القصة القصيرة.. هل أصبحت من الماضي؟

كتاب بريطاني يرد الاعتبار لفن صعب وجميل

فرجينيا وولف
فرجينيا وولف
TT

القصة القصيرة.. هل أصبحت من الماضي؟

فرجينيا وولف
فرجينيا وولف

من الأقوال الشائعة في عصرنا هذا - شرقا وغربا - أن عصرنا الحالي هو عصر الرواية، وأن غيرها من الأجناس الأدبية قد تراجع إلى الخلف - بما في ذلك القصة القصيرة - وذلك لقدرة الرواية بحكم امتدادها في المكان والزمان على الإحاطة الشاملة بشتى جوانب الخبرة الإنسانية، وإمكانية استيعابها لغنائية الشعر ودرامية المسرح، وومضات الأقصوصة، واستطرادات المقال.
وممن روجوا لهذه المقولة في نقدنا العربي: علي الراعي وجابر عصفور وسامي خشبة وغيرهم. حتى أصبح ما يقولونه عن أفول نجم القصة القصيرة من المسلمات أو يكاد. والكتاب الذي نعرضه هنا محاولة لرد الاعتبار إلى القصة القصيرة، هذا الفن الجميل الصعب الذي بلغ به موباسان وادغار بو وتشيخوف وغيرهم ذرى رفيعة في القرن التاسع عشر. ولم يعدم في عصرنا قمما من طراز جويس وكاثرين مانسفيلد وهمنجواي. إنه كتاب «القصة القصيرة في اللغة الإنجليزية» لمؤلفه أدريان هنتر المحاضر بجامعة سترلنغ البريطانية (الناشر: مطبعة جامعة كمبردج).
ويمتاز الكتاب بجمعه بين النظرية والتطبيق، فهو يدرس القصة القصيرة شكلا وأسلوبا وتقنية في إطار حضاري أوسع ويسلط بؤرة اهتمامه على قرابة عشرين كاتبا وكاتبة مختلفي الجنسيات (جوزيف كونراد البولندي المولد، كاثرين مانسفيلد النيوزيلندية، أليس مونرو الكندية «الفائزة بجائزة نوبل للآداب لهذا العام»، مارجوري برنارد الأسترالية، تشنوا أتشيبي النيجيري، إلخ..)، وكلهم يشتركون في أنهم يكتبون باللغة الإنجليزية ومن ثم يعد أدبهم - على اختلاف أصولهم العرقية - جزءا أصيلا من الأدب الإنجليزي.
والدعوى التي يسعى الكتاب إلى إثباتها هي أن القصة القصيرة جنس أدبي قادر على البقاء في وجه أي منافسة، وقد أثبت فعلا هذه القدرة. إنه ليس من مخلفات الماضي ولا يمكن أن ينوب عنه أي جنس أدبي آخر. ومما يشهد بذلك صدور عدد من الكتب النقدية المهمة عن أصول هذا الفن وتطوره، في طليعتها «القصة القصيرة في اللغة الإنجليزية» لوالتر ألن، و«القصة القصيرة الحديثة» لـ«هـ.أ.بيتيس»، و«الصوت المنفرد» لفرانك أوكونر (ترجمة إلى العربية د.محمود الربيعي)، «القصة القصيرة» لألن ريد (ترجمة إلى العربية د.منى حسين مؤنس)، وغيرها.
وفي مقدمته للكتاب يورد المؤلف رأي القاصة الآيرلندية إليزابيث باون، التي تذهب إلى أن القصة القصيرة ابنة لعصر السرعة الذي نعيش فيه، وأنها تعكس إيقاعات الحياة الحديثة. إنها - كالسينما - من مواليد القرن العشرين. وهي كالفيلم تروى قصتها لا من خلال العرض المفصل - كما هو الشأن في فن الرواية - وإنما عن طريق سلسلة من الإيماءات المضمرة على نحو حاذق مستخف، واللقطات السريعة واللحظات الموحية، حيث إن القصة القصيرة - نظرا لطابع السرعة الغالبة عليها - فن أميركي بوجه خاص، حيث الناس «يتكلمون على نحو أسرع، ويتحركون على نحو أسرع، ويفكرون في ما يظهر على نحو أسرع». ينقسم كتاب هنتر المرتب زمنيا إلى مقدمة، فأربعة أقسام هي: القرن التاسع عشر، القصة القصيرة الحداثية، قصص ما بعد الحداثية، قصص ما بعد الكولونيالية وغيرها، وينتهي بهوامش، وقائمة مراجع لمن يرغب في المزيد.
ممن يتوقف عندهم المؤلف في حديثه عن القصة الحداثية الأديب الآيرلندي جيمز جويس (1882 - 1941) صاحب المجموعة القصصية «أناس من دبلن» (1914). في قصته المسماة «إيفلين» فتاة تتردد في أن تهجر حياتها الرتيبة المملة، وتهرب مع حبيبها الذي يريد الزواج منها إلى بلد آخر. لكنها في آخر لحظة - إذ توشك السفينة على الإقلاع - لا تواتيها الشجاعة على قطع جذورها بماضيها فتبقى. هذا نموذج للواقعية النفسية التي تضيف إلى الملاحظة المادية الدقيقة عنصرا جديدا هو تتبع خواطر الشخصية، مما يؤذن بأسلوب المونولوج الداخلي والأسلوب الانطباعي اللذين برع فيهما جويس، وبلغ بهما القمة في روايته «يولسيز» (1922).
