أفغانيات في الهند يلجأن إلى سحر الطعام

تدير مشروع «إلهام» للأطباق ثلاث لاجئات أفغانيات - أطباق من المطبخ الأفغاني في أحد الأسواق في نيودلهي
تدير مشروع «إلهام» للأطباق ثلاث لاجئات أفغانيات - أطباق من المطبخ الأفغاني في أحد الأسواق في نيودلهي
TT

أفغانيات في الهند يلجأن إلى سحر الطعام

تدير مشروع «إلهام» للأطباق ثلاث لاجئات أفغانيات - أطباق من المطبخ الأفغاني في أحد الأسواق في نيودلهي
تدير مشروع «إلهام» للأطباق ثلاث لاجئات أفغانيات - أطباق من المطبخ الأفغاني في أحد الأسواق في نيودلهي

تقدم أولئك السيدات قصص صمود نادرة في بلد غريب. ساديا، وقسيمة، ورفيقة لسن سوى ثلاثة من بين مجموعة مكونة من سبع نساء بلا رجال هربن من أفغانستان، التي يمزقها العنف، في محاولة لإعادة بناء حياتهن في العاصمة الهندية دلهي. بدأن تقديم خدمة توريد الأطعمة والمشروبات، بعدما وضعن رعب وأهوال الماضي وراء ظهورهن، ولجأن إلى سحر الطعام. وقد أطلقن على المشروع الخاص بهن اسم «إلهام» وهو يعني الـ«إيجابية» باللغة الدارية.
بدأت هؤلاء السيدات الأفغانيات في صناعة اسم لامع في عالم الطهي وتقديم صنوف الطعام الشهية من مطبخهن الأصلي باستخدام الوصفات اللاتي ورثنها عن الأجيال السابقة إلى سكان دلهي.
وتعود قصة جمع النساء الثلاث إلى مجهود المنظمة غير الحكومية «أكسيس»، التي تتخذ من دلهي مقراً لها، والتي تواصلت مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أجل العمل على تحسين الظروف المعيشية للاجئين من خلال تقديم خدمات توريد الطعام.
تتلقى السيدات أسبوعياً عددا كبيرا من الطلبات لا يقبلن منه سوى جزء. تشتهر قسيمة بالكباب الشامي، في حين تبرع ساديا في طهي طبق الـ«كابلي بولاو»، وهو طبق شرقي خاص، وتجيد هنية طهي طبق الـ«مانتو»، في حين تعد رفيقة كباب الـ«تشابلي» والحلوى بشكل ممتاز.
تتضمن قائمة الطعام أصناف خاصة من الطبخ الأفغاني مثل الـ«مانتو»، وهو طبق من العجينة المحشوة باللحم والبصل، وتكسوها طبقة من الزبادي المعد في المنزل، ويقدم إلى جانب الخضراوات المشوية، ويعد أحد الأطباق الخفيفة الشهيرة التي تحظى بشعبية بين سكان دلهي. ومن الأصناف الأخرى كباب الـ«تشابلي» الطري، الذي يقدم إلى جانب الخبز الأفغاني المسطح، والـ«كابلي بولاو»، وهو أرز يتم طهيه مع اللحم والخضراوات، والبهارات الأصلية. من أصناف الحلوى المدرجة على قائمة الطعام «كاجورز» و«آشاك» وهي من الأصناف التي تحظى بشعبية كبيرة. كذلك يقبل الناس على المعجنات الحلوة الرقيقة المقلية والمغطاة بالسكر المطحون والفستق.

