«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة

«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة
TT

«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة

«تحالف سوتشي»... ثلاثي الأوهام المتعارضة

بداية عام 2017، بدا أن إيران وروسيا وتركيا في طريقهم نحو فترة من العداء على خلفية التوجسات التاريخية العميقة والمتبادلة فيما بينهم. وكانت لا تزال حمى تبادل الاتهامات والإهانات مشتعلة بين روسيا وتركيا منذ حادثة إسقاط طائرة روسية مقاتلة داخل الأجواء السورية. أما إيران وتركيا فوقفتا على طرفي نقيض من الأزمة السورية، واختلفتا فيما بينهما حول مصير بشار الأسد الذي يفتقر إلى أي وجود حقيقي على أرض الواقع. أيضاً، ساورت إيران بعض الريبة حيال روسيا مع إرجاء الأخيرة تسليم منظومات أسلحة اشترتها طهران وسددت ثمنها، إلى جانب فرضها قيوداً على المحاولات الإيرانية للترويج للآيديولوجية الخمينية داخل حدود الاتحاد الروسي.
مع هذا، قرب نهاية العام، ظهرت صورة جديدة لإيران وروسيا وتركيا باعتبارهم أعضاء في تحالف ثلاثي يرمي لرسم ملامح مستقبل الشرق الأوسط في أعقاب عقدين من الفوضى والإرهاب والحرب. وللمرة الأولى، عقدت الدول الثلاث اجتماع قمة في منتجع سوتشي، وصفته وسائل الإعلام الإيرانية، التي تميل دوماً إلى المبالغة، باعتباره «يالطا الجديدة»، في إشارة إلى المؤتمر الذي عقدته الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقرروا خلاله «مستقبل العالم» في حقبة ما بعد الحرب. الأهم أن اجتماع القمة جمع بين كبار القيادات العسكرية في الدول الثلاث للمرة الأولى والتي عكفت على صياغة استراتيجية مشتركة.
وتمثلت النقطة الأهم التي تمخضت عنها القمة في اتفاق إيران وروسيا وتركيا على ما يبدو، على تقسيم سوريا فعلياً إلى خمس مناطق لخفض التصعيد، مع سيطرة كل منها على واحدة من هذه المناطق وترك الاثنتين المتبقيتين للولايات المتحدة وحلفائها الأكراد والدول العربية ممثلة في الأردن.
كما خرجت القمة باتفاق ضمني حول إبقاء الأسد في دمشق لـ18 شهراً أخرى يجري خلالها تنفيذ الخطة الروسية وتعزيزها. الواضح أنه ستكون هناك حاجة إلى الأسد كي يوقّع على تشريعات ويمررها البرلمان الشكلي الذي يعمل تحت قيادته، من أجل إضفاء غطاء شرعي على الخطة الروسية. وقد عبّر عن ذلك بوضوح قائد «الحرس الثوري» الجنرال محمد علي جعفري عندما قال: «ننتظر من الرئيس الأسد إضفاء طابع قانوني على القوات الشعبية»، في إشارة إلى «زينبيون» و«فاطميون» و«حزب الله» والميليشيات الأخرى التي شكّلتها إيران.
من جهتها، تحتاج موسكو هي الأخرى إلى الأسد لدفع الاتفاق الخاص باستئجارها أجزاء على السواحل السورية المطلة على البحر المتوسط قدماً. وهي تحتاج إلى هذه المناطق من أجل بناء أو توسيع قواعدها الجوية - البحرية. أما أنقرة، فتنتظر من الأسد إقرار قانون يسمح لها بالإبقاء على قوات على الأراضي السورية لعزل المناطق التي تقطنها أغلبية كردية، وكذلك اتخاذ إجراءات عسكرية ضد الجماعات الكردية المعادية لتركيا.
وتدرك أنقرة وموسكو وطهران جيداً أنه لن يكون بمقدور أي حكومة سوريا مستقبلية الإقرار بمثل هذا النمط من الوجود الذي تسعى خلفه روسيا وإيران وتركيا داخل الأراضي السورية. بيد أنه بمجرد إنجاز الأسد الخدمات الأخيرة المطلوبة منه، سيتخلى عنه من يحمونه غير مأسوف عليه.
