الجزائر: إنجازات وتحولات... وثوابت

هكذا عاشت عام 2017

عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
TT

الجزائر: إنجازات وتحولات... وثوابت

عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري

كلّما تعلّق الأمرُ بنهاية سنة وبداية أخرى، أجدُني بين وضعين مختلفين متخالفين، وبينَ حالين متميّزين متمايزين، وضعِ مغادرٍ مدبر، وحالِ حائلٍ مقبل، أغلق خزانة السنة القديمة وأفتح خزانة السنة الجديدة... فحين تغادرك اللحظة ويهرب منك الحاضرُ ليسكن الماضي، فهذا لا يعني أنّ تلك اللحظة قد امّحت واختفت، إنّها حيّة موجودة في الزمان... إنّنا في النهاية نقصدُ أحداثاً ونغادر أخرى، وحين تهربُ منّا الأحداث وتنفلتُ لتصبح جزءاً من الماضي فإنّها بالتأكيد تتقاطعُ مع الأحداث التي تسكن الآتي ولم تحدث بعد، الحدثُ في النهاية إمّا واقعٌ أو متوّقعٌ... إمّا وقع وانتهى وإمّا لم يقع بعدُ... فلا يمكنُ أن أتحدث عن نهاية سنة دونَ أنْ أتحدّث عن فلسفة الزمان المرعبة والتي وجب التعامل معها بكثير من الوعي والإدراك.
لعلّ أهمّ حدثين مرّا على الجزائر خلال سنة 2017، هما تعزيزُ التقدّم الديمقراطي وترتيبُ البيت السياسي باستحقاقين انتخابيين، الانتخابات التشريعية 04 مايو (أيار) والانتخابات المحليّة 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهما الحدثان اللّذان ترتّب عنهما تشكيل مجلس شعبي وطني جديد (برلمان)، ومجالس بلديّة وولائيّة جديدة.
وللجزائر تجربة عميقة وراسخة في تسيير العملية الانتخابية بدأتْ منذُ تسعينات القرن الماضي، فالصّرحُ الديمقراطي التعدّدي ما فتئ يتدعّم في البلاد بلبناتٍ واثقة ومؤسسة على الشفافية والنزاهة والحريّة، ولعلَّ الشعب الجزائري من خلال هذين الحدثين تمكّن من اختيار ممثليه في مختلفِ الهيئات والمؤسسات التي تُعنى بتشريع قوانينه وتسيير حياته اليومية.
الأكيدُ أنّ عملية التحوّل الديمقراطي التي اعتمدتها الجزائر لم تكن سهلة تماماً؛ إذ تخللتها مكابدات سياسية وأمنية معقّدة، ولم تكن «فاتورتها» زهيدة، بل كثيرٌ من التضحيات والندوب التي تركتها أزمة التسعينات في جسد المجتمع الجزائري الذي تخطّى حقل الألغام وتعافى من ذلك بعد عمل سياسي وقانوني وثقافي شاق، تمّ استباقه بتشريح للأزمة - المأساة، وبتفكيك للواقع الاجتماعي بمخطط أرسى دعامته الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من خلال اعتماء مصالحة وطنية وإصلاحات شاملة؛ إذ أدرك الجزائريون في النهاية، أنّهم شركاء في تسيير مرحلة ما بعد الإرهاب، وتكريس شرعية المؤسسات، والمساهمة في إدارة الشأن السياسي للبلاد ضمن التنوّع السياسي والحزبي، سلطة ومعارضة، ومنطلق هذا، الوعي الجماعي للفرد الجزائري الذي صار العالم أمامه مفتوحاً على خبرات وتجارب سياسية أخرى قد تكون ناجحة أو فاشلة.
ومن أجل هذا فقد تعزّزت المنظومة التي تسيّر الاقتصاد الجزائري بجملة من الترتيبات والقوانين، أهمّها مراجعة قانون القرض والنقد، وهو ما سيساعدُ على تدعيم اقتصاد وطني حيوي ونشيط يعتمدُ على الطاقات البديلة والاستثمار الحقيقي في شتّى المجالات، ولا سيما في الصناعة والزراعة مع تدعيم تجربة المؤسّسات المصغرة والمتوسّطة لتكونَ رهاناً حقيقياً سيأتي بثماره بعد سنوات قليلة إن شاء الله، وإنّ رغبة الحكومة في تحقيق هذه الخيارات بعد تحديدها ستثمر حسب توقعات المختصين والخبراء بمنظومة اقتصادية قويّة تكون بديلاً حقيقيّاً لصادرات النفط الحالية، ومن هذا الموقع لا بدّ من التذكير بدعوة الحكومة لكلّ المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في العالم إلى اكتشاف البيئة الاقتصادية في الجزائر، بعد تشريع كثير من التسهيلات للراغبين في الاستثمار.