محنة شخصية

تقاوم كل سيدة من تلك السيدات أشباح الماضي، ولدى كل منهن قصة مرعبة. جاءت قسيمة وأبناؤها الأربع إلى الهند عام 2013، وتتذكر الأوقات الجيدة التي كانت تعيشها في أفغانستان مع زوجها وعائلتها، حيث تقول: «لقد كنا زوجين متحابين، وكنا نحب مشاهدة أفلام السينما الهندية معاً. لم أكن أعرف أن الكلمات القليلة التي التقطتها من تلك الأفلام سوف تكون مفيدة ونافعة يوماً ما». اختطفت حركة طالبان زوجها، تاجر السيارات، إضافة إلى رجلين آخرين عام 2011، وحاول الثلاثة الهروب ليلا، لكن لم يتمكن سوى رجل واحد من الهرب، وتم قتل زوجها والرجل الآخر. بعد فترة قصيرة من الحادث، أخذت عائلة زوجها تضغط عليها حتى تتزوج ابنهم الأصغر. وهربت إلى الهند مع أبنائها وحقيبتين بذريعة زيارة أبويها، لكن شقيق زوجها تعقبها إلى الهند وهاجمها بسكين مهدداً إياها بالعودة إلى أفغانستان. كانت قسيمة أستاذة جامعية في أفغانستان تتقاضى 10 آلاف روبية شهرياً، وتقول: «كثيراً ما يسألني الناس عما إذا كنت قد اتخذت القرار الصحيح بهروبي من وطني، وتكون إجابتي دائماً بنعم، فعلى الأقل سيكون أطفالي في أمان معي».
ذكريات رفيقة أيضاً مخيفة ومؤلمة، فهي لا تستطيع نسيان اليوم الذي تعرضت فيه لهجوم في شوارع كابل لعدم تغطيتها لوجهها، فقد كانت آنذاك مريضة وفي طريقها إلى الطبيب، ومعها والدتها. بعد ذلك عندما اختفى زوجها بعدما خطفته حركة طالبان، هربت وعيناها مغرورقتان بالدموع، إلى منزل غريب في كابل هرباً من عناصر «طالبان»، لم تتخيل أنه يوماً ما سوف تسير في الشوارع دون أن يهتم أحد بما إذا كانت تغطي وجهها أم لا. كذلك لم تكن أولاء النسوة يعرفن أن مسارات حياتهن سوف تتقاطع يوماً ما في دلهي البعيدة من خلال مشروع «إلهام» الذي سيصبح مصدر دخل أساسيا لهن.
لقد باتت دلهي وطنهن الآن، ولا يتذكر أبناؤهن أي شيء عن مسقط رأسهم.
تروي كل سيدة قصتها، وتبحث عن الكلمات المناسبة، وتنهار أحيانا، في حين يهرع الآخرون لتهدئتها؛ وتتحول التنهدات إلى حوار وابتسامات، بينما يحاولون إبعاد الشعور بالمرارة والنبذ. تقول ساديا البالغة من العمر 40 عاماً وتعيش مع أطفالها بين اللاجئين في بوغال في جنوب دلهي: «هناك تشابه كبير بين الثقافتين الهندية والأفغانية. الفرق الأساسي هو أن الناس في أفغانستان لا يردن للنساء الخروج والعمل، لكن هنا نحن نكسب عيشنا».
تقول فريدة الشابة: «في وطني إذا أرادت الفتاة الذهاب إلى المدرسة، سوف تكثر تساؤلات وأحاديث الناس عن الأمر، لكنني هنا أذهب إلى العمل وأعود منه وحدي. كذلك أتحدث إلى الكثير من الناس». وقد فرّت عائلة فريدة من نظام طالبان منذ ستة أعوام، وهي عائلة مكونة من أب عاطل عن العمل، وأم في صحة غير جيدة، وأربع شقيقات.
على الجانب الآخر، ترفض فرح تصويرها وتقول: «إذا تم الكشف عن هويتي، سوف تتعرض حياتي إلى الخطر». وبينما تتحدث تزيح الوشاح عن رأسها ليظهر جرح على رقبتها ناتج عن هجوم تعرضت له في دلهي من جانب رجل أفغاني يقبع في السجن حالياً.
تقول إنوارا: «لم يكن التغيير سهلا»، وتختلف حياتها الحالية كثيراً عن حياتها الهادئة الماضية، فقد كانت تعيش حياة سعيدة مع زوجها وبناتها الأربعة، ورغم أنها لم تكمل مراحل تعليمها كانت راضية بدورها كربة منزل، لكن اليوم الذي قتل فيه زوجها في حادث تفجير كان بمثابة نهاية لفصل من حياتها، حيث لم تعد مدينتها الحبيبة آمنة لامرأة وحيدة تعيش مع بناتها، لذا قررت السفر إلى الهند.

