هدایت شیئا فشیئا، وأخذ هاجس الموت یسیطر علی وجوده. وإثر الكآبة التي أصیب بها، والتي كانت تتعمق یوما بعد آخر، أقدم في عام 1928 علی الانتحار لأول مرة، لكنه نجا من الموت. وقد وصف هذه الحادثة في «مذكرات مجنون». وبعد أن جرب لحظات مواجهة الموت، وظل یعاني منها حتى نهایة عمره، كان یدفع شخصیات أعماله هي أیضا إلى أن تمارس هذه التجربة، كي تشهد علی خواء الحیاة وعبثیتها.
وفي عام 1930، عاد إلی طهران دون أن ینهي دراسته، وجرى توظیفه في المصرف الوطني الإیراني. ولكنه لم یكن یشعر بالرضا من عمله، وكانت رسائله في هذه الفترة مفعمة بالشكوى من الدنیا وحالها، رغم أن عمله في المصرف أدی إلى صداقته المباركة مع حسن قائمیان الذي كرس نفسه بعد وفاة هدایت للتعریف به وبآثاره.
وخلال السنوات التالیة تولى عدة مناصب في المدیریة العامة للتجارة، وزارة الخارجیة، الشركة العامة المساهمة للبناء، مدیریة الموسیقى في البلاد، وجامعة الفنون الجمیلة. رغم أنه لم یبقَ في كل منصب أكثر من عام، وكان یقدم استقالته كل عام مرة تقریبا.
أثناء ذلك، نشر آثاره الواحد تلو الآخر. وتعد السنوات من 1931 إلى 1935 فترة غزیرة بالإنتاج بالنسبة إلى هدایت حين نشر العدید من الآثار البحثیة والقصصیة. وخلال هذه السنوات نفسها أدی كتابه القیم «وغ وغ ساهاب» (لعبة یخرج منها صوت عندما یتم تدویرها)، الذي كتبه منتقدا حالة التردي الثقافي والأدبي في تلك الفترة، إلی استدعائه لمدیریة الأمن في طهران، وبذلك أصبح صادق هدایت من أوائل الذین منعوا من الكتابة في تاریخ الرقابة في إیران.
سافر هدایت عام 1936 إلى الهند بحجة تعلم اللغة البهلویة، وأصدر هناك أكثر آثاره شهرة «البومة العمیاء»، في 50 نسخة.
كتب هدایت في أحد المواضع: «كانت اللغة البهلویة ذریعة. والآن فإن الجمیع أخذ یطبلون لي؛ بأنني قد ذهبت إلی الهند لأدرس البهلویة! كنت أرید الفرار. لقد وقع لي حادث فذهبت إلى الهند وتذرعت بالبهلویة.. كنت قد ذهبت لأطبع (البومة العمیاء)، ولكن لم یتیسر لي ذلك، و(بعد التي واللتیا) تمكنت من استنساخ 50 نسخة.. ثم إنني عندما كنت في طریقي إلى الهند كنت أخشی أن یصادروها مني في الجمارك لأخسر كل شيء».
وقد ترجم في الهند «سیرة أردشیر بابكان» من البهلویة إلی الفارسیة.
ثم عاد إلی إیران، وشكل في عام 1934 مع مجموعة من كتاب إیران الشباب الذین كانوا قد درسوا في أوروبا جمعیة «الربعة» الأدبیة المتجددة، التي كانت قد وقفت موقفا معارضا غیر مباشر إزاء جمعیة «السبعة»، التي كانت تضم الأدباء السلفيين الحكومیین. وقد مارست هذه المجموعة النشاطات الأدبیة والثقافیة ونشرت بعض الآثار بشكل مشترك.
یقول مجتبی مینوي، الأدیب المؤرخ والكاتب الإیراني الشهیر حول هذا العهد: «لقد كنا نحارب بقوة ونسعى من أجل الحصول علی الحریة، وكان صادق هدایت مركز دائرتنا».
وبعد سنوات الأربعینات، وإثر احتلال الحلفاء لإیران وانفتاح الأجواء السیاسیة، تعاون هدایت مع بعض أعضاء حزب توده، ونشر بعض المقالات في صحیفة «مردم» (الشعب)، التي كانت اللسان الناطق لحزب توده، رغم أن أمله خاب في هذا الحزب بعد نهایة الحرب واندلاع مشكلتي أذربیجان وكردستان، فازداد تشاؤمه من الأوضاع أكثر من ذي قبل.
وكانت آخر أعماله «توب مرواري» (مدفع اللؤلؤ) (نصب في ساحة أرك بطهران، كانت النساء غیر المتزوجات یقصدنه لقراءة الحظ)، وقد صدر هذا الكتاب بعد موته، كما ترجم رواية «المسخ» لكافكا التي نشرها في مجلة «سخن». سافر هدایت إلی فرنسا عام 1950، بعد أن بلغ الـ48، وبعد أن حصل علی التأشيرة بفعل تقریر طبي. وانتحر أخيرا بالغاز في التاسع من أبريل (نيسان) 1951. وكان قد أتلف قبل بضعة أيام من انتحاره كثیرا من قصصه غیر المطبوعة.
يذكر محمد علي جمال زاده، الكاتب والمترجم الإیراني الشهیر عنه: «لم یكن صادق هدایت یتقبل كثیرا من قيم الناس، وكانت تساوره في داخله تساؤلات حول الخلق كانت قد افترست روحه، علی حد قوله».
وفي الحقیقة فإن هدایت یمثل مثقف العهد الديكتاتوري الأسود، المثقف الذي حرم من أي وجود اجتماعي مفيد، إنه كما فقد إيمانه بقدرة الكاتب علی التأثیر وبالتالي التغيير. وكان یعلن احتجاجه واعتراضه على مظاهر الفوضى التي كان الجمیع قد اعتادها، ولم تكن شخصيته المنفتحة الفكر لتتحمل الأمية والفقر والجهل السائد، ولذلك فقد اعتزل، معانيا من الضیاع الروحي الكبير.. ثم جاء الانتحار، مثله مثل بعض الوجوه الأدبیة الشهیرة التي أقدمت علی الانتحار في ذلك العهد، كرضا كمال، وشهرزاد جهانكیر جلیلي.
وللأسف، كثیر من آثار هدایت لا يزال محظورا في إیران في الوقت الحالي، كما توقف طبع معظم آثاره المسموح لها بالنشر.
* خدمة «الشرق الأوسط» بالفارسية (شرق بارسي)



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».