تراجان... باني الإمبراطورية الرومانية

معرض كبير تشهده العاصمة الإيطالية في ذكرى مرور 1900 عام على وفاته

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

تراجان... باني الإمبراطورية الرومانية

جانب من المعرض
جانب من المعرض

ما يبدعه الطليان بين الحين والآخر يكاد يكون الوسيلة الوحيدة لإضاءة القلب، وجعله ساخناً على الدوام، والمثل الذي يسمعه المرء في كل مكان في العالم «كل الطرق تؤدي إلى روما» تحول على أيدي الطليان هذه الأيام إلى معرض فني كبير، نظمته وأشرفت عليه وزارة الكنوز الثقافية الإيطالية، ليحتل السرادق المرممة للأسواق القديمة لعاصمة الإمبراطورية الرومانية التي تقع في قلب المجمع الروماني (الفورو رومانو).
ويستمر هذا المعرض حتى منتصف شهر سبتمبر من العام المقبل، احتفاء بذكرى مرور 1900 عام على وفاة ما يعتبره الإيطاليون واحداً من أعظم أباطرة روما، الذي بلغت الإمبراطورية في عهده أوج اتساعها وعمرانها، وهو الإمبراطور ماركو تراجان (تريانو) الثالث عشر في مسلسل الأباطرة الذين حكموا البلاد. ولد تراجان عام 53 م، في مدينة ياتاليكا بجنوب إسبانيا، وتبنته عائلة الحاكم الروماني لولاية سوريا، وحكم كإمبراطور سنة 98 حتى وفاته عام 117، وورّث الحكم مباشرة لابنه بالتبني الإمبراطور أدريانو.
واشتهر تراجان بانتصاراته على أعداء الإمبراطورية. وأحد الانتصارات التي قادها بنفسه في رومانيا ذلك الانتصار الذي خلده بنصب مسلته على شكل عمود نحتي دفن بجواره، ارتفاعه نحو 40 متراً ويحوي 18 طبقة من المرمر، قطر كل منها 3 أمتار و83 سنتم، وتزن كل واحدة منها 40 طناً، وتمثل 130 مشهداً حربياً بشكل لولبي يبدأ من الأسفل ويرتفع إلى السماء. وتحوي هذه المسلة الرائعة الجمال 2500 شخصية، بين محارب وعدو وحيوان.
والعمود - المسلة المرمرية من تصميم المعماري السوري الشهير أبولودور، الذي جلبه تراجان معه أثناء إحدى فتوحاته الشهيرة في سوريا وبلاد وادي الرافدين. وقام هذا المبدع بتصميم عشرات الأبنية والقلاع والنصب التذكارية في روما وخارجها. وتميزت أعمال أبولودور السوري باستخدام خداع النظر، مثل الاهتمام بتصوير الشخصيات التاريخية الرومانية، والحرص على تسجيل الأحداث التاريخية والدعاية السياسية لقدرة روما الإنمائية لمختلف الشعوب التي خضعت لهيمنة الإمبراطورية، والميل لاستخدام القيم القياسية لإبراز الملامح الخاصة التي عكست مشاعر تمجد الأصول الرومانية التي حققت كل هذه الانتصارات.
هذا المعرض الذي يبدو للوهلة الأولى أنه مختلف عن المعارض التقليدية يحوي عدة صالات كانت فيما مضى محلات للتسوق تضم مجموعة كبيرة من الوثائق والخرائط المعمارية والنماذج البلاستيكية الملونة لروما القديمة، جنباً إلى جنب عدد كبير من مجسمات تعكس إنجازات فن العمارة والتصوير والنحت وأعمال الفسيفساء والأشغال المعدنية وقوالب مصوغات الحلي الذهبية ونقش الأحجار الكريمة ونحت العاج والزجاج، والتماثيل الكبيرة والصغيرة، والريلفات التي زينت جدران المعابد والقصور والقلاع، والخزف والرسوم التوضيحية المنمنمة في الكتب، والعملات الذهبية والفضية... إلخ.
ولقد أصبحت روما في عهد تراجان، الذي سن تشريعات كثيرة لحماية الطفولة من الفقر والتشرد، وضمان حقوق المرأة، واحدة من أبرز عواصم العالم القديم التي تنفرد بثراء معماري تصميمي وتخطيطي رائع الجمال، وهي من المدن التاريخية العريقة التي ظلت طيلة قرون كثيرة تحرص على ألا تكون مدينة هجينة ووليدة أنماط معمارية مختلفة من التراث الفني الذي حملته ولاياتها وأمصارها البعيدة، بل أن يكون لها طابعها الخاص المتميز ذو الصلة الوثيقة ببيئتها الجيولوجية والطبيعية والحضارية.