تحقيق الذات

إلى جانب الاستقلال المالي، والشعور بالثقة في الذات، والسعادة بما يفعله المرء، ساعد المشروع هؤلاء السيدات في العثور على ذواتهن في البلاد، فقد بدأن يشعرن بأنهن يعشن في الوطن بالمعنى المجازي للكلمة بعد توالي عبارات الثناء والطلبات عليهن، حيث يوضحن أن تقديم أطباق من المطبخ المحلي إلى الآخرين يعد بمثابة علاج لجراحهن. عبرن عن شعورهن بالتوتر في البداية بسبب عدم تمتعهن بخبرة سابقة في العمل بشكل تجاري في المجال العام، لكنهن تدريجياً بدأن يكتسبن الذكاء والفطنة مما ساعدهن على استغلال المهارات التي اكتسبنها حديثاً في تأسيس مشروع خدمة توريد الطعام بحسب ما توضح صفية. أما زنات التي تمكنت من دفع إيجاز المنزل ومصروفات المدرسة بفضل ذلك المشروع فتقول: «لقد فعل هذا العمل المعجزات لنا، فهو لم يساعدنا في تحقيق الاستقلال المالي فحسب، بل كان بمثابة وسيلة لتضميد جراحنا أيضاً. لقد كان وسيلة للتغلب على التوتر وبناء الثقة في الذات». وتقول جميع السيدات: «لم تعد هناك شكوى، وبدأت أمورنا تتحسن ونشعر بالسعادة». في الوقت، الذي يستمتعن فيه بالعمل، وإدارة شؤون أسرهن بفضل ما يكسبن من مال، تقول السيدات الأفغانيات إنهن قد وجدن أن الهند تشبه كثيراً بلدهن، لكنها في الوقت نفسه «مختلفة بدرجة كبيرة» فيما يتعلق بنمط حياة النساء. وتوصي ريتيكا شارما، من سكان دلهي التي تطلب دائماً مع صديقاتها الطعام الأفغاني من «إلهام»، ولا تستطيع الامتناع عن تناول هذا الطعام اللذيذ، الكثيرين بالتعامل مع هذه المجموعة من النساء.
على الجانب الآخر، تتولى أديتي ساباروال، منسقة المشروعات لدى المنظمة غير الحكومية المسؤولة عن مشروع «إلهام المطبخ الأفغاني»، إدارة طلبات توريد الطعام لتلك المجموعة من النساء الأفغانيات اللاجئات بدعم فريقها. ويستهدف المشروع تمكين تلك الأمهات الوحيدات، ومساعدتهن في الاعتماد على أنفسهن باستخدام ما يتمتعن به من مهارات في الطهي. وتوضح ساباروال قائلة: «لقد تلقت السيدات تدريبا مكثفا على تطوير المشروع. الغرض من ذلك هو أن نراهن وقد عاودن النهوض، وأصبحن مستقلات. وتستطيع السيدات من خلال هذه الخدمة العمل باتجاه تحسين فرص أبنائهن، وتطوير مجتمعهن في المستقبل».
يبلغ عدد اللاجئين الأفغان في الهند 10363، وعدد طالبي اللجوء السياسي 3654، بحسب المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. يقيم أكثر هؤلاء اللاجئين في دلهي، حيث استقر غالبيتهم في مناطق مثل لاجبات ناغار، ومالفيا ناغار، وكريكي إكستينشن، وجانغبورا.
مع ذلك تواجه هؤلاء السيدات الأفغان مثل الكثيرين من اللاجئين الأفغان في الهند بعض المشكلات المتعلقة باللغة، وتمديد التأشيرة، واستئجار المنازل، وفتح حسابات مصرفية، والحصول على تعليم جيد، أو وظائف. وتقول إحدى السيدات: «لا يسألنا الناس عادة عن بلدنا الأم، وقد مررت بتجارب سيئة مثلما مررت بتجارب جيدة. أليس هذا هو الحال في كل مدينة في العالم؟».



سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
TT

سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)

أثار طرح بوستر برنامج المقالب «رامز ليفل الوحش»، الذي يقدمه الفنان رامز جلال في رمضان 2026، اهتماماً لافتاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدَّر الترند عبر منصة «X» في مصر، الثلاثاء.