لكنَّنا في النهاية مجبرون على حماية هذه القوانين وحماية تطوّر عملية النموّ الاقتصادي في البلاد بتعزيز شبكات الأمن المختلفة، سواء تعلّق الأمر بمكافحة الاتّجار غير الشرعي لمختلف المنتجات وإيقاف تهريبها خارج الحدود، أو بمكافحة آفة المخدّرات التي تتسلل إلى شبابنا أيضاً من الحدود أو بمكافحة الإرهاب والتطرّف المتسلل إلينا من الحدود الشرقيّة والجنوبية، وفي هذا الصدد فقد لعبت خبرة المؤسسة العسكرية بمختلف قواتها دوراً قوياً في القضاء على أي بادرة لعودة مثل هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة التي يبدو أنّ كثيراً منها حفظ درس تيقنتورين (2013)، فالجيش الوطني الشعبي تمكّن في السنوات الماضية ـ رغم خطورة الوضع في دول الجوار ـ ولا سيما سنة 2017 من وضع حدّ لتقدم خطر الموت والدمار، فكانت حدودنا الشرقيّة مقبرة حقيقيّة للإرهابيين الدمويين.
في هذه السنة، انتخب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نائباً لرئيس الاتحاد الأفريقي، ويعلم الجميعُ أنَّ البعد الأفريقي في السياسة الجزائريّة على قدرٍ كبير من الأهميّة؛ ذلكَ أنّ الجزائرَ بلدُ التنوّع والاختلاف، والأبعاد الكثيرة التي تشكّل الهوية والانتماء الجزائريين هي في الحقيقة مصدر ثراء ثقافي وسياسي وفكري كبير.
وشهدت الجزائر زيارة عديد من الزعماء، شكّلت فيها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاستثناء؛ لطبيعة العلاقات التاريخية وثقل الملفات وحساسية بعضها، ورغم أنّ الجانب الاقتصادي أضحى يأخذ حيّزاً مهماً بين البلدين، فإنّ ملف الذاكرة يبقى حاضراً باستمرار، مع تسجيل تطوّر نوعي في معالجة بعض القضايا ذات الصّلة، بينها موافقة الرئيس الفرنسي على استعادة جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في متحف الإنسان بفرنسا، بعد استيفاء بعض الإجراءات القانونية، وهي خطوة ذات دلالات مرتبطة بملف استعادة الأرشيف بكلّ أبعاده.
في سياق الذاكرة، تميزت سنة 2017 برحيل المفكّر والسياسي رضا مالك، واحدٌ من أبرز الوجوه السياسيّة والفكرية في الجزائر، ومن ضمن أهمّ الفاعلين في مفاوضات إيفيان التي جرت قبيل الاستقلال بأشهر، وهو الذي تبوأ عديداً من المناصب الدبلوماسية والحكومية، وعرف بسجالاته الفكرية والسياسية وجرأته في مواجهة خصومه، وبدرجة أخصّ في التيار الإسلامي.
لا يختلف اثنان في أنّ للدبلوماسيّة الجزائريّة ثوابت ومعالم، تأسست على عقيدة الثورة الجزائريّة، وتعزّزت بقامات عديدة، أبرزها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي حاور وفاوض في مسيرته الطويلة كبار العالم أمثال ديغول وويلي برانت، وبريجنيف وتشي غيفارا وشوون لاي وغيرهم، أبقى على ذلك الخط في إدارته للشأن الخارجي للجزائر، بالحفاظ على استقلالية القرار والموقف من كلّ القضايا حتّى تلك التي تتسم بالحساسية العالية، من قبيل أن الجيش الجزائري محكوم بمبدأ عدم التدخل في نزاعات خارج حدوده؛ لأنّ الجزائر تتبنى مبدأ الحوار أوّلاً وثانياً وأبداً؛ لهذا فإنّ 2017 شهدت محافظة الجزائر على هذه القاعدة، وأنصفها التاريخ كثيراً.
