هل يأتي العام المقبل بإرادة الوحدة؟

هل يأتي العام المقبل بإرادة الوحدة؟
TT

هل يأتي العام المقبل بإرادة الوحدة؟

هل يأتي العام المقبل بإرادة الوحدة؟

شهد العام الذي يقفل أيامه الأخيرة تطورات نوعية غير مسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكنها لم تكن مفاجئة سوى للذين استمروا في الرهان على إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن تقدم صفقتها، وهم يعلمون جيداً أنها لن تلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ليس فقط التاريخية، بل تلك التي حددتها الشرعية الدولية، أو حتى تلك التي سبق وأفصحت عن بعضها إدارات سابقة، كمعايير بيل كلينتون على سبيل المثال. بهذا المعنى لم يكن قرار الرئيس ترمب في السادس من الشهر الجاري، بالإعلان عن نقل سفارة بلاده إلى القدس باعتبارها «عاصمة إسرائيل»، مفاجئاً على الإطلاق.
فقد كان ترمب وإدارته واضحين، منذ البداية، إزاء مستوى الالتزام بتنفيذ هذا الوعد. بل وانسحاب إدارته من التمسك بما عرف بمبدأ حل الدولتين كرؤية دولية التزمت بها الإدارات الأميركية السابقة، وترك هذا المبدأ لمدى رغبة الطرفين في تحقيقه. أي إعطاء الڤيتو لحكومة الاحتلال لتقرر أمره ومصيره.
لقد ترافقت هذه السياسة بتغيير جوهري في موقف الإدارة من الاستيطان، وهذا الأمر كان واضحاً منذ تسلمها مسؤولياتها، من خلال تصريحات مبعوثيها بهذا الشأن. أن هذا الإعلان يشكل ليس فقط عدواناً ضد شعبنا وحقوقه ومقدساته، وكون القدس جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة بقوة العدوان الإسرائيلي الغاشم. بل يبدو أنه مجرد القشرة العليا الرقيقة من قمة جبل الجليد لما تسميه (واشنطن) بصفقة القرن، التي يبدو أنها لن تتضمن سوى تصفية حقوقنا الوطنية لصالح اليمين الإسرائيلي.
إن هذه النهاية الحتمية لعملية التسوية وفق محددات الاحتكار الأميركي لإدارتها، التي ظلت تراوح حتى في عهد الإدارات السابقة، في دائرة الاستجابة الدائمة للشروط والمطالَب الإسرائيلية، مع توقع لا حدود له بتقديم المزيد من التنازلات الفلسطينية في كل محاولة «لإحياء» تلك العملية التي فقدت بالكامل مضمونها ومبررها، بل تحولت لمجرد غطاء لاستمرار تنفيذ سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية على الأرض، وتصعيد وتائرها في محاولة لحسمها نهائياً، دون مجرد توقع رد سياسي عملي وملموس من القيادة السياسية الفلسطينية، أو الدول العربية.
نعم، إن هذا التآكل الذي اعترى العملية السياسية ومرجعيتها، بصمت فلسطيني وعربي ودولي، وفي ظل استمرار عمليات نهب الأرض وتوسيع المستعمرات وتهويد القدس، كان يحتم وقفة فلسطينية جادة، مراجعة سياسية لمآل هذه العملية ومتطلبات وقف التدهور الجاري الذي وصلنا إليه.
من دون كثير من المحاججة، فقد بات جلياً أن الرهان علي الحراك السياسي الخارجي وحده، دون استراتيجية وطنية متفق على جوهرها وأساس انطلاقها وحدة وطنية على أساس برنامج الإجماع الوطني، تقوده مؤسسات وطنية جامعة في إطار م. ت. ف وحكومة وحدة وطنية تتحمل كامل مسؤولياتها، قد فشلت فشلاً ذريعاً، ولن تسعفها أي محاولات ترقيعية على الصعيد الدولي، على أهمية ذلك، إن استمرت في التهرب من معالجة الشأن الداخلي القادر على استنهاض طاقة شعبنا الفلسطيني وإعادة الأمل بقدرته على الصمود ومواجهة مخططات تصفية حقوقه المشروعة وتضحياته الكبيرة. فبناء موقف فلسطيني موحد يشكل المدخل لبناء موقف عربي ودولي قادر على تصويب معادلة الصراع وفق الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.
