«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة

«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة
TT

«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة

«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة

بداية عام 2017، بدا أن إيران وروسيا وتركيا في طريقهم نحو فترة من العداء على خلفية التوجسات التاريخية العميقة والمتبادلة فيما بينهم. وكانت لا تزال حمى تبادل الاتهامات والإهانات مشتعلة بين روسيا وتركيا منذ حادثة إسقاط طائرة روسية مقاتلة داخل الأجواء السورية. أما إيران وتركيا فوقفتا على طرفي نقيض من الأزمة السورية، واختلفتا فيما بينهما حول مصير بشار الأسد الذي يفتقر إلى أي وجود حقيقي على أرض الواقع. أيضاً، ساورت إيران بعض الريبة حيال روسيا مع إرجاء الأخيرة تسليم منظومات أسلحة اشترتها طهران وسددت ثمنها، إلى جانب فرضها قيوداً على المحاولات الإيرانية للترويج للآيديولوجية الخمينية داخل حدود الاتحاد الروسي.
مع هذا، قرب نهاية العام، ظهرت صورة جديدة لإيران وروسيا وتركيا باعتبارهم أعضاء في تحالف ثلاثي يرمي لرسم ملامح مستقبل الشرق الأوسط في أعقاب عقدين من الفوضى والإرهاب والحرب. وللمرة الأولى، عقدت الدول الثلاث اجتماع قمة في منتجع سوتشي، وصفته وسائل الإعلام الإيرانية، التي تميل دوماً إلى المبالغة، باعتباره «يالطا الجديدة»، في إشارة إلى المؤتمر الذي عقدته الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقرروا خلاله «مستقبل العالم» في حقبة ما بعد الحرب. الأهم أن اجتماع القمة جمع بين كبار القيادات العسكرية في الدول الثلاث للمرة الأولى والتي عكفت على صياغة استراتيجية مشتركة.
وتمثلت النقطة الأهم التي تمخضت عنها القمة في اتفاق إيران وروسيا وتركيا على ما يبدو، على تقسيم سوريا فعلياً إلى خمس مناطق لخفض التصعيد، مع سيطرة كل منها على واحدة من هذه المناطق وترك الاثنتين المتبقيتين للولايات المتحدة وحلفائها الأكراد والدول العربية ممثلة في الأردن.
كما خرجت القمة باتفاق ضمني حول إبقاء الأسد في دمشق لـ18 شهراً أخرى يجري خلالها تنفيذ الخطة الروسية وتعزيزها. الواضح أنه ستكون هناك حاجة إلى الأسد كي يوقّع على تشريعات ويمررها البرلمان الشكلي الذي يعمل تحت قيادته، من أجل إضفاء غطاء شرعي على الخطة الروسية. وقد عبّر عن ذلك بوضوح قائد «الحرس الثوري» الجنرال محمد علي جعفري عندما قال: «ننتظر من الرئيس الأسد إضفاء طابع قانوني على القوات الشعبية»، في إشارة إلى «زينبيون» و«فاطميون» و«حزب الله» والميليشيات الأخرى التي شكّلتها إيران.
من جهتها، تحتاج موسكو هي الأخرى إلى الأسد لدفع الاتفاق الخاص باستئجارها أجزاء على السواحل السورية المطلة على البحر المتوسط قدماً. وهي تحتاج إلى هذه المناطق من أجل بناء أو توسيع قواعدها الجوية - البحرية. أما أنقرة، فتنتظر من الأسد إقرار قانون يسمح لها بالإبقاء على قوات على الأراضي السورية لعزل المناطق التي تقطنها أغلبية كردية، وكذلك اتخاذ إجراءات عسكرية ضد الجماعات الكردية المعادية لتركيا.
