ورقة غربية ـ إقليمية لـ«رسم الحدود» بين الأسد ورئيس الوزراء... و«حيادية الأمن»

مصادر غربية تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن معايير الموقف الأميركي... ومفاوضات فيينا اختبار للمشاركة في سوتشي

دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)
دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

ورقة غربية ـ إقليمية لـ«رسم الحدود» بين الأسد ورئيس الوزراء... و«حيادية الأمن»

دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)
دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)

صاغ وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون وحلفاؤه الغربيون والإقليميون مبادئ تصورهم للحل السياسي السوري في ورقة خطية تضمنت مقترحات عملية للإصلاح الدستوري، وتقليص صلاحيات الرئيس و«رسم الحدود» بينه وبين رئيس والوزراء والإدارات المحلية، وتأسيس «جمعية المناطق» مع البرلمان، و«حيادية» الجيش والأمن، إضافة إلى «انسحاب الميليشيات الأجنبية» من سوريا، بحيث تكون هذه خريطة عمل مقترحة للمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا.
كما بعث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رسالة خطية إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تضمنت معايير محددة يجب أن تتحقق قبل مشاركة الأمم المتحدة في «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين. أحد المعايير، هو «الانخراط البناء» لوفد الحكومة السورية في مفاوضات السلام في فيينا التي بدأت أمس، خصوصاً لجهة المشاركة في بحث ملف الدستور.
والتقى دي ميستورا، أمس، كلاً على حدة، الوفد الحكومي السوري برئاسة بشار الجعفري، ووفد «هيئة التفاوض» المعارضة برئاسة نصر الحريري. واستمر اجتماع المبعوث الخاص مع الوفد الحكومي نحو ساعتين، من دون أن ترشح أي معلومات عنه حتى مساء أمس، كما لم يدلِ الجعفري بأي تصريح لدى وصوله. وقال دبلوماسي غربي: إن محادثات فيينا «الوقت المناسب لاختبار قدرة الروس على إقناع النظام بالالتزام بتعهداته. وحان الوقت كي تأخذ روسيا زمام الأمور إذا كانت تريد إنقاذ مؤتمر سوتشي من مقاطعة المعارضة». وأوضح ان وفد «الهيئة» سيلتقي وفدا روسيا اليوم «كي يطلب الضغط على وفد الحكومة»، اضافة الى تعديل «وثيقة سوتشي».
وكان فريق الأمم المتحدة زار دمشق الأسبوع الماضي، وسأل الخارجية السورية سلسلة من الأسئلة عن الإصلاح الدستوري ومرجعية اللجنة الدستورية وعلاقتها بمفاوضات جنيف وتنفيذ القرار 2254، لكن دمشق رفضت إعطاء أي جواب، واكتفت بالقول: إن الأجوبة ستأتي في فيينا.
وكان لافتاً أن دي ميستورا والمبعوثين الغربيين كثفوا جهوداً خاصة للبحث عن تفاصيل موقف الوفد الحكومي ومدى انخراطه في ملف الدستور، على اعتبار أنه في الجولة الثامنة رفض الجعفري بحث ملف الدستور قبل «إعادة سلطة الدولة على جميع الأراضي السورية وتحريرها من الإرهاب». كما أن مقربين من دمشق تمسكوا بأن الإصلاح الدستوري يجب أن يكون ضمن الدستور الحالي لعام 2012 والآليات المتوفرة، أي عبر لجنة التشريعات في البرلمان التي تقترح تعديلات على الدستور.