إضافة إلى ذلك، ثمة أسباب أخرى تدفع أنقرة وموسكو وطهران للسعي وراء وضع نهاية للورطة السورية بسرعة، منها أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يواجه انتخابات رئاسية صعبة العام المقبل في ظل دستور جديد تخلى عن النظام البرلماني، وأقر محله آخر رئاسياً يركز معظم السلطات بيد من يجلس على مقعد الرئاسة. ويبدو إردوغان على ثقة شبه كاملة في الفوز، لكن يبقى التساؤل: بأي نسبة؟ الواقع أنه حال عزوف الناخبين عن التصويت وفوز إردوغان بأغلبية ضئيلة، فإنه سيفتقر حينئذ للسلطة الأخلاقية والسياسية التي تمكنه من الانطلاق في تنفيذ «الخطة الكبرى» التي سنتعرض لها لاحقاً. والواضح أن إردوغان في حاجة إلى الفوز بنتيجة كبيرة، وتكمن فرصته الوحيدة لتحقيق ذلك في الوقت الراهن في اقتناص قضمة كبيرة من التفاحة السورية.
وبالمثل، يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتخابات رئاسية، ربما تكون الأخيرة بالنسبة له، العام المقبل. ويكاد يكون على ثقة هو الآخر من فوزه، لكنه يشعر بالقلق حيال شكل فوزه الانتخابي وحجمه. الواضح أن بوتين لا يرغب في إنهاء مسيرته السياسية بأدنى مستوى تأييد انتخابي. وفي ظل الاضطراب الذي يعانيه الاقتصاد الروسي وعدم استعداد قوى غربية لمنح روسيا مكانة متكافئة كقوة عظمى، يحتاج بوتين إلى نصر ضخم يتعذر تحقيقه اليوم سوى عبر إقرار تسوية ذكية في سوريا، مع المبالغة في الحديث عن «دحر الإرهاب» داخل ميدان القتال. أيضاً، يشعر بوتين بالقلق من مشاعر التذمر بين المسلمين الروس الذين تشير أغلب التقديرات إلى أنهم يشكلون نحو 27 في المائة من السكان. كانت صور الطائرات الروسية وهي تقصف مدناً يقطنها «إخوة مسلمون» قد أثارت بعض التوتر وعدم الارتياح في مختلف جنبات المجتمعات المسلمة داخل الاتحاد الروسي. ومن خلال ادعائه بوجود دولتين مسلمتين كبريين إلى جانبه، تركيا السُنية وإيران الشيعية، بإمكان بوتين طمأنة المسلمين الروس الذين كثيراً ما صوتوا لصالحه بأعداد ضخمة.
من ناحية أخرى، لدى إيران أسباب خاصة بها تدعوها للرغبة في التوصل لترتيبات تسوية في سوريا. على سبيل المثال، تكشف الموازنة الجديدة التي قدمها الرئيس حسن روحاني في 10 ديسمبر (كانون الأول) أن الاقتصاد الإيراني يواجه على الأقل عاماً آخر من النمو البطيء بجانب عجز قياسي، وتضخم يتجاوز 10 في المائة.
والواضح أن الأيام كشفت عن أن سوريا أشبه بـ«زواج متعة» تتجاوز تكاليف الاحتفاظ به إلى الأبد قدرة إيران، خصوصاً في ظل زيجات أخرى مشابهة لها مع ميليشيات في لبنان وفلسطين واليمن والعراق وغيرها. ففي وقت تعجز إيران عن سداد رواتب موظفيها بانتظام، يواجه إنفاق أموال ضخمة من أجل «تصدير الثورة» انتقادات حتى داخل «المجلس الإسلامي» الذي يتسم عادة بالوداعة السياسية. وتعني زيادة الميزانية العسكرية بنسبة 12 في المائة تضييق الخناق على مجالات أخرى، مع مخاطرة إثارة حالة من السخط الشعبي.