وتدرك أنقرة وموسكو وطهران جيداً أنه لن يكون بمقدور أي حكومة سوريا مستقبلية الإقرار بمثل هذا النمط من الوجود الذي تسعى خلفه روسيا وإيران وتركيا داخل الأراضي السورية. بيد أنه بمجرد إنجاز الأسد الخدمات الأخيرة المطلوبة منه، سيتخلى عنه من يحمونه غير مأسوف عليه.
إضافة إلى ذلك، ثمة أسباب أخرى تدفع أنقرة وموسكو وطهران للسعي وراء وضع نهاية للورطة السورية بسرعة، منها أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يواجه انتخابات رئاسية صعبة العام المقبل في ظل دستور جديد تخلى عن النظام البرلماني، وأقر محله آخر رئاسياً يركز معظم السلطات بيد من يجلس على مقعد الرئاسة. ويبدو إردوغان على ثقة شبه كاملة في الفوز، لكن يبقى التساؤل: بأي نسبة؟ الواقع أنه حال عزوف الناخبين عن التصويت وفوز إردوغان بأغلبية ضئيلة، فإنه سيفتقر حينئذ للسلطة الأخلاقية والسياسية التي تمكنه من الانطلاق في تنفيذ «الخطة الكبرى» التي سنتعرض لها لاحقاً. والواضح أن إردوغان في حاجة إلى الفوز بنتيجة كبيرة، وتكمن فرصته الوحيدة لتحقيق ذلك في الوقت الراهن في اقتناص قضمة كبيرة من التفاحة السورية.
وبالمثل، يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتخابات رئاسية، ربما تكون الأخيرة بالنسبة له، العام المقبل. ويكاد يكون على ثقة هو الآخر من فوزه، لكنه يشعر بالقلق حيال شكل فوزه الانتخابي وحجمه. الواضح أن بوتين لا يرغب في إنهاء مسيرته السياسية بأدنى مستوى تأييد انتخابي. وفي ظل الاضطراب الذي يعانيه الاقتصاد الروسي وعدم استعداد قوى غربية لمنح روسيا مكانة متكافئة كقوة عظمى، يحتاج بوتين إلى نصر ضخم يتعذر تحقيقه اليوم سوى عبر إقرار تسوية ذكية في سوريا، مع المبالغة في الحديث عن «دحر الإرهاب» داخل ميدان القتال. أيضاً، يشعر بوتين بالقلق من مشاعر التذمر بين المسلمين الروس الذين تشير أغلب التقديرات إلى أنهم يشكلون نحو 27 في المائة من السكان. كانت صور الطائرات الروسية وهي تقصف مدناً يقطنها «إخوة مسلمون» قد أثارت بعض التوتر وعدم الارتياح في مختلف جنبات المجتمعات المسلمة داخل الاتحاد الروسي. ومن خلال ادعائه بوجود دولتين مسلمتين كبريين إلى جانبه، تركيا السُنية وإيران الشيعية، بإمكان بوتين طمأنة المسلمين الروس الذين كثيراً ما صوتوا لصالحه بأعداد ضخمة.
من ناحية أخرى، لدى إيران أسباب خاصة بها تدعوها للرغبة في التوصل لترتيبات تسوية في سوريا. على سبيل المثال، تكشف الموازنة الجديدة التي قدمها الرئيس حسن روحاني في 10 ديسمبر (كانون الأول) أن الاقتصاد الإيراني يواجه على الأقل عاماً آخر من النمو البطيء بجانب عجز قياسي، وتضخم يتجاوز 10 في المائة.
والواضح أن الأيام كشفت عن أن سوريا أشبه بـ«زواج متعة» تتجاوز تكاليف الاحتفاظ به إلى الأبد قدرة إيران، خصوصاً في ظل زيجات أخرى مشابهة لها مع ميليشيات في لبنان وفلسطين واليمن والعراق وغيرها. ففي وقت تعجز إيران عن سداد رواتب موظفيها بانتظام، يواجه إنفاق أموال ضخمة من أجل «تصدير الثورة» انتقادات حتى داخل «المجلس الإسلامي» الذي يتسم عادة بالوداعة السياسية. وتعني زيادة الميزانية العسكرية بنسبة 12 في المائة تضييق الخناق على مجالات أخرى، مع مخاطرة إثارة حالة من السخط الشعبي.
