عام تعثر الوساطات في ليبيا

عام تعثر الوساطات في ليبيا
TT

عام تعثر الوساطات في ليبيا

عام تعثر الوساطات في ليبيا

استقبلت ليبيا عام 2017 بتقرير منسوب إلى مصادر فرنسية يفيد بأن أمام رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دولياً) فائز السراج أربعة عناصر «مخربة» لعمل حكومته المنبثقة عن اتفاق الصخيرات. حدد التقرير هذا الرباعي بعنصر سياسي يمثله رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي لم يصوّت لمنح الحكومة الثقة، وآخر عسكري يتمثل في المشير خليفة حفتر، فضلاً عن رفض البنك المركزي الليبي للتعاون مع حكومته (جرى الاتفاق على تسوية هذا الأمر الآن)، أما العنصر الرابع فهو مفتي ليبيا السابق الصادق الغرياني الذي يسير مع المتشددين.
فيما بعد سينفق السراج كل العام في محاولة زحزحة هذه العناصر الأربعة. وبالفعل تمكن بمساعدة داخلية وخارجية من إزاحة ثلاثة عناصر، وها هو العام يشارف على الانتهاء، ولم تبق أمامه إلا المفاوضات الشاقة مع المشير حفتر، التي انتهت من دون نتيجة مع حلول يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2017، تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في 2015.
انعكست الخلافات الجهوية على عمل المجلس الرئاسي منذ مطلع العام، إذ أصدر رئيس المجلس المكلّف في غياب السراج، فتحي المجبري عدداً من التعيينات، اعترض عليها بقية الأعضاء واضطر السراج لاحقاً إلى إلغائها، لكن بعد أن تقدم عضو المجلس عن الجنوب موسى الكوني باستقالته، بينما استمر ممثل حفتر علي القطراني في مقاطعة المجلس، إضافة إلى عمر الأسود ممثل الزنتان. وفيما بعد اضطر المجبري أيضاً إلى مقاطعة المجلس بعد تمكن قوات حفتر من السيطرة على منطقة الهلال النفطي في مارس (آذار) والتي كان يسيطر عليها إبراهيم الجضران الرئيس السابق لجهاز حماية المنشآت النفطية، باعتبار أن المجبري الذي ينتمي إلى المنطقة الشرقية هو ممثل الجضران في المجلس. وهكذا لم يبق في المجلس إلا خمسة من أصل تسعة، وأصبح التوافق والتنسيق بينهم أفضل مما كان عليه في السابق.
في مطلع العام، أبدت روسيا اهتماماً كبيراً بليبيا بعد سيطرتها على سوريا، وظهرت حاملة الطائرات «الأميرال كوزينتسوف» أمام سواحل بنغازي واستقبل المشير حفتر بشكل رسمي على متنها، وعقد اجتماعاً بالدائرة المغلقة مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وكان حفتر يعول على الحصول على أسلحة من روسيا، حتى ولو منحها قاعدة بحرية وجوية في شرق ليبيا، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتورط في المستنقع السوري فضل الابتعاد عن مستنقع آخر أكثر غموضاً. وفي آخر الأمر فضلت روسيا الوقوف مع الشرعية الدولية في ليبيا، ويبدو أن الجزائر الحليف التقليدي لروسيا منذ الاتحاد السوفياتي كانت وراء ذلك.
وفي طرابلس، واجه السراج الكثير من المتاعب بسبب هجوم قوات رئيس ما يسمى «حكومة الإنقاذ» خليفة الغويل، التي احتلت في يناير (كانون الثاني) مقار خمس وزارات وقصور الضيافة والفندق الذي كان مقر المؤتمر الوطني السابق. وقوات الغويل تتكون في معظمها من جناح منشق على الأغلبية في مصراتة يسير في ركاب الإسلاميين ويحاول تخريب الاتفاق السياسي، وهو الجناح الأكثر تطرفاً في قوات «فجر ليبيا» التي سيطرت على طرابلس عام 2014 وأحرقت مطارها الدولي الذي كان تحت سيطرة الزنتان، واحتاج الأمر إلى جهد كبير من السراج للتنسيق مع الميليشيات المسيطرة على طرابلس، مثل «كتيبة ثوار طرابلس» بقيادة هيثم التاجوري، و«قوة الردع الخاصة» بقيادة عبد الرؤوف كارة، وقوة أخرى بقيادة عبد الغني الككلي لتنجح في طرد قوات الغويل.