من غوتيريش إلى لافروف
وكان موضوع «الإصلاح الدستوري» ملفاً أساسياً في رسالة من غوتيريش إلى لافروف والاتفاق الموقّع بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في نوفمبر (تشرين الثاني)؛ إذ إن دولاً غربياً والأمم المتحدة تمسك بأنه «يلتزم الرئيس بشار الأسد بالتوصل إلى دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب القرار 2254». ولم ينجح ألكسندر لافرينييف، مبعوث الرئيس الروسي، في الحصول من دمشق على تعهد كهذا.
وأقصى ما حصل عليه، هو بيان رئاسي سوري مفاده استعداد لـ«إصلاح دستوري (في دستور عام 2012) وإجراء انتخابات برلمانية» من دون ذكر الرئاسية والقرار 2254 وعملية جنيف. وقام لافرينييف بـ«ملء الفراغ» عندما أعلن بنفسه في آستانة التعهد الذي كان «مطلوباً من الأسد»، بحسب وعود موسكو.
مرد التمسك الغربي والدولي بـ«معايير غوتيريش»، يتعلق بمتطلبات المشاركة في مؤتمر سوتشي، خصوصاً أن الجانب الروسي وجه دعوات إلى الدول الأربع دائمة العضوية في مجلس الأمن (باعتبار أن روسيا هي الخامسة) والدول الإقليمية البارزة والمجاورة لسوريا و«ضامني» عملية آستانة، أي إيران وتركيا (وروسيا) بصفة «مراقبين». ولن يقرر مسؤولو الدول الغربية المشاركة أو المقاطعة في انتظار قرار «الهيئة التفاوضية» ونتائج مفاوضات فيينا.
اللافت، أن أنقرة ودولاً إقليمية أخرى دخلت على الخط في تشجيع «الهيئة» المعارضة للمشاركة في سوتشي؛ إذ إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أبلغ رئيس «الهيئة» نصر الحريري، أول من أمس، بالمشاركة في سوتشي وطرح الأسئلة والمطالب، وضرورة البقاء في العملية السياسية.
لكن واقع الحال، أن قيام وفد الحكومة السورية بـ«الانخراط البناء» في مفاوضات فيينا يلبي أحد متطلبات «معايير غوتيريش» إلى لافروف للمشاركة الأممية في مؤتمر سوتشي وليس جميعها؛ إذ إن هناك متطلبات أخرى، بينها أن اللجنة الدستورية يجب أن تضم ممثلين من الحكومة السورية والمعارضة وأطرافاً أخرى، وأن يتم الاتفاق على مهمة وصلاحية اللجنة الدستورية ضمن عملية جنيف، وأن اللجنة الدستورية يجب أن تشرف على الحوار الوطني وصوغ دستور جديد، إضافة إلى أن مؤتمر سوتشي يجب أن يعقد لمرة واحدة فقط ويدعم عملية جنيف تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلى تكرار طلب آخر يتعلق بـ«التزام الأسد إقرار دستور جديد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب القرار 2254 وعملية جنيف». وتم التأكيد على أن «تشرف» الأمم المتحدة على العملية الانتخابية من الألف إلى الياء، وعدم الموافقة على الاكتفاء بأن تتم الانتخابات بـ«رقابة» الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه الشروط أهمية؛ ذلك أن وثيقة البيان الختامي لمؤتمر سوتشي التي نشرتها «الشرق الأوسط» قبل يومين، تضمنت تشكيل ثلاث لجان: دستورية لإجراء إصلاح دستوري (وليس إقرار دستور جديد)، ولجنة انتخابات، وهيئة رئاسية لمؤتمر سوتشي الذي دعي إليه 1600 سوري.