وعليه، نجد أن القيادة الإيرانية تتحدث هي الأخرى عن «نصر كامل داخل سوريا» على أمل تخفيف وجودها وأعبائها المالية هناك. أيضاً تحتاج طهران إلى أنقرة، ليس فقط لإحداث انقسام في صفوف المعسكر المناوئ للأسد، وإنما كذلك لإلحاق الضعف بحلف «الناتو» في جناحه الشرقي، مع السماح لإيران بتعزيز مكاسبها داخل العراق.
على المستوى التكتيكي، يبدو «التحالف الثلاثي» منطقياً، ذلك أن كل من روسيا وتركيا وإيران تواجه ضغوطاً من قوى غربية لأسباب مختلفة، وتتطلع نحو سبل للخروج من حالة العزلة التي فرضتها هذه الدول على نفسها عبر تحركاتها العدائية في القرم وأوكرانيا في حالة روسيا، والقلأقل التي تثيرها إيران داخل دول عربية عدة، ناهيك عن الخطاب التركي المناهض للغرب الآخذ في التصعيد.
إلا أنه على الصعيد الاستراتيجي، يبدو «التحالف الثلاثي» أكثر تعقيداً. تاريخياً، ساد العداء والتنافس العلاقات بين إيران وروسيا وتركيا. وبين القرنين الثامن عشر والعشرين، تورطت روسيا وإيران فيما لا يقل عن ست حروب كبرى. كما غزت قوات روسية إيران واحتلت أجزاء منها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي أواخر أربعينات القرن الماضي، حاولت روسيا استقطاع أقاليم كبرى من إيران وتحويلها إلى جمهوريات صغيرة تدور في فلك نفوذها.
وبالمثل، خاضت روسيا وتركيا ثماني حروب كبرى بين القرنين الثامن عشر والعشرين، وكانا في معسكرين متقابلين خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى امتداد عقود الإمبراطورية القيصرية، ضمت روسيا مساحات كبيرة من الأراضي الإيرانية والتركية إليها، منها القرم التي انتزعتها من يد الإمبراطورية العثمانية، وجنوب القوقاز التي انتزعتها من فارس القاجارية.
مع هذا، لا يعتبر التاريخ وحده العامل الذي يقوض إمكانات «التحالف الثلاثي»، وإنما تفصل بين القوى الثلاث كذلك رؤى مختلفة بخصوص المستقبل. من جهته، بنى بوتين رؤيته على فكرة يصفها البعض بـ«وهم يورآسيا» الجغرافي، الذي تبعاً له تقع روسيا في قلب قارة مميزة عن أوروبا وعن آسيا، لكنها تمثل أفضل ما في القارتين؛ الأمر الذي يؤهلها لأن تضطلع بدور القائد. ورغم أنه لا يوجد تعريف محدد لـ«يورآسيا»، فإنه من المفترض أنها تشكل مساحات واسعة من وسط أوروبا وشرقها، وصولاً إلى جبال الأورال، بجانب مناطق آسيا الوسطى وسيبريا المجاورة مباشرة للمحيط الهادي. وتتضمن الأجزاء الجنوبية من «يورآسيا»، جنوب القوقاز وإيران وصولاً إلى المحيط الهندي، بجانب بلاد الشام.
ويتناغم «مخطط يورآسيا الكبير» مع أسطورة روسيا القديمة و«روما الثالثة». وتروق هذه الفكرة لأصحاب النزعات السلافية الذين يحلمون بمساحة عالمية سلافية تقودها روسيا.
وإذا كانت رؤية بوتين جرى التعبير عنها على نحو جغرافي خرافي، تأتي رؤية إردوغان في صيغة شبه تاريخية تدور حول «العثمانية الجديدة»، وتقوم على فكرة أن المناطق التي كان يحكمها العثمانيون من قبل يمكن أن تعاد السيطرة عليها في إطار جديد من «التعاون الحر»؛ وذلك لحماية السلام وتمهيد الطريق أمام الرخاء. وتتضمن هذه المناطق شمال أفريقيا والمشرق العربي والبلقان، والكثير من أرجاء القوقاز والمناطق المحيطة ببحر قزوين والدول الألطية في آسيا الوسطى. وفي معظم هذه المناطق، ربما تجد تركيا في روسيا منافساً لها، إن لم تكن عدواً بصورة مباشرة. وبينما ستخوض تركيا هذه المواجهة بناءً على ادعائها بأنها تحمي الإسلام أو الثقافة التركمانية، ستدخلها روسيا بناءً على ادعاء بأنها حامية الثقافة السلافية داخل المناطق التي يشكل السلاف غالبية سكانها في القوقاز وآسيا الوسطى.