لا يمكنُ أن نمرّ على سنة 2017 دون أنْ نتذكّر القرارَ المؤسف والمجحف للرئيس الأميركي بإعلان القدس عاصمةً للكيان الإسرائيلي، إنّه القرار المؤلم الذي تعتبره الجزائر تجاوزاً للقرارات الأممية في شأن القضية الفلسطينية، ودوساً على حقوق شعب يشهد كلّ العالم بالظلم الواقع عليه بسبب السياسات غير المنصفة، وطبيعي أن يستمرّ الجزائريون في ترديد مقولة الرئيس بومدين «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». هناك أحداث كثيرة في الثقافة والفنّ سنة 2017، لعلّ أهمّها تمكنّنا من إنجاز فيلم سينمائي يجسّد حياة العلّامة عبد الحميد ابن باديس، في فترة وجيزة جدّاً، الفيلم الذي انطلق تصويره فعلياً في يونيو (حزيران) 2016، تمّ عرضه الشرفي الأول في مايو 2017، وهي السنة التي عادَ فيها صاحب رائعة «آفافا إينوفا» الفنان الكبير إيدير، معلناً عودته بعد غياب دام قرابة أربعين عاماً؛ إذ سيحيي حفلين يومي 4 و5 يناير (كانون الثاني) 2018.
كما شهدت2017 تكريم الفنّان الكبير لونيس آيت منقلات بالدكتوراه الفخرية في جامعة تيزي وزّو ضمن الاحتفالات بمئوية الكاتب الراحل مولود معمري، دون أن ننسى إطلاق تسمية اسم محمد فوزي، الفنان المصري الكبير، على المعهد العالي للموسيقى بالجزائر العاصمة بتوصية من رئيس الجمهورية مع إسدائه وسام الاستحقاق الوطني ما بعد الوفاة، باعتباره ملحّن النشيد الوطني الجزائري الخالد «قسماً» الذي كتب كلماته شاعر الثورة مفدي زكريّا. وهي اللفتة التي تفاعل معها الرأي العام في مصر والجزائر؛ كونها تعبّر عن وفاء وعرفان من الجزائر لهذا الفنان العبقري، حيث تنازلت عائلته عن حقوقها المادية للدولة الجزائرية.
2017 كانت سنة الاحتفاء بالثقافة الأفريقية في الجزائر من خلال جنوب أفريقيا، ضيف شرف المعرض الدولي للكتاب، الحدث الثقافي الأبرز والأكثر استقطاباً في الجزائر بمليوني زائر... كما تميزت السنة بتكريس علوّ كعب الكتاب الجزائريين في المشهد الثقافي العربي من خلال مشاركاتهم العديدة في مختلف اللقاءات الأدبية والثقافية، ولعلّ الأهمّ هو فوز ثلاثة كتّاب جزائريين بأهم جوائز «كتارا»، هم سعيد خطيبي، وعبد الوهاب عيساوي، والدكتور بشير ضيف الله... كما شهدنا تنظيم عديد من الفعاليات في السينما والمسرح والأدب ومختلف الفنون، على غرار مهرجان وهران الدولي للفيلم العربيّ، وهو الذي كان بوابة حقيقية لعودة التتويجات إلى السينما الجزائرية التي فازت بأهم جوائز المهرجان، فضلاً عن مهرجان الفيلم الملتزم الذي يعكس القيم الإنسانية والنضالية التي رسّختها الثورة الجزائرية كواحدة من ثوابتها. ورحلت عنّا خلال هذا العام أسماء وازنة في المشهد الثقافي والفكري والإبداعي، بينها المفكر والسياسي العربي دماغ العتروس، والذي يعدّ من ضمن أبرز رموزنا الثقافية والنضالية، وأحد أبرز فناني الجزائر من المجدّدين في عالم الموسيقى الراحل بلاوي الهواري الذي تسلّم من الرئيس وسام الاستحقاق الوطني قبل أشهر قليلة من وفاته، تاركاً خزانة فنية كبيرة ومهمة... وكانت بداية السنة قد عرفت فقداننا واحداً من أبرزِ جهابذة اللغة العربية والمعروف بـ«أبو اللسانيات» وهو المرحوم عبد الرحمن حاج صالح، رئيس المجمع الجزائري للغة العربية سابقاً، والحائز جائزة الملك فيصل العالمية.
ونزلت خلال 2017 الجزائر ضيف شرف على مهرجان «سوق عكاظ» بالطائف في المملكة العربية السعودية، حيث احتفت المملكة بجوانب من التراث الثقافي الجزائري، واعتبر الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز حضور الجزائر خطوة نحو بناء جسور تبادل ثقافي دائم خدمة للتراث العربي.
في الختام، نأمل أن تكون سنة 2018 سنة خير وبركة على البشريّة جمعاء، وأن يعمّ الأمن والسلامُ الشارع العربيَّ، نتمنى أنْ تكون سنة تراجعُ فيها الشعوب العربيّة خياراتها الثقافيّة ورهاناتها الاجتماعيّة.



تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».