ورقة غربية ـ إقليمية
في موازاة ذلك، بدا أن إدارة الرئيس ترمب باتت واضحة في رؤيتها السياسية عندما قدمت استراتيجية للملف السوري، تضمن سلسلة من المبادئ، بينها «البقاء العسكري المفتوح» شرق سوريا، ودعم الاستقرار والإعمار هناك، واستعمال ذلك ورقةً في التفاوض مع موسكو.
وبعد محادثات طويلة، أقر تيلرسون ونظيراه البريطاني بوريس جونسون والفرنسي جان إيف لودريان وحلفاؤهم الإقليميون، ورقة للحل في اجتماعات وزارية في باريس الثلاثاء الماضي. وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» أن الورقة اقترحت على دي ميستورا أن «يضغط» على وفدي الحكومة والمعارضة لـ«إجراء مفاوضات جوهرية للإصلاح الدستوري، ومعايير عملية لإشراف الأمم المتحدة على الانتخابات، وخلق بيئة آمنة ومحايدة في سوريا لإجراء الانتخابات بما في ذلك إجراء حملات انتخابية من دون خوف»، إضافة إلى إجراءات بناء الثقة.
وأضافت المصادر إن الورقة أكدت بوضوح أن الدول المعنية «مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يتحقق الانتقال السياسي الجدي والجوهري والشامل عبر التفاوض بين الأطراف المعنية برعاية الأمم المتحدة لتنفيذ القرار 2254 وبيان جنيف، وعندما تتأسس بيئة حيادية تسمح بالانتقال: «السياسي.
وتضمنت الورقة، بحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، ثلاثة عناصر: يتعلق الأول بثمانية مبادئ للإصلاح الدستوري بينها «صلاحيات الرئيس»، بحيث تعدل عما هي في الدستور الحالي للعام 2012 وتتضمن 23 صلاحية بهدف «تحقيق توازن بالصلاحيات وضمانات لاستقلال المؤسسات المركزية الأخرى والإدارات الإقليمية» في إشارة إلى الإدارات المحلية.
كما تضمن مبدأً آخر، يتعلق بصلاحيات رئيس الوزراء بـ«تقوية صلاحياته، ورسم حدود السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء» بحيث لا يعتمد تعيين رئيس الوزراء على قرار الرئيس، إضافة إلى صلاحيات برلمان وتأسيس مجلس آخر يعكس «تمثيلاً إقليمياً» (إدارات محلية)، مع سحب صلاحيات الرئيس من حل البرلمان أو المجلس الإقليمي.
وكانت «وثيقة سوتشي» أشارت إلى «الحكم الذاتي» في سوريا، في حين أشارت ورقة دي ميستورا السابقة لمبادئ الحل السياسي إلى «الإدارات المحلية». وتحدثت المسودة الروسية للدستور السوري عن «جمعية مناطق» تؤسس إلى جانب البرلمان. كما تشير وثائق المعارضة والحكومة إلى «اللامركزية» أو «الإدارات المحلية».
وتلمح جميع هذه الوثائق إلى مناطق سيطرة ذات غالبية كردية شرق سوريا وشمالها ومناطق معارضة، في حين يُعتقد أن واشنطن تشير في وثائقها إلى منطقة شرق نهر الفرات الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية بدعم التحالف الدولي ضد «داعش».
وتناولت الورقة الغربية - الإقليمية، بحسب مصادر غربية: «إصلاح أجهزة الأمن» بحيث تخضع للسلطة المدنية وإنهاء الحصانة عنها، إضافة إلى عملها في شكل حيادي مع خضوعها للمساءلة والمحاسبة. وتختلف هذه البنود عن «وثيقة سوتشي» التي تحدثت عن جيش وأجهزة أمن تحت الدستور، في حين أشارت ورقة دي ميستورا إلى «جيش مهني» وخضوع أجهزة الأمن لـ«قانون حقوق الإنسان».
العنصر الثاني، بحسب المصادر، يتعلق ببنود مؤثرة بـ«إشراف» الأمم المتحدة على الانتخابات بمشاركة النازحين واللاجئين بموجب القرار 2254، بحيث تؤسس مؤسسات وفق معايير دولية «تشرف» على الانتخابات بما فيها «هيئة انتخابية مهنية وحيادية ومتوازنة»، إضافة إلى صلاحية قوية للأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن لـ«تولي المسؤولية الكاملة لإجراء انتخابات حرة وعادلة في سوريا»، عبر تأسيس هيئة الانتخابات ومكتب سياسي لدعم الانتخابات و«دور في الاعتراف بنتائج الانتخابات». وتعتبر هذه الشروط أساسية، بحسب تعريف الأمم المتحدة لمعنى «الإشراف» والفرق بينه وبين «المراقبة».
ويتناول العنصر الثالث إجراءات بناء الثقة وتوفير البيئة المحايدة لإجراء الانتخابات، وتشمل بنوداً عدة، بحسب المصادر، بينها «الانخراط البناء» من الأطراف السورية في عملية جنيف، ووقف العمليات القتالية و«حيادية أجهزة الأمن»، إضافة إلى «انسحاب الميلشيات الأجنبية وإطلاق برنامج لنزع السلاح والاندماج والتسريح» للعناصر المسلحة والوصول إلى الوثائق المخصصة للسجل المدني.



العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب
TT

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

العليمي يعترف باختلالات «الوحدة» ويؤكد إنصاف الجنوب

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إلى تجاوز صراعات الماضي في بلاده، واستعادة الثقة بالدولة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، مؤكداً أن إنصاف «القضية الجنوبية» ومعالجة الاختلالات التي رافقت تجربة الوحدة بين الشمال والجنوب سيظلان «التزاماً ثابتاً لا رجعة عنه».

وقال العليمي في الخطاب الذي ألقاه لمناسبة ذكرى إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو (أيار) 1990 إن الوحدة مثلت حلماً وطنياً وإنسانياً حمله أبناء الشمال والجنوب معاً، غير أن المشروع تعرض لاحقاً «لانحرافات خطيرة» أفضت إلى الإقصاء والتهميش والإضرار بالشراكة الوطنية، بحسب وصفه.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني أنه لا يتحدث «بمنطق الاحتفال التقليدي ولا بلغة الانتصار السياسي»، بل من موقع المسؤولية أمام شعب «أنهكته الحروب والانقسامات وانهيار المؤسسات»، مشيراً إلى أن اليمن يقف أمام «لحظة فارقة» تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء وبناء المستقبل.

ووسط ضجيج الأصوات الداعية إلى انفصال جنوب اليمن عن شماله، جدد العليمي التأكيد على أن القضية الجنوبية تمثل جوهر أي تسوية سياسية عادلة، مشدداً على التزام الدولة بجبر الضرر وضمان الشراكة العادلة في السلطة والثروة، وتمكين اليمنيين من التعبير الحر عن تطلعاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقال إن قيادة الدولة لم تنظر يوماً إلى القضية الجنوبية بعدّها «مشكلة أمنية»، بل بوصفها مدخلاً لبناء سلام مستدام ودولة مستقرة، مؤكداً أن حلها تحت سقف الدولة يمثل شرطاً للحفاظ على التماسك الوطني واستكمال معركة إنهاء الانقلاب الحوثي.

وفي سياق حديثه عن التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، أشار العليمي إلى أن البلاد واجهت «منعطفاً أمنياً وسياسياً خطيراً» كاد يهدد مركز الدولة القانوني ويقوض أسس الأمن الوطني والقومي. في إشارة إلى التحركات الأحادية العسكرية التي قادها ما كان يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي قبل إعلان حله مطلع العام الحالي.

وأوضح العليمي أن السلطات الشرعية تمكنت، «بالحزم والحكمة» وبدعم من السعودية، من تجنيب البلاد الانزلاق نحو الفتنة والتشظي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.

إسقاط ملاحقات

في خطوة بدت موجهة لاحتواء تداعيات التوترات الأخيرة الناجمة عن تصعيد «الانتقالي» المنحل، أعلن العليمي توجيه الجهات المختصة بمراجعة وإسقاط أوامر التوقيف والملاحقات المرتبطة بالأحداث الأخيرة في بعض المحافظات الجنوبية بحق شخصيات سياسية ومدنية لم يثبت تورطها في أعمال إرهابية أو قضايا فساد أو انتهاكات جسيمة.

وشدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على إعادة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي تم الاستيلاء عليها خلال الأحداث وتسليمها إلى مؤسسات الدولة المختصة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لترسيخ احتكار الدولة للسلاح.