كان رامز جلال قد كشف عن الملصق الترويجي للبرنامج، الذي ظهر من خلاله وقد أعطى ظهره للكاميرا دون أن يكشف عن ملامح أو تفاصيل أخرى، ثم ظهر في ملصق آخر وقد طغى اللون الأحمر على كل شيء؛ ملابسه ونظارته وملابس القرد الذي يحمله على كتفه وفانوس رمضان الذي يمسكه بيده، بينما ظهر بشعر برتقالي على شكل حمم بركانية، ما أشعل سباق التوقعات بين الجمهور حول فكرة الموسم الجديد من البرنامج الذي اعتاد إثارة الجدل وخطف الانتباه في مواسمه السابقة.

رامز جلال كما ظهر على بوستر البرنامج (إم بي سي مصر)

وكتب رامز، عبر حسابه على «X»: «بسم الله توكلنا على الله»، معلناً بطريقته المعتادة الموسم الجديد لبرنامج المسابقات الذي يقدمه بعنوان «رامز ليفل الوحش» في رمضان 2026 على «MBC مصر».

وأضاف: «اجمد ومتبقاش خفيف... الموضوع مخيف»، الذي تتخذه قناة MBC شعاراً للبرنامج، وقد جرى تصويره بمدينة الرياض، وهو من إنتاج الهيئة العامة للترفيه (GEA) ليعلق متابعون حول توقعاتهم لطبيعة المقلب الذي سيتعرض له ضيوف البرنامج. وكتب حساب باسم «محمد العريفي»: «أيوة كده يا رامز، نجم رمضان كل سنة». وكتب حساب باسم «شهد»: «البوستر يجنن، وطبعاً لون شعرك خيالي».

وعلق «Abdou»: «واضح إن الضحايا، هذا العام، داخلين أخطر تجربة في حياتهم، (رامز ليفل الوحش) هيكسر الدنيا».

في حين كشف حساب باسم «MEMO» أن «مفاجأة رامز جلال، هذا الموسم في رمضان، هو استضافته اللاعب أشرف حكيمي، ليبدأوا لعبة مثل (سكواد جيم)، ووسط اللعب سيجري حبس الضيف في غرفة مظلمة بمفرده ليس بها غير شاشة، وفجأة رامز هيشغل عليها جول «بابا غابي» في المغرب بنهائي أمم أفريقيا».

وكتب حساب باسم «Arabian Crave»: «بما إن الفضول واصل للسماء والكل بيسأل رامز جلال ناوي على إيه السنة دي، خليني أفكّلك اللغز وأوريك الطريق اللي هتحس فيه ريحة المقلب قبل ما يبدأ، تخيل نفسك رايح مهرجان عالمي وفجأة تلاقي نفسك جوة نسخة مخيفة من لعبة الحبار، بس المرة دي كلها مصرية».

ويحظى تسجيل حلقات البرنامج بكثير من السرية حتى لا تتسرب الفكرة لبقية ضيوف البرنامج الذي يعمل رامز وفريق الإعداد والإخراج معه على الانتهاء من تصوير الحلقات كاملة قبل شهر رمضان بوقت كاف.

وأكد الناقد أحمد سعد الدين أن اسم رامز جلال يتحول إلى «ترند» مع اقتراب شهر رمضان، وقبل عرض برنامجه؛ لأن اسمه وحده يكفي، سواء أكان تحت مسمى «رامز قلب الأسد» أم «رامز ليفل الوحش»، فهو يحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور الخليجي والجمهور المصري، مشيراً إلى أنه يعتمد في كل مرة على فكرة جديدة في برنامج يتمتع بإنتاج ضخم يتيح له أن يحقق إبهاراً فنياً، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»: «لكن مشكلة البرنامج أنه يعتمد على فكرة واحدة طوال شهر رمضان، وبعد عرض خمس حلقات يكون المشاهد قد أدرك الفكرة وتوقّع ما سيقوله الضيف، ومن الأفضل أن يقدم فكرة مختلفة لكل عشر حلقات».

ويلفت سعد الدين إلى أن الحلقات الأولى التي قدمها لم تكن تتمتع بإنتاج كبير، لكن بعدما اتجه للإنتاج في كل من دبي والسعودية توافرت له إمكانات واسعة مكّنته من تقديم عناصر إبهار أكثر، والاستعانة بنجوم عالميين في بعض الحلقات.