وداخل المناطق ذاتها تقريباً، ستدخل تركيا التي تزعم لنفسها زعامة المسلمين السنة، في تنافس مباشر مع إيران التي تزعم في ظل نظامها الخميني الحالي اكتشاف الصورة الحقيقية الوحيدة للإسلام. وفي هذه الحالة، ربما تواجه تركيا مشكلات مع الأقلية الشيعية لديها. كما أن اللعب بالبطاقة الدينية ربما يكون أكثر صعوبة مع الطوائف المتعددة التي تمثل المزيج القائم في المشرق العربي، ناهيك عن المسيحيين في البلقان وأجزاء من القوقاز.
وفي وقت اعتمدت روسيا على فكرة جغرافية واختارت تركيا فكرة تاريخية، تميل إيران في ظل نظامها الحالي إلى أسطورة شبه دينية جرى الترويج لها تحت مسمى «الإسلام النقي» القائم على مبدأ «ولاية الفقيه». ويكشف التاريخ عن أنه بينما يمكن للأفكار الدينية أن تجمع الناس، فإن هذه الوحدة دائماً ما تكون قصيرة الأجل. في المقابل، فإن المشروعات السياسية بمقدورها خلق كيانات أكثر استمرارية مثل إمبراطورية أو دولة قومية. بمعنى آخر، فإن الدين الذي لا يمكنه الإقرار بالاختلاف، دائماً ما ينتهي به الحال إلى تفريق شمل الناس، بينما تملك السياسة القدرة على توحيد صفوفهم، على الأقل لأنها تتيح لهم مساحة للوصول إلى حلول وسطى.
على مدار أربعة عقود سيطر خلالها الملالي على الحكم في إيران، ليس ثمة دليل يشير إلى أن النمط الذي يروجون له من الإسلام يجتذب تابعين جدداً في المنطقة التي يرغبون في الهيمنة عليها.
بيد أن المشكلة الرئيسية في الرؤى الثلاث - الروسية والتركية والإيرانية - أن أياً منها لا تتمتع بجاذبية ثقافية أو موارد اقتصادية؛ ما يجعلها تبدو أشبه بمجرد أوهام خطيرة.
وتقوم الرؤى الثلاث على فرضية مفادها أن الشعوب التي تعيش في المناطق المستهدفة تتطلع نحو قوى خارجية كقائد لها، وأن الولايات المتحدة مع تخليها عن دورها القيادي العالمي والاتحاد الأوروبي مع غرقه في مشكلاته، يفسحان المجال أمام قوى متوسطة الحجم، مثل روسيا وتركيا وإيران للتقدم نحو الأمام والاضطلاع بدور قيادي.
إلا أن هذا الرأي يفترض أن الشعوب المستهدفة، مثل العرب أو شعوب آسيا الوسطى، ستظل دوماً ضعيفة ومنقسمة على نفسها وعاجزة عن صياغة رؤية خاصة بها. وتقلل مثل هذه الحسابات من قيمة الموارد والعزيمة التي تملكها ولو أصغر الدول حجماً للمضي قدماً في الطريق الذي تختاره بمحض إرادتها.
ومع اقتراب عام 2017 من نهايته، يبدو التحالف الثلاثي متماسكاً، لكن هذا لا يمنع احتمالية انهياره قريباً، خصوصاً أن القوى الثلاث تركز أنظارها على المناطق ذاتها وتسعى لتولي زمام القيادة. كما أن الدول الثلاث لا تجمع بينها ثقافة مشتركة أو تاريخ من التعاون أو التحالف. الأسوأ أنها تستخدم أساليب تنتمي إلى القرن التاسع عشر في التعامل مع مخاطر القرن الحادي والعشرين وفرصه.



هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».


خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
TT

خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)

ارتفعت حصيلة ضحايا السيول في تونس إلى خمسة قتلى بعد ثلاثة أيام من هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات، ما تسبب أيضاً في أضرار مادية في عدة ولايات مع استمرار تعليق التعليم في المدارس والجامعات، على ما أفاد مسؤول بالحماية المدنية الأربعاء.

وقال المتحدث باسم الحماية المدنية خليل المشري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الحصيلة «ارتفعت إلى خمسة قتلى».

وأوضح أن الفرق نفذت 466 عملية ضخ مياه، وساعدت 350 شخصاً على العبور في مناطق غمرتها مياه السيول.

وتم العثور على أحد الصيادين، فيما لا يزال أربعة آخرون في عداد المفقودين، بعدما أبحروا الاثنين من سواحل طبلبة قرب المنستير، وفقاً لإذاعة محلية.

وأكد المشري أن التقلبات الجوية ستتواصل على مستوى العديد من المحافظات ولكن «بأقل حدة ودرجة اليقظة والانتباه تبقى مرتفعة».

وزار الرئيس قيس سعيّد مناطق متضررة الثلاثاء على ما نقلت وسائل إعلام محلية.

ويتم تداول مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر منازل وسيارات غمرتها مياه الأمطار، إلى جانب نداءات استغاثة من مواطنين عالقين في المياه، ولا سيما في العاصمة تونس.

واستمر تعليق الدروس لليوم الثاني في المدارس الرسمية والخاصة والجامعات في 15 من الولايات الـ24 للبلاد، بسبب الأحوال الجوية.

والثلاثاء، أكد مدير التوقعات في المعهد الوطني للرصد الجوي عبد الرزاق رحال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سجلنا كميات استثنائية من الأمطار خلال يناير (كانون الثاني)» في مناطق مثل المنستير (وسط شرق) ونابل (شمال شرق) وتونس الكبرى.

وأوضح أن تلك المناطق لم تسجّل كميات مماثلة منذ عام 1950.

ورغم أن هذه الأمطار تُعدّ قياسية، فإن مشهد الشوارع المغمورة بالمياه بعد هطول أمطار غزيرة مألوف في البلاد، وذلك بسبب سوء حالة غالبية البنى التحتية.

وغالباً ما تكون أنظمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار قديمة أو غير كافية أو سيئة الصيانة، لا سيما في المناطق الحضرية السريعة التوسع.

كما أن التوسع الحضري السريع وغير المنظم أحياناً، زاد من جريان المياه السطحية، في حين يعيق انسداد القنوات تصريف المياه.

وتأتي هذه الأمطار في وقت شهدت تونس في السنوات الأخيرة فترات جفاف طويلة تفاقمت بفعل التغير المناخي وترافقت مع تراجع كبير في مخزون السدود.

في الجزائر المجاورة، تسبب الطقس السيئ خلال الأيام الماضية في وفاة شخصين، رجل يبلغ نحو 60 عاماً عُثر عليه في منطقة غليزان (غرب)، وطفلة جرفتها السيول في الشلف، على بُعد 200 كلم غرب الجزائر العاصمة، وفقاً للحماية المدنية.

وفي غليزان وكذلك في الجزائر العاصمة وتيبازة، غمرت المياه أحياء بكاملها وانقطعت طرق عدة بسبب الفيضانات.