وشدد العليمي على رفض استخدام القضية الجنوبية لتبرير «التمرد المسلح» على مؤسسات الدولة، كما رفض في المقابل توظيف شعارات الوحدة لتبرير الإقصاء والهيمنة.

وقال إن الدولة حرصت خلال الفترة الماضية على تجنب خطاب «النصر والهزيمة» ونبذ لغة التشفي والانتقام، مؤكداً أنه «لا منتصر في الصراعات الأهلية ولا رابح في خلافات شركاء الهدف والمصير».

أولويات المرحلة المقبلة

عرض العليمي ما وصفها بالموجهات الرئيسية لرؤية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمها استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين استناداً إلى المرجعيات الثلاث، إضافة إلى استكمال الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

كما شدد على أولوية بناء مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة، وتعزيز دور السلطات المحلية، وتوحيد القرارين الأمني والعسكري، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

وأكد العليمي أهمية تعزيز العلاقة مع السعودية ونقلها من مستوى «التحالف الوثيق» إلى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، مع السعي إلى الاندماج التدريجي لليمن في المنظومة الخليجية.

وأثنى رئيس مجلس الحكم اليمني على الإصلاحات الحكومية الأخيرة، معتبراً أنها تمثل خطوات «شجاعة» لإعادة البناء والاعتماد على النفس، وحشد الموارد اللازمة لتغطية فاتورة المرتبات والخدمات الأساسية. في إشارة إلى قرارت حديثة لحكومة الزنداني شملت زيادة الرواتب ورفع قيمة الدولار الجمركي وتشكيل لجنة عليا للمناقصات والتشديد على تحصيل الإيرادات ومكافحة الفساد.

وأشار إلى توجيهات رئاسية لتعزيز الأداء الحكومي في القطاعات الحيوية، خصوصاً النقل والاتصالات، ورفع الجاهزية الأمنية وتسريع التكامل العسكري وبناء القدرات الدفاعية، مع التركيز على أن تكون عدن والمحافظات المحررة نموذجاً للتعافي والاستقرار.

التزام إنساني وأمني

في الشق الإنساني، رحب العليمي بالاتفاق الأخير مع الحوثيين الخاص بالإفراج عن 1750 من المحتجزين والمختطفين والمخفيين، واصفاً الخطوة بأنها «إنجاز إنساني مهم» يخفف معاناة آلاف الأسر اليمنية.

وأكد التزام الحكومة بمواصلة الجهود للإفراج عن جميع المحتجزين والمختطفين في سجون الحوثيين، وإغلاق هذا الملف بصورة شاملة، مشدداً على أن الدولة المنشودة «ليست دولة انتقام بل دولة عدالة وإنصاف».

كما تطرق العليمي إلى التحديات الأمنية في العاصمة المؤقتة عدن، متهماً «قوى الإرهاب والتخريب» بمحاولة إعادة الخوف وزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة، لكنه أكد أن الأجهزة الأمنية تمكنت من إحباط كثير من المخططات وضبط خلايا إرهابية وإحالتها إلى القضاء.

وقال إن عدن ستظل «مدينة للسلام والتعايش والمدنية»، وإن المحافظات المحررة ستبقى مساحة للأمل والعمل المشترك رغم كل التحديات.

ودعا العليمي اليمنيين إلى جعل ذكرى الوحدة «محطة جديدة لاستعادة الثقة وتجديد العهد وتوحيد الجهود»، وفتح صفحة جديدة عنوانها «الإنصاف والشراكة والدولة المدنية العادلة والسلام والتنمية».

وأكد أن اليمنيين تمكنوا في مراحل سابقة من تجاوز ظروف أكثر صعوبة عندما تمسكوا بمشروع الدولة وقدموا المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، معرباً عن ثقته بقدرة الشعب اليمني على تجاوز المرحلة الراهنة وصناعة مستقبل يليق بتضحياته.


كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

تتواصل الإدانات - لا سيما الصومالية - منذ نحو 5 أشهر، بينما تعمق إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي، وسط تساؤلات حول الأدوات التي تمتلكها مقديشو في مواجهة هذا التغلغل.

وأدانت مصر بأشد العبارات، في بيان للخارجية، الخميس، «الخطوة غير القانونية والمرفوضة المتمثلة في إقدام ما يُسمى إقليم (أرض الصومال) على افتتاح سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي».

كما أكدت «رفضها الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة، فضلاً عن دعمها الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها».

وأدانت جمهورية الصومال الفيدرالية، الأربعاء، إعلان إقليم «أرض الصومال» افتتاح ممثلية دبلوماسية في مدينة القدس، معتبرة الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبرت أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي»، مؤكدة أنها لن تقر بأي إجراءات من هذا النوع، وأنها متمسكة بموقفها الثابت بشأن وحدة البلاد وسيادتها.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الرفض الصومالي المتكرر «لم يعد مُجدياً» مع استمرار التغلغل الإسرائيلي، لكنهم رجحوا أن تستنفد مقديشو كل الوسائل الدبلوماسية والسلمية كما ينص القانون الدولي، والتوجه لحل الأزمات السياسية الداخلية أولاً، وسط تباين بشأن اللجوء للخيار العسكري مع الإقليم.

المسار الدبلوماسي

ويرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، صلاح حليمة، أن اتخاذ موقف دولي داعم للصومال والشرعية الدولية هو الأهم حالياً لتدعيم موقف مقديشو، مشيراً إلى أنه لا يزال أمام الحكومة إجراءات في المنابر الأفريقية والدولية ستُتخذ لدعم المسار الدبلوماسي؛ حرصاً على استقرار المنطقة ومنع تصاعد النزاعات فيها.

في حين قال المحلل السياسي الصومالي، علي كلني، إن «التوجه لتبادل افتتاح السفارة بين أرض الصومال وإسرائيل يمثل تحدياً مباشراً للموقف الرسمي الصومالي الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لانتقاص سيادة بلاده»، مؤكداً أن التحركات الإسرائيلية داخل أرض الصومال جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مستفيدة من هشاشة الأوضاع السياسية والانقسامات الداخلية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات».

وفي مواجهة هذه التحركات، يرى كلني في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة الصومالية ستواصل اعتماد المقاربة السياسية والدبلوماسية، من خلال التأكيد المستمر على وحدة وسيادة الأراضي الصومالية، والتحرك داخل الأطر العربية والأفريقية والإسلامية لرفض أي اعتراف أو تعامل رسمي مع «أرض الصومال» باعتبارها كياناً مستقلاً.

لكن هذا التواصل الإسرائيلي في الإجراءات يشكك في مدى جدوى الاكتفاء بالمسار السلمي، في ظل ما يعتبره البعض تمدداً متصاعداً للنفوذ الإسرائيلي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً، بحسب كلني.

تحذيرات وإدانات

وحذرت جامعة الدول العربية، الأربعاء، من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، ذلك الإعلان، وعدَّه خطوة «مرفوضة، وباطلة قانوناً من جميع الوجوه، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، كما تمثل استفزازاً مرفوضاً للعالمين العربي والإسلامي».

وحذر من أن «هذه التحركات الرامية إلى التغلغل في منطقة القرن الأفريقي تنذر بتعميق بؤر التوتر، وعدم الاستقرار».

وسبق أن أدانت دول عربية وأفريقية في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

وعدّ وزراء خارجية السعودية، ومصر، والصومال، والسودان، وليبيا، وبنغلاديش، والجزائر، وفلسطين، وتركيا، وإندونيسيا، الإعلان الإسرائيلي «انتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ووحدة وسلامة أراضيها».

وقال حليمة: «استخدام مسارات القوة الناعمة والقوة الخشنة والمواجهة المسلحة مسارات مكفولة أمام مقديشو للدفاع عن أراضيها»، ولم يستبعد اللجوء للخيار العسكري بعد استنفاد كل المسارات السلمية الدبلوماسية، وحل الأزمات السياسية الداخلية الصومالية.