بدأ الفنان رامز جلال «52 عاماً» تقديم برنامج المقالب، الذي يحمل اسمه بشكل موسمي في رمضان من كل عام، في 2011، وقد حملت عناوين متعددة، على غرار «رامز قلب الأسد»، و«رامز ثعلب الصحراء»، و«رامز مجنون رسمي»، و«رامز إيلون مصر».


مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)

وسط حضور فني وثقافي واسع، احتفت «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، مساء الاثنين، بإبداعات الشباب المشاركين في الدورة السابعة من مسابقتها السنوية، التي شهدت تتويجاً لمسيرة الفنان يحيى الفخراني الفنية، وتأكيداً لأهمية الفن بصفته «أساس الحضارة وذاكرة الوجود الإنساني».

وأكد وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، في كلمته خلال الحفل الذي أقيم بحديقة «مركز الجزيرة للفنون» بحي الزمالك وسط القاهرة، على سعي المؤسسة التي تحمل اسمه إلى «ترسيخ رسالتها الفنية والمساهمة في إعلاء القيمة الحقيقية للفن ودوره الثقافي في المجتمع»، مشيراً إلى أنه انطلاقاً من هذا التوجه تمت إضافة «جائزة الاستحقاق» إلى الحفل السنوي، التي تُمنح لقامة بارزة في عالم الفن والثقافة، معرباً عن سعادته بأن تذهب الجائزة هذا العام إلى الفنان يحيى الفخراني.

وشدد حسني على أهمية الفن والثقافة بصفتهما «جوهر الوجود الإنساني الذي يحفظ ملامح الأمم»، وقال: «الثقافة ليست ترفاً، ومصر عرفت طريقها للحضارة عندما جعلت الفن والفكر لغة الحياة».

وسلم وزير الثقافة ، أحمد فؤاد هنو، مساء الاثنين، «جائزة الاستحقاق» للفخراني، عادّاً الجائزة «تكريماً لقيمة الفن الهادف والإبداع المسؤول، وللنموذج الفني الذي حافظ، على مدار عقود، على احترام عقل ووجدان الجمهور»، مشيراً إلى أن «الفخراني يُمثل رمزاً للفنان الواعي بدوره الثقافي والإنساني».

وشهد الحفل الذي أقيم على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة احتفاء بإبداعات الشباب في مختلف المجالات الفنية، حيث تقدم لفروع المسابقة الخمسة؛ التصوير، والعمارة، والنحت، والنقد الفني التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، 1211 فنانة وفناناً من مختلف المحافظات شاركوا بنحو 2354 عملاً فنياً متنوعاً.

الفنان فاروق حسني يلقي كلمة في حفل توزيع جوائز المؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه (وزارة الثقافة المصرية)

وقال حسني: «نحتفي بجيل من المبدعين يحمل حساسية العصر، ويصوغ رؤيته للعالم دون أن ينفصل عن جذوره»، مؤكداً أن المسابقة «ليست احتفالاً بإنجاز عابر، بل هي تأكيد على أن الفن في جوهره فعل مقاومة للنسيان، وانحياز دائم للجمال، وبذرة أمل تزرع في أرض الوطن لتثمر وعياً وحياةً».

بدوره، أشاد هنو بالمسابقة التي «تحتفي بجيل واعد من المبدعين الشباب وتكرم قامة فنية كبرى»، مؤكداً أن «هذا التلاقي بين الخبرة المتراكمة والطاقة الشابة يعكس حيوية المشهد الثقافي المصري، وقدرته على التجدد والاستمرار».

وعدّ «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون» بمثابة «نموذج رائد للعمل الثقافي المستدام، بفضل رؤية مؤسسها المستنيرة التي لم تتوقف عند حدود المسؤولية الرسمية، بل امتدت إلى دعم الإبداع وإتاحة الفرص أمام الطاقات الشابة واكتشاف المواهب ورعايتها».