وعليه، نجد أن القيادة الإيرانية تتحدث هي الأخرى عن «نصر كامل داخل سوريا» على أمل تخفيف وجودها وأعبائها المالية هناك. أيضاً تحتاج طهران إلى أنقرة، ليس فقط لإحداث انقسام في صفوف المعسكر المناوئ للأسد، وإنما كذلك لإلحاق الضعف بحلف «الناتو» في جناحه الشرقي، مع السماح لإيران بتعزيز مكاسبها داخل العراق.
على المستوى التكتيكي، يبدو «التحالف الثلاثي» منطقياً، ذلك أن كل من روسيا وتركيا وإيران تواجه ضغوطاً من قوى غربية لأسباب مختلفة، وتتطلع نحو سبل للخروج من حالة العزلة التي فرضتها هذه الدول على نفسها عبر تحركاتها العدائية في القرم وأوكرانيا في حالة روسيا، والقلأقل التي تثيرها إيران داخل دول عربية عدة، ناهيك عن الخطاب التركي المناهض للغرب الآخذ في التصعيد.
إلا أنه على الصعيد الاستراتيجي، يبدو «التحالف الثلاثي» أكثر تعقيداً. تاريخياً، ساد العداء والتنافس العلاقات بين إيران وروسيا وتركيا. وبين القرنين الثامن عشر والعشرين، تورطت روسيا وإيران فيما لا يقل عن ست حروب كبرى. كما غزت قوات روسية إيران واحتلت أجزاء منها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي أواخر أربعينات القرن الماضي، حاولت روسيا استقطاع أقاليم كبرى من إيران وتحويلها إلى جمهوريات صغيرة تدور في فلك نفوذها.
وبالمثل، خاضت روسيا وتركيا ثماني حروب كبرى بين القرنين الثامن عشر والعشرين، وكانا في معسكرين متقابلين خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى امتداد عقود الإمبراطورية القيصرية، ضمت روسيا مساحات كبيرة من الأراضي الإيرانية والتركية إليها، منها القرم التي انتزعتها من يد الإمبراطورية العثمانية، وجنوب القوقاز التي انتزعتها من فارس القاجارية.
مع هذا، لا يعتبر التاريخ وحده العامل الذي يقوض إمكانات «التحالف الثلاثي»، وإنما تفصل بين القوى الثلاث كذلك رؤى مختلفة بخصوص المستقبل. من جهته، بنى بوتين رؤيته على فكرة يصفها البعض بـ«وهم يورآسيا» الجغرافي، الذي تبعاً له تقع روسيا في قلب قارة مميزة عن أوروبا وعن آسيا، لكنها تمثل أفضل ما في القارتين؛ الأمر الذي يؤهلها لأن تضطلع بدور القائد. ورغم أنه لا يوجد تعريف محدد لـ«يورآسيا»، فإنه من المفترض أنها تشكل مساحات واسعة من وسط أوروبا وشرقها، وصولاً إلى جبال الأورال، بجانب مناطق آسيا الوسطى وسيبريا المجاورة مباشرة للمحيط الهادي. وتتضمن الأجزاء الجنوبية من «يورآسيا»، جنوب القوقاز وإيران وصولاً إلى المحيط الهندي، بجانب بلاد الشام.
ويتناغم «مخطط يورآسيا الكبير» مع أسطورة روسيا القديمة و«روما الثالثة». وتروق هذه الفكرة لأصحاب النزعات السلافية الذين يحلمون بمساحة عالمية سلافية تقودها روسيا.
وإذا كانت رؤية بوتين جرى التعبير عنها على نحو جغرافي خرافي، تأتي رؤية إردوغان في صيغة شبه تاريخية تدور حول «العثمانية الجديدة»، وتقوم على فكرة أن المناطق التي كان يحكمها العثمانيون من قبل يمكن أن تعاد السيطرة عليها في إطار جديد من «التعاون الحر»؛ وذلك لحماية السلام وتمهيد الطريق أمام الرخاء. وتتضمن هذه المناطق شمال أفريقيا والمشرق العربي والبلقان، والكثير من أرجاء القوقاز والمناطق المحيطة ببحر قزوين والدول الألطية في آسيا الوسطى. وفي معظم هذه المناطق، ربما تجد تركيا في روسيا منافساً لها، إن لم تكن عدواً بصورة مباشرة. وبينما ستخوض تركيا هذه المواجهة بناءً على ادعائها بأنها تحمي الإسلام أو الثقافة التركمانية، ستدخلها روسيا بناءً على ادعاء بأنها حامية الثقافة السلافية داخل المناطق التي يشكل السلاف غالبية سكانها في القوقاز وآسيا الوسطى.