رغم الإلحاح المصري، فقد رفض حفتر في فبراير (شباط) لقاء السراج في القاهرة، وفيما بعد دفع حفتر ثمن رفضه عندما تمسكت مصر في نهاية العام أسوة ببقية دول جوار ليبيا بالشرعية الدولية. غير أن ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد نجح في الجمع بين الرجلين في مايو (أيار) من العام نفسه، لكن من دون الوصول إلى نتيجة تذكر. وفي 25 يونيو (حزيران) تكرر اللقاء في ضيافة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرب باريس، وهو اللقاء الذي تفاءل به الليبيون إلا أنه أثار غضب الإيطاليين. ومنذ ذلك الحين فتح الإيطاليون خطا مع حفتر لم يفض إلى أي نتيجة، حتى عندما استقبلوه في روما في أواخر الشهر الجاري، ليصرح بأنه يوافق على الانتخابات وأنه متمسك بالشرعية الدولية.
خلفاً للدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر الذي لم ينجح في تطبيق الاتفاق السياسي الذي توصل إليه سلفه برناردينو ليون أو تعديله، تسلم المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا غسان سلامة مهام منصبه في أغسطس (آب)، واستهل عمله بالاستماع إلى معظم الأطياف الليبية.
وعلى عكس المبعوثين السابقين، بث تعيين الوزير اللبناني السابق موجة من التفاؤل بين الليبيين، فهو سياسي خبر دهاليز السياسة في بلد خاض حرباً أهلية مدمرة قبل أن يتوصل قادته إلى توافق، كما أنه يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف. وأدرك سلامة منذ البداية أن الحل هو في تخطي كل الأجسام السياسة في البلاد والذهاب مباشرة إلى الانتخابات، ففي البداية اقترح تعديلات على الاتفاق السياسي بحيث يتكون المجلس الرئاسي من ثلاثة أعضاء بدلاً من تسعة، وتشكيل حكومة تكنوقراط وعقد مؤتمر عام يجمع كل الأطياف الليبية في تونس، الهدف منه إضفاء شرعية شعبية على التعديلات، ثم إجراء انتخابات عام 2018، إلا أنه تخلى عن عقد المؤتمر ومضى قدماً نحو الانتخابات، بينما تولت الشرعية الدولية احتواء الرافضين للانتخابات.
ومن بين أهم ما سجله عام 2017 في ليبيا، ما حدث في نوفمبر (تشرين الثاني) عندما بثت قناة «سي إن إن» الأميركية شريطاً يكشف وجود مزاد علني لبيع المهاجرين في ليبيا. ورغم الملاحظات المهنية على التقرير، فإنه كان كافياً لتسليط الضوء على أوضاع المهاجرين الأفارقة في مراكز الاحتجاز. ومع التنديد العالمي بما يحدث في البلاد وخروج مظاهرات أمام السفارات الليبية في أوروبا، أصدرت القمة الأوروبية - الأفريقية في أبيدجان قرارات بإجلاء المهاجرين من مراكز الاحتجاز في ليبيا، كما تسببت الوعود الإيطالية بمنح خمسة ملايين يورو إلى إحدى الميليشيات في صبراتة في اندلاع اشتباكات عنيفة مع ميليشيا أخرى، انتهت بطرد الميليشيا الأولى التي يقودها أحمد الدباشي من المدينة، وإغلاق الشاطئ الذي كان ينطلق منه المهاجرون نحو السواحل الأوروبية.
وكما كان متوقعاً مع نهاية العام، أعلن المشير حفتر نهاية الاتفاق السياسي وإلغاء كل الأجسام المنبثقة عنه، بينما أيد حليفه السابق رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذهاب إلى الانتخابات، ما دفع حفتر إلى إغلاق مجلس النواب في طبرق. كما هاجم عدد من الأشخاص المراكز الانتخابية في بنغازي ونزعوا الأرقام التي وضعتها المفوضية العليا للانتخابات، وهذا يعني أن الانتخابات قد لا تجري في معظم المنطقة الشرقية، ما يهدد بتقسيم البلاد. وحتى لو انتقل مجلس النواب إلى طرابلس، فإن نواب المنطقة الشرقية قد يواجهون مضايقات وتهديدات قد تطال عائلاتهم إذا التحقوا بزملائهم في طرابلس. وفي كل الأحوال لن يدّخر أنصار حفتر جهداً لإعاقة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ولكن عسكرياً ستبقى الأمور على ما هي عليه، فالقوات المحسوبة على المجلس الرئاسي لن تهاجم المنطقة الشرقية، وهي تتعقب عناصر تنظيم داعش في الأودية الصعبة جنوب سرت. كما أن قوات حفتر لن تهاجم المنطقة الغربية وتحتل طرابلس كما كانت تهدد بذلك.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.