يوماً بعد يوم تتكرّس الطائفية داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، لتبقى العائق الأكبر أمام تقدّم الإدارة وتفعيل دورها، والسبب في ذلك يعود لعاملين، الأول هو الخلل في الوزن الديموغرافي المتمثّل بتزايد أعداد المسلمين، مقابل التراجع العددي عند المسيحيين، والثاني تقديم طائفة الشخص على حساب الكفاءة عند اختيار موظّف لملْء مركزٍ معيّن.
وإذا كان الدستور المنبثق عن اتفاق الطائف، يحصر المناصفة بوظائف الفئة الأولى، فإن العرف، بات متقدماً على الدستور، عبر تكريس يحاول تكريس المناصفة في كلّ الفئات والإدارات، بدءاً من المؤسسات العسكرية والأمنية، مروراً بالوزارات وصولاً إلى البلديات والمرافق الحيوية مثل المطار والمرافئ، وغالباً ما يؤدي الإخفاق في تحقيق هذا التوازن، إلى عرقلة عمل المؤسسات، ونشوء نزاعات سياسية بين القيادات السياسية الممثلة للطوائف.
ويقرّ الجميع بأن هذه الظاهرة تخالف ما ينصّ عليه الدستور، وتحول دون بناء الدولة القوية، لكن الممارسة تبقى بخلاف ذلك، وهو ما أشار إليه عضو كتلة «المستقبل» النائب محمد قباني، ورئيس لجنة الأشغال النيابية، الذي اعتبر أن «التمسّك بالتوازن الطائفي في الوظيفة العامة، بات أمراً معيباً بحق لبنان واللبنانيين». وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن اتفاق الطائف «حصر المناصفة في مجلس النواب ومجلس الوزراء ووظائف الفئة الأولى، شرط أن تخضع تلك المراكز للمداورة بين كافة الطوائف». وقال: «من المؤسف أن التوازن بات يشمل الفئة الرابعة والخامسة، وبهذه الطريقة لن نبني وطناً». وأكد قباني أن «الوطن يبنى بالكفاءات والمواطنة وليس على طريقة أن كل طائفة تسعى لتكريس حقوقها على حساب الكفاءات»، معتبراً أنه «ليس من مصلحة أي فئة أن تتمسك بالتوازن خصوصاً لدى الفئة التي تقول: إنها أقلية وفي تناقص مستمرّ، وهذه الفئة تحمي نفسها بالكفاءات وليس بالأعداد».
هذه المقاربة أيدها عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب نعمة الله أبي نصر، الذي دعا إلى «اعتماد الكفاءة عند كل الطوائف». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع فصل الدين عن الدولة، وأن لا يكون الولاء إلا للوطن شرط احترام الجميع لهذه المبدأ». لكنه شدد على أن «التلاعب بالديموغرافيا اللبنانية لا يبني وطناً، ويجعل الخروج من الطائفية أمراً صعباً طالما أن النظام اللبناني هو نظام طائفي». وسأل «ألم يتلاعبوا بالتوازنات عندما جنّسوا بشحطة قلم 300 ألف شخص بمرسوم عادي؟ (مرسوم تجنيس آلاف السوريين في العام 1994)، وهل يصحّ قلب المعادلة بهذه الطريقة؟»، داعياً إلى أن «يقلع اللبنانيون عن ولاءاتهم الخارجية، ويكون ولاؤهم للوطن فقط، لكي نبني الدولة القوية».
ولا يزال عدد كبير من الفائزين بمباراة الوظيفة في مطار بيروت الدولي خارج وظائفهم، لأن عدد المسلمين الفائزين في المباراة أكبر من المسيحيين، وقد شدد النائب محمد قباني على أن «تشبث البعض بالمناصفة في كل الإدارات يعيق تقدّم الدولة». وقال: «للأسف نحن في لبنان لم نأخذ من التطور العصري سوى السيارات الفخمة والمطاعم الراقية، وما دون ذلك نحن نعيش في العصر الحجري». وسأل «هل يعقل أن الهيئة العامة للطيران المدني لم تؤلف منذ 15 عاماً، وهي معطلة بسبب التوازنات والخلاف على الأسماء؟». ولفت إلى أنه «لم يبق مطار في العالم يدار من قبل الدولة إلا في لبنان».
من جهته، أكد الباحث في «الشركة الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، لـ«الشرق الأوسط»، أن «تراجع عدد المسيحيين في دوائر الدولة، مرده إلى الخلل الديموغرافي في لبنان، بحيث إن عدد المسيحيين لا يتجاوز الـ36 في المائة من عدد اللبنانيين، في مقابل 64 في المائة للمسلمين». ورأى أنه «مع هذه الفوارق الكبيرة، يستحيل تحقيق التوازن أو المناصفة في الإدارات العامة، لأن كل مباراة يترشّح إليها 70 في المائة من المسلمين، مقابل 30 في المائة من المسيحيين، لذلك من الطبيعي أن يكون المسلمون هم الأكثرية».
وذكرّ شمس الدين بأن الدستور «ينص على المناصفة في وظائف الفئة الأولى فقط»، معتبراً أن الخلل القائم حالياً، يعطّل أجهزة الدولة»، لافتاً إلى أن «بعض المؤسسات تجاوزت مسألة المناصفة مثل القضاء، والتعيينات الأخيرة التي حصلت في وزارة الخارجية وفي السلك الدبلوماسي». ورأى أنه «من الصعب أن يتجاوز لبنان هذه الظاهرة». وذكر شهادة صارخة على ذلك بالقول إن «قانون الانتخاب الجديد جذّر الطائفية، بحيث باتت كل طائفة تختار ممثليها إلى حد كبير، وبالتالي كلّما رأى المسيحي أنه محبط ومستهدف، سيتمسّك بهذه الظاهرة التي لا خروج منها في المدى المنظور، إلا إذا تغيرت عقلية الناس».
«الخلل الطائفي» في المؤسسات اللبنانية يربك سياسيين ويكبّل الدولة
https://aawsat.com/home/article/1127621/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D8%B1%D8%A8%D9%83-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%88%D9%8A%D9%83%D8%A8%D9%91%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9
«الخلل الطائفي» في المؤسسات اللبنانية يربك سياسيين ويكبّل الدولة
- بيروت: يوسف دياب
- بيروت: يوسف دياب
«الخلل الطائفي» في المؤسسات اللبنانية يربك سياسيين ويكبّل الدولة
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