وداخل المناطق ذاتها تقريباً، ستدخل تركيا التي تزعم لنفسها زعامة المسلمين السنة، في تنافس مباشر مع إيران التي تزعم في ظل نظامها الخميني الحالي اكتشاف الصورة الحقيقية الوحيدة للإسلام. وفي هذه الحالة، ربما تواجه تركيا مشكلات مع الأقلية الشيعية لديها. كما أن اللعب بالبطاقة الدينية ربما يكون أكثر صعوبة مع الطوائف المتعددة التي تمثل المزيج القائم في المشرق العربي، ناهيك عن المسيحيين في البلقان وأجزاء من القوقاز.
وفي وقت اعتمدت روسيا على فكرة جغرافية واختارت تركيا فكرة تاريخية، تميل إيران في ظل نظامها الحالي إلى أسطورة شبه دينية جرى الترويج لها تحت مسمى «الإسلام النقي» القائم على مبدأ «ولاية الفقيه». ويكشف التاريخ عن أنه بينما يمكن للأفكار الدينية أن تجمع الناس، فإن هذه الوحدة دائماً ما تكون قصيرة الأجل. في المقابل، فإن المشروعات السياسية بمقدورها خلق كيانات أكثر استمرارية مثل إمبراطورية أو دولة قومية. بمعنى آخر، فإن الدين الذي لا يمكنه الإقرار بالاختلاف، دائماً ما ينتهي به الحال إلى تفريق شمل الناس، بينما تملك السياسة القدرة على توحيد صفوفهم، على الأقل لأنها تتيح لهم مساحة للوصول إلى حلول وسطى.
على مدار أربعة عقود سيطر خلالها الملالي على الحكم في إيران، ليس ثمة دليل يشير إلى أن النمط الذي يروجون له من الإسلام يجتذب تابعين جدداً في المنطقة التي يرغبون في الهيمنة عليها.
بيد أن المشكلة الرئيسية في الرؤى الثلاث - الروسية والتركية والإيرانية - أن أياً منها لا تتمتع بجاذبية ثقافية أو موارد اقتصادية؛ ما يجعلها تبدو أشبه بمجرد أوهام خطيرة.
وتقوم الرؤى الثلاث على فرضية مفادها أن الشعوب التي تعيش في المناطق المستهدفة تتطلع نحو قوى خارجية كقائد لها، وأن الولايات المتحدة مع تخليها عن دورها القيادي العالمي والاتحاد الأوروبي مع غرقه في مشكلاته، يفسحان المجال أمام قوى متوسطة الحجم، مثل روسيا وتركيا وإيران للتقدم نحو الأمام والاضطلاع بدور قيادي.
إلا أن هذا الرأي يفترض أن الشعوب المستهدفة، مثل العرب أو شعوب آسيا الوسطى، ستظل دوماً ضعيفة ومنقسمة على نفسها وعاجزة عن صياغة رؤية خاصة بها. وتقلل مثل هذه الحسابات من قيمة الموارد والعزيمة التي تملكها ولو أصغر الدول حجماً للمضي قدماً في الطريق الذي تختاره بمحض إرادتها.
ومع اقتراب عام 2017 من نهايته، يبدو التحالف الثلاثي متماسكاً، لكن هذا لا يمنع احتمالية انهياره قريباً، خصوصاً أن القوى الثلاث تركز أنظارها على المناطق ذاتها وتسعى لتولي زمام القيادة. كما أن الدول الثلاث لا تجمع بينها ثقافة مشتركة أو تاريخ من التعاون أو التحالف. الأسوأ أنها تستخدم أساليب تنتمي إلى القرن التاسع عشر في التعامل مع مخاطر القرن الحادي والعشرين وفرصه.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.