وكان الإمبراطور تراجان، الذي احتفظ لنفسه إلى جانب الملكية، بما خوله لنفسه من انتصارات، وبما سمح له أن يمارس على الدولة تلك الوصاية التي اعتبرها كثير من الحكماء والفلاسفة والشعراء وصاية ضرورية، بدور الكاهن الأول في الدولة، فسلطته كانت شبيهة بسلطة الأب أو ولي الأمر؛ يتمتع بعظمة فائقة، فهو المحامي والشفيع، ليس لسكان روما بل أيضاً لكل سكان الولايات، مواطنين وغير مواطنين، من طبقة الأسياد أو العبيد، منه تنتظر العدالة، وأكثر الأحيان الخلاص. وقد أسهم ذلك في ولادة أوروبا في أحضان الإمبراطورية الرومانية. وانطلاقاً منها، بعد أن تقطعت الصلات التي تربطها بأفريقيا وبعض الولايات الآسيوية، ساهمت هذه العلاقات في ولادة الوحدة الثقافية والروحية التي أصبحت أساس الإمبراطورية، حيث أغناها الحس الديني الذي حملته المسيحية فيما بعد، والتي استوعبت النظام الديني القديم، وخلقت توليفاً ضخماً من جميع التيارات القوية للفكرة القديمة، ليتعزز البناء السياسي والاجتماعي في جميع أوروبا.
وعلى الرغم من أنه كان يوجد في الإمبراطورية الرومانية زمن تراجان نصفان لا يتكلمان لغة واحدة، كانت اللاتينية اللغة الرسمية في كل الولايات الواقعة غرب البحر الإدرياتيكي وغرب الصحراء الليبية، وكانت اللغة اليونانية شرق هذا الخط. وعلى الرغم من كل ذلك، ظلت وحدة الإمبراطورية قائمة لمدة طويلة، وكانت مكاتب الإمبراطورية منذ تراجان تجيب على الطلبات بإحدى اللغتين، بحسب الولايات. وكانت الأفكار والرجال تنتقل بكل حرية من سوريا إلى غاليا في الشمال، ومن مجرى الدانوب ومن القوقاز إلى نهر الفرات، ومن السودان إلى حدود الصحراء وإلى أطراف طرابلس.
وكان اليونانيون من آسيا، أو من مصر، يأتون غالباً ليلقوا بخطبهم في مدن الغرب. وبالمقابل، كان علماء وخطباء من غاليا (فرنسا) وإسبانيا يرتادون المدارس في أثينا، بمعنى أن كل مواطني الإمبراطورية، حتى الطبقات الشعبية أحياناً، كانوا يتكلمون لغتين، وكان الأولاد يبدأون بتعلم اليونانية، حتى في روما نفسها، ثم يحصلون فيما بعد على تنشئة رومانية، وهكذا كانت الأديان والثقافات تتعايش في ذهنية واحدة.
ومن الخطأ أن تدعي أن هذه الازدواجية الثقافية في العالم الروماني هي التي أدت، بعد تراجان، أي في القرن الرابع الميلادي، إلى قسمته إلى نصفين، بين إمبراطورية غربية وإمبراطورية شرقية، الأمر الذي ترتب عليه نتائج خطيرة بالنسبة إلى تاريخ أوروبا وتكوينها، فإن الأسباب التي فرضت نقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية كانت أسباباً عسكرية بحتة، على ضوء الضغوط المتزايدة من قبل البرابرة الذين اندمج قسم منهم سريعاً في إطار الإمبراطورية.
وفي زمن إمبراطورها تراجان، حققت روما مثالاً مدنياً متقدماً، ورسخت في مدنها وجميع الحواضر التي استعمرتها ثقافة فكرية حية، هي مزيج من الإرث اليوناني واللاتيني. هذه الثقافة كانت تعمل على نشر مدارس كثيرة، تتولى نفقاتها المدن أو المواطنون الأغنياء، وتجتذب معلمين من ذوي الشهرة، وحتى العبيد كانوا يحسنون القراءة والكتابة. وكان طلاب المدارس يقرأون ويدرسون مؤلفات الكتاب العظام، خصوصاً الشعراء والمؤرخين والخطباء، إذ إن الشكلين اللذين كانا يعتبران أسمى أشكال النشاط الفكري هما: الشعر والخطابة. وكان الرومان يجهدون بالمحافظة على نقاء لغة روما في مواجهة لهجات الولايات. والمقصود بذلك الحفاظ على الوحدة الروحية، ونوع من المثال الرسمي للجمال. وإذا كان المجتمع الروماني حينذاك، في طبقاته العليا، قد تمسك إبان تلك الفترة التاريخية لحركة النهوض والارتقاء، بلقاء الأسياد الإقطاعيين وتشكيل طبقة النبلاء، فقد تدخلت عناصر التحام أخرى على صعيد العقل والروح، في المؤسسات والذهنيات، وظهرت ثقافة أصيلة بدت إنجازاتها البارزة مع بزوغ الفن الروماني، الذي يعتقد كثير بسذاجة أن الرومان أخذوا عن اليونانيين أسس الحضارة؛ ذلك أن الحضارة الإيطالية بدأت تتكون في وقت لم تكن اليونانية (الهيلينية) قد وجدت بعد، إلا في أشكالها البدائية.
لقد بدأ التاريخ الروماني في أوائل الألف الأول قبل الميلاد، في حين كانت إيطاليا في الشمال والوسط تسكنها شعوب ذات حضارات مرموقة، مثل الشعب الفيلافوفي والصقليون، وجاء بعدهم الأتروسكيون العظماء الذين ظهرت آثار حضارتهم في مقاطعة توسكانا في الوسط الإيطالي حتى مصب نهر البو في الشمال، ويعتقد كثير من علماء الآثار أن أصولهم تمتد إلى حضارة سومر.



مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.


بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
TT

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)
«فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة، وترتكز أحياناً على ممثلين غير محترفين، ما أسهم في ترسيخ مفهوم «السينما الواقعية الجديدة» وتأثيرها الاجتماعي.

وقد استقطبت الأفلام الكلاسيكية جمهوراً واسعاً من محبي السينما الإيطالية، ممهورة بأسماء رائدة في عالم الإخراج، مثل فيديريكو فيلّيني، ولوتشينو فيسكونتي، لتغدو مدارس سينمائية قائمة بذاتها تركت بصمتها الواضحة على الشاشة الذهبية.

وتستضيف بيروت للسنة الثانية على التوالي «مهرجان الفيلم الإيطالي»، الذي ينظمه «المركز الثقافي الإيطالي» بالتعاون مع «جمعية متروبوليس للسينما». وينطلق في 21 يناير (كانون الثاني) ويستمر حتى 30 منه، حيث تفتح سينما متروبوليس في منطقة مار مخايل أبوابها مجاناً أمام هواة هذا النوع من الأفلام.

فيلم «بريمافيرا» يفتتح فعاليات المهرجان (متروبوليس)

يُفتتح المهرجان بفيلم «بريمافيرا» للمخرج دميانو ميشيليتو، وهو عمل تاريخي ــ درامي من إنتاج عام 2025، تدور أحداثه في البندقية خلال القرن الـ18 حول عازفة كمان موهوبة في دار أيتام تُدعى سيسيليا، يكتشف موهبتها الموسيقي الشهير أنطونيو فيفالدي ويصبح معلمها. ويستكشف الفيلم موضوعي الموسيقى والحرية، وهو من بطولة تيكلا إنسوليا وميشيل ريوندينو، ومقتبس من رواية «Stabat Mater» لتيزيانو سكاربا.

تشير نسرين وهبة، المشرفة على تنظيم المهرجان في جمعية متروبوليس، إلى أن معظم الأفلام المعروضة هي من الإنتاجات الحديثة التي أُنتجت وعُرضت في إيطاليا خلال العام الماضي، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن المهرجان يضمُّ 10 أفلام مختارة لتلائم أذواق رواد السينما الإيطالية على اختلافها.

وتضيف نسرين وهبة أن الإقبال اللبناني على هذه الأفلام يعود إلى ندرة عرضها في الصالات المحلية، ما يجعل المهرجان فرصة لاكتشاف موجة جديدة من السينما الإيطالية الموقّعة من مخرجين معاصرين.

وعلى مدى 10 أيام، تُعرض أفلام عدة، بينها «أون أنو دي سكولا» (عام دراسي)، و«تيستا أو غروسي» (صورة أم كتابة) للمخرجين لورا سماني وأليكسيو ريغو دي ريغي وماتيو زوبيس، وهي أعمال تُعرض للمرة الأولى في لبنان.

ومن الأفلام المشاركة أيضاً «جيو ميا» (فرحتي) لمارغريتا سباميناتو، الذي يروي قصة نيكو، فتى نشأ في عائلة علمانية في عالم حديث ومتصل بالتكنولوجيا، يُجبر على قضاء الصيف في صقلية مع عمته المتديّنة في قصر قديم معزول عن مظاهر الحداثة، لتنشأ بينهما علاقة متحوّلة تتأرجح بين الماضي والحاضر، والعقل والإيمان. كذلك يُعرض فيلم «لافيتا فا كوزي» (الحياة تمضي على هذا النحو) لريكاردو ميلاني، الذي يتناول صراعاً بين راعي غنم ورجل نافذ يسعى للاستيلاء على أرضه الساحلية.

يُختتم المهرجان مع فيلم «سوتو لو نوفيلي» (متروبوليس)

ويُختتم المهرجان بفيلم «سوتو لو نوفيلي» (تحت الغيوم) للمخرج جيان فرانكو روزي، الذي سبق أن صوّر فيلماً وثائقياً في لبنان. ويتناول العمل معالم أثرية بين مدينتي فيزوف وخليج نابولي، حيث تتقاطع حياة السكان والمصلّين والسياح وعلماء الآثار. ويتابع الفيلم تنقيبات فريق ياباني في فيلا أوغسطيا، إلى جانب مشاهد من أطلال بومبي وكنيسة مادونا ديل أركو، في سرد بصري يستحضر الماضي بوصفه عالماً لا يزال حياً.