ويتوقف هنتر عند رائدة أخرى من رواد المونولوج الداخلي هي فرجينيا وولف (1882 - 1941) في قصتها المسماة «رواية لم تكتب» (لها ترجمة عربية بقلم فاطمة ناعوت). تصور القصة مقابلة بين راوية لا تسميها الكاتبة وسيدة عجوز تجلس أمامها في عربة قطار. وتحاول الراوية أن ترسم في خيالها صورة لتاريخ هذه السيدة وما مرت به من خبرات، وكأنها شخصية في رواية تريد الراوية أن تكتبها. إنها تمنح السيدة اسما من عندها: ميني مارش.. وتدرس ملبسها وطريقتها في التصرف ووجهها وما تنتعله في قدميها ودبابيس قبعتها. وتنتهي الراوية - في ثقة - إلى أنها قد حلت لغز السيدة متخيلة عددا من السيناريوهات تكون فيها السيدة، مثلا، ارتكبت جريمة، وأصبحت موضوعا صالحا للتحليل النفسي. وحين تهبط السيدة من القطار ويكون ابنها في انتظارها ينهار السيناريو الذي رسمته الراوية. وتنتهي القصة بإقرار هذه الأخيرة أن المواضعات القصصية التقليدية تعجز عن النفاذ إلى أسرار قلب الإنسان. «من تراك تكونين؟ لماذا تسيرين في الشارع؟ أين ستنامين الليلة ثم غدا؟».. هذه كلها أسئلة تطرحها الراوية على ميني مارش ولا تجد لها إجابة. فالسيدة العجوز تظل فريدة، غامضة، تستعصي على تقنيات التحليل النفسي، أو الواقعية الاجتماعية، أو قصص الإثارة والترقب.
وكاثرين مانسفيلد (1888 - 1923) كاتبة أخرى حداثية وصفت بأنها تلميذة تشيخوف النجيبة، لكنها تمكنت من الخروج من إزاره ليكون لها صوتها الخاص. في أقصوصتها المسماة «سعادة» (نقلها إلى العربية د.رشاد رشدي في كتابه «فن القصة القصيرة») البطلة تدعي برثا ينغ سعيدة في زواجها من هاري المرح المملوء حماسة وحيوية، لكن سعادتها تتقوض حين تكتشف أنه يخونها مع إحدى المدعوات في حفلة تقيمها، وهي سيدة جميلة غامضة تدعي بيرل فولتون. وتظل الطبيعة - ممثلة في شجرة الكمثرى المزدهرة في حديقة بيتها - صامتة لامبالية بدرامات البشر، سعيدة كانت أو شقية.
وصامويل بيكيت (1906 - 1989) الذي اشتهر أكثر ما اشتهر بمسرحياته العبثية «في انتظار غودو» و«لعبة النهاية» وغيرهما، قد أدلى هو الآخر بدلوه في ميدان القصة القصيرة. لقد تأثر بجويس (وهو آيرلندي مثله) لكنه تميز برؤيته التشاؤمية للوجود الإنساني وفكاهته المريرة الأسيانة، بل السوداء. انظر مثلا إلى قصته المسماة «دانتي وسرطان البحر» أولى قصص مجموعته القصصية «وخزات أكثر مما هي ركلات» (1924). تبدأ القصة وبطلها المدعو بلاكوا يحاول أن يفهم بعض الأبيات من ملحمة دانتي «الكوميديا الإلهية» - أبيات تشرح فيها بياتريشي في الأنشودة الثانية من «الفردوس» السبب في أن القمر يضم بقعا مظلمة. وترد في القطعة كلمة «شفقة». وفي فترة لاحقة من اليوم يسأل بلاكوا معلمته في اللغة الإيطالية عن معنى القطعة فتقول له إنها مثيرة للخلاف، وإنها سترجع إلى مراجعها ثم ترد على سؤاله. وقرب نهاية القصة يتجه بلاكوا إلى بيت عمته ويصدم حين يجد أنها ستطهو سرطانا بحريا بأن تغليه حيا. وها هو ذا «صليبي الشكل على القماش المزيت.. ما زال أمامه نحو ثلاثين ثانية من الحياة». وتنتهي القصة على هذا النحو:
«حسنا - هكذا فكر بلاكوا - إنه لموت سريع. فليعنا الله جميعا. إنه ليس كذلك».
هكذا تكتسب كلمة «شفقة» - التي كان بلاكوا يفكر فيها - معنى جديدا أشبه بالتورية الساخرة. لا شفقة هنا، وإنما الوجود الإنساني لا يعرف الرحمة. القوي يأكل الضعيف، في عالم البشر كما في عالم الأسماك.
والخلاصة التي نخرج بها من كتاب أدريان هنتر هي أن القصة القصيرة لم تمت، ولن تموت. إنها جنس أدبي يظل محتفظا بجوهره الباقي: لحظة ذات دلالة تومض لبرهة قصيرة في ظلمة الوعي وتزيدنا بصرا بأنفسنا وبالآخرين.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.