وشهد الشهر الماضي افتتاح «متحف فاروق حسني»، وهو جزء من «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي تأسست عام 2019. وقبل تسليم الجوائز افتتح هنو وحسني المعرض الجماعي للشباب المتأهلين للمرحلة النهائية من المسابقة، الذي يستمر حتى 19 فبراير (شباط) الحالي. وفاز بجوائز مسابقة النقد الفني التشكيلي بالترتيب من الأول إلى الثالث، كل من إيريني سمير حكيم شحاتة، وشيماء سمير عبد المنعم عباس، ومروة السيد عباس السيد. بينما كان المركز الأول في جائزة العمارة من نصيب مشاركة جماعية (محمد أحمد زكي سيد ومحمد مرزوق محمد متولي وهارون ياسر هارون محمد)، وجاء في المركز الثاني عبد الرحمن حسين محمد عبد العال، أما المركز الثالث فكان مشاركة جماعية أيضاً بين (مريم أسامة سند العرباني وبنان خالد غريب محمد وإسراء عبد العزيز محمد حامد وسلمى الخولي عبد المنعم الخولي).

ونالت مشاركة جماعية لكل من محمد هاني عبد الفتاح، وعمر علاء الدين إسماعيل، وجاسمين أشرف كرم، وحبيبة محمد علي، على شهادة تقدير، وكذلك نالت مشاركة جماعية لكل من غادة عبد الوهاب إبراهيم، وهبة محمد مصطفى إبراهيم، شهادات تقدير.

وفي فرع التصوير الفوتوغرافي، جاءت المراكز الثلاثة الأولى بالترتيب من نصيب، فايز أحمد إبراهيم عطية، ورنا أسامة السعيد إبراهيم، وعلاء نور الدين مصطفى يوسف، بينما حصلت حنان سعيد عبد الدايم محمد على شهادة تقدير.

جانب من حضور حفل توزيع الجوائز (وزارة الثقافة المصرية)

وفي فرع النحت، فاز بالمركز الثاني حسام مصطفى رمضان محمد، وبالمركز الثالث يوسف حامد محمد محمود، كما فازت بشهادة شكر وتقدير فاطمة محمد خالد ثابت، أما جائزة التصوير فكانت من نصيب سمر رأفت عبد الله محمد، وحصلت فاطمة إبراهيم محمد حسين على المركز الثاني، وفاز بالمركز الثالث مينا نصيف فهمي يعقوب.

وشهد الحفل حضوراً واسعاً لمسؤولين سابقين وحاليين وشخصيات فكرية وثقافية، من بينهم المهندس أيمن عطية محافظ القليوبية، والدكتور زاهي حواس، والدكتور مصطفى الفقي، والدكتور سامح فريد وزير الصحة الأسبق، والكاتب محمد سلماوي، والدكتور أحمد غنيم رئيس هيئة المتحف المصري الكبير، والمهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري، والمهندس إبراهيم المعلم والناقد الفني طارق الشناوي.


«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
TT

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة، التي لم تكن مجرد شكل جنائزي، بل كانت أشبه بموظفين روحيين مهمتهم ضمان راحة وسعادة المتوفى في العالم الآخر»؛ بهذا الكلمات سلّط المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) الأضواء على تماثيل «الأوشابتي» التي عادة ما ترافق الموتى في المقابر المصرية القديمة، موضحاً في بيان، الثلاثاء، أن كلمة «أوشابتي» مشتقة من الفعل المصري القديم «وشب»، الذي يعني «يُجيب». لهذا تُعرف أيضاً باسم «التماثيل المُجيبة» أو «المجيبون».

كانت الفكرة ببساطة أنه عندما يُنادى على المتوفى في العالم الآخر للقيام بعمل شاق، مثل حرث الحقول أو ري الأرض، ينهض هذا التمثال الصغير ويقول «هأنذا»، ليتولى المهمة بدلاً من سيده. لتصبح هذه التماثيل بمنزلة ضمانة دائمة للراحة والخلود. كانت هذه التماثيل في البداية مجرد رؤوس حجرية توضع في المقبرة، وفى عصر المملكة الوسطى (حوالي 2050 إلى 1710 قبل الميلاد) أصبحت تأخذ شكل مومياء صغيرة، وكان يوضع تمثال واحد أو اثنان في المقبرة. وفي الدولة الحديثة وما بعدها وصلت لفكرتها الأكثر تعقيداً، إذ لم يعد تمثال واحد يكفي، بل أصبح هناك «جيش» كامل يقوم على خدمة المتوفى طوال أيام السنة. وبلغ العدد النموذجي 365 تمثالاً، يمثل كل منها يوماً من أيام السنة. وفي بعض الفترات المتأخرة، زاد هذا العدد ليصل إلى أكثر من ذلك.