فيما يرى كلني أنه رغم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، فإن احتمالات لجوء مقديشو إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع أرض الصومال تبدو مستبعدة في المرحلة الراهنة، نظراً إلى تعقيدات المشهد الداخلي الصومالي.

وأضاف: «الحكومة الفيدرالية لا تزال تخوض حرباً مفتوحة ضد (حركة الشباب)، بالتوازي مع أزمات سياسية داخلية تتعلق بالانتقال الدستوري والانتخابات وتقاسم السلطة بين المركز والأقاليم».

ويتوقع كلني أن تواصل مقديشو الرهان على أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي، مع تعزيز حضور الدولة الفيدرالية داخلياً وإقليمياً، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز كلفتها قدراتها الحالية، وتدفع البلاد نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.


«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
TT

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)
المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

بعد نحو أسبوع من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر؛ في خلاف متصاعد عدَّه محللون وخبراء جزءاً من رسائل للداخل الإثيوبي قبل الانتخابات المرتقبة الشهر القادم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

الدول المشاطئة

خلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الجاري، التقى الوزير المصري عبد العاطي مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

رئيس إريتريا يستقبل وزيري الخارجية والنقل المصريين خلال زيارة لأسمرة (الخارجية المصرية)

وفي حين وصف المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد المنفذ البحري لإثيوبيا بأنه «رئة تتنفس منها»، يرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حسين البحيري أن أديس أبابا «تتبنى سياسة خارجية تهدف إلى فرض وجودها الإقليمي عبر محاولة النفاذ إلى البحر الأحمر، وامتلاك منفذ بحري فيه».

وحذر البحيري من أن المساعي الإثيوبية «من شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مضيفاً أن «إثيوبيا تحاول تبرير أطماعها البحرية بإلقاء اللوم على مصر، والادعاء بأنها تعرقل جهودها التنموية».

وتابع قائلاً: «التحركات الإثيوبية الحالية لا تهدد أمن دول الجوار بمنطقة القرن الأفريقي فحسب، بل تمس بشكل مباشر المصالح المائية، والأمن القومي المصري في منطقة حوض النيل، خاصة في ظل استمرار الرفض الإثيوبي للمطالب المصرية الرامية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في فترات الجفاف، والجفاف الشديد».

السجال

ويأتي السجال المصري-الإثيوبي الجديد بعد زيارة أجراها مسؤولون إثيوبيون لواشنطن لتعزيز التعاون قبل أيام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية غيتاتشو، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس، إن وزير الخارجية جيديون تيموثيوس قاد وفداً إثيوبياً إلى العاصمة واشنطن، وأجرى لقاءات مهمة مع مسؤولين أميركيين، وتم توقيع اتفاقية تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، إلى جانب ملفات الدفاع، والأمن، والسلام الإقليمي.

ويرى عبد الشكور أن تقارب إثيوبيا والولايات المتحدة «هو من منطلق التعاون اقتصادياً وأمنياً بالنظر لتاريخ علاقات البلدين، وحاجتهما المشتركة في التعاون»، مستبعداً أن تصل المنطقة لـ«صِدام»، ومرجحاً استمرار الحملة الإعلامية الإثيوبية وتصاعدها قبل انتهاء الانتخابات المقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

وحول احتمالات اندلاع صدام عسكري بين إريتريا، المدعومة من مصر، وإثيوبيا بسبب أزمة البحر الأحمر، يرى البحيري أن السيناريو المرجح على المدى القريب هو استمرار الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لافتاً إلى انشغال إثيوبيا بالتحضير للانتخابات العامة.

«دبلوماسية الموانئ»

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ».

وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وفي فبراير (شباط) الماضي شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر؛ فبينما ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري، جدد عبد العاطي تأكيد مصر أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».