أحد تماثيل الأوشابتي (المتحف المصري)

تصف المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، تسليط الضوء على تماثيل «الأوشابتي» في المتحف المصري بأنها «خطوة بالغة الأهمية في إعادة قراءة الفكر الجنائزي للمصري القديم بعيداً عن النظرة الشكلية للقطع الأثرية، إذ تكشف هذه التماثيل عن دور رمزي عميق بوصفها (موظفين روحيين) أو وكلاء يعملون نيابةً عن المتوفّى في العالم الآخر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود (الأوشابتي) لم يكن مجرد عنصر تزييني داخل المقبرة، بل ارتبط بنصوص دقيقة خصوصاً تعاويذ الفصل السادس من كتاب الموتى التي تفعّل وظيفتها لتؤدي الأعمال الزراعية والخدمية بدلاً من صاحب المقبرة، بما يعكس تصوراً متكاملاً للحياة الأبدية قائماً على الاستمرارية والتنظيم والعمل».

وأشارت إلى أن إبراز «الأوشابتي» بهذا المنظور العلمي يؤكد على الدور المتحفي ليس بوصفه قاعة عرض فقط بل منصات للمعرفة وإعادة تفسير التراث في ضوء مناهج علم المصريات الحديثة، ما يبرز قدرة القطع الأثرية على سرد تاريخ روحي وفكري كامل، يربط الإنسان المصري القديم بأسئلته الكبرى حول الخلود.

وصنعت هذه التماثيل من خامات متعددة مثل الخشب والحجر والبرونز، كما تبرز تماثيل «الفيانس» (القاشاني) كأحد أروع الأنواع. وهو خزف زجاجي ملون كان يُنتج في مصر القديمة بألوان ساحرة، خاصة الأزرق الفيروزي والأخضر، التي كانت ترمز للحياة والنماء، وفق بيان المتحف.

وتعرض قاعات المتحف المصري مجموعات متميزة من تماثيل «الأوشابتي»، من بينها القاعة 22 في الدور العلوي التي تضم مجموعة من تماثيل «الأوشابتي» المصنوعة من الفيانس. وحسب البيان، فهي «ليست قطعاً فنية فحسب، بل نافذة على عقلية المصري القديم وفلسفته تجاه الموت. وتعكس إيمانه الراسخ بالحياة بعد الموت، وحرصه على الاستعداد لها بتفاصيل دقيقة، ليستمتع بالأبدية دون مشقة».

ويرى عالم المصريات والخبير الآثاري، الدكتور حسين عبد البصير، أن «تسليط الضور على هذه التماثيل فكرة جيدة بوصفها عناصر فاعلة داخل منظومة الحياة الأبدية، لا مجرد قطع جنائزية صامتة، وهو طرح يقرّب العقيدة المصرية القديمة من الوعي المعاصر دون إخلال بجوهرها».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن وصف «الأوشابتي» بـ«المجيب» أو «الموظف الروحي» يستند إلى نصوص العقيدة نفسها، لا سيما صيغة الاستجابة الواضحة: «إذا دُعيتُ أُجيب»، وهو ما يكشف عن تصور منظم للعالم الآخر يقوم على الواجب والعمل والاستمرارية.

وعدّ عبد البصير أن هذا المدخل «يفتح أفقاً سردياً وتعليمياً مهماً داخل المتحف، إذ تتحول القطعة الأثرية إلى شاهد على رؤية المصري القديم للحياة بعد الموت بوصفها امتداداً منضبطاً للحياة الدنيا، وهي زاوية تتيح قراءة إنسانية عميقة لـ(الأوشابتي)، وتمنحه صوتاً فكرياً يعبّر عن فلسفة المصري القديم في العمل والعدل والمعنى، لا عن طقوس الموت فقط».

Your Premium trial has ended