لم يكن لترمب أو نتنياهو أن يتصدرا مسرح الدراما السوداء وعملية السطو والنصب السياسي الدولي هذه، لولا حالة التمزق العربي، والتشرذم الفلسطيني، واستمراء حالة الإضعاف المدمرة في ملهاة الانقسام والصراع على السلطة على حساب المصالح الوطنية لشعبنا ومستقبله ومشروعه الوطني. فلولا حالة الانقسام وما ولدته من وهن وارتباك وتيه في البوصلة الوطنية، بما في ذلك تخلي القيادة عن دورها، ليس فقط في قيادة المشروع الوطني الذي من المفترض أن تقوده م ت ف، باعتبارها ائتلافاً جبهوياً جرى للأسف تفريغه من كل مضامينه، بل وأيضاً، عن دورها في توفير الأمل وعوامل الصمود، لتمكين الشعب من حماية حقوقه وتعزيز قدرته على مواجهة المشروع الاستيطاني. لولا ذلك وغيره من الإمعان في عملية الإقصاء والهيمنة والتفرد، وبالتالي الانكشاف، لما تجرأت حكومة نتنياهو الاستيطانية من توغلها غير المسبوق في عملية نهب الأرض، وإطلاق العنان لتهويد القدس والمقدسات، والتسارع المحموم في محاولة حسم معركة الحلم الصهيوني، باستكمال إلغاء رواية وجودنا على هذه الأرض وفي هذه البلاد. اللافت ولشديد الأسف، ما زال يصدر من تصريحات من قادة طرفي الانقسام بادعاء كل منهما حرصه على إتمام المصالحة، واتهام الطرف الآخر بعرقلتها من دون أي إحساس بالمسؤولية تجاه أبناء شعبنا المحاصرين من الاحتلال، أو «المعاقبين» من سلطتهم الوطنية في قطاع غزة، أو الذين تدمر بيوتهم وتصادر أرضهم في القدس وسائر أرضنا المحتلة. فهؤلاء هم الذين يدفعون، يومياً، ثمن جرائم الاحتلال، كما يدفعون ثمن فاتورة الانقسام، لم يعد بإمكانهم احتمال المزيد، ولسان حالهم هو كفى! فما يحتاجه شعبنا وقضيته التي ستظل حية، يبدأ بمراجعة هذا المسار الذي بات عبثياً ولا وظيفة له سوى حماية مصالح المصرِّين عليه: «فالحياة لم تعد مفاوضات»، وربما باتت بحاجة إلى «انتفاضات». إن الرد الأساسي على محاولات تصفية قضية القدس وحقوق شعبنا فيها، يستدعي وقف كل المهاترات والألاعيب التي تعترض مسيرة المصالحة والوحدة من طرفي الانقسام، والبدء الفوري بإجراءات تشكيل حكومة وحدة وطنية تتصدى لكل مهماتها المعلومة للجميع، وفِي مقدمتها تعزيز وحدة شعبنا ومؤسساته ومقومات صموده على أرضه، والنهوض بقدرته على مواجهة وإسقاط مؤامرة تصفية قضيته وحقوقه، وخاصة الدفاع عن عروبة القدس ومقدساتها ومكانتها وتاريخها كحاضنة لتعايش الحضارات والثقافات والأديان. إنها القدس الباسلة التي أعطت قبل أشهر قليلة، دروساً غنية في الوحدة والتنظيم والصمود والثبات، أعادت فيها مشهد الانتفاضة الكبرى عام 1987، وطرحت تحديات ومهمات ما زالت تنتظر من يتصدي لها، سواء من قبل منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية وباقي مؤسسات شعبنا وحركته الوطنية، وليس احتواء هذه الهبة، والهلع من تداعيات استمرارها.
إن الدور التاريخي للقيادة يتمثل في صنع الأمل بالنصر، وتوفير عوامل بلوغه، وإن ترددت أو عجزت عن هذه المهمة، فليس أمامها سوى توفير بيئة تمكنها من تسليم الراية لقيادة شابة قادرة أن تحمى نضال وتراث وإنجازات شعبنا وثورته وانتفاضاته وكرامته وليس تبديدها.
وما زال بإمكان الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، أن يقود هذه المراجعة بعقلانية وشجاعة، ويقطع بصورة نهائية، مع النهج الذي ثبت عقمه، ومدى ما يلحقه من أَذى بقضيتنا في حال استمرار المراهنة عليه، ذلك ليس فقط على صعيد مسار أوسلو الذي قتلته حكومة الاحتلال وأصدرت الحكومة الأميركية شهادة وفاته، بل والأهم على الصعيد الداخلي، ليس فقط بإعادة الاعتبار للائتلاف الوطني الذي جسدته م ت ف بجميع فصائلها وقواها السياسية والاجتماعية المناضلة ضد الاحتلال، بل والتقدم بشجاعة بوقف احتكار القيادة من قبل فصيل أو زعيم مهما كانت قوته ونفوذه، وتكريس الشراكة الوطنية بالمضي قدماً في مسيرة الوحدة دون تردد أو إبطاء، وأن يدعو ويترأس شخصياً، اجتماعاً طارئاً وفورياً للإطار القيادي المؤقت في القاهرة، بحضور جميع أعضاء اللجنة التنفيذية وقادة جميع القوى، بما في ذلك حركتي حماس والجهاد ورئاسة المجلس الوطني أولاً لإعادة الاعتبار لدور المنظمة ومكانتها كائتلاف جبهوي لجميع القوى السياسية والاجتماعية، وباعتبار التناقض الرئيسي مع الاحتلال الإسرائيلي، وللاتفاق على خطة سياسية وشعبية ملموسة لمواجهة وإسقاط هذه المؤامرة التصفوية، والأهم توفير الأدوات القادرة على قيادة هذه المرحلة، سواء على صعيد السلطة بحكومة وحدة وإنقاذ وطني، أو على صعيد المنظمة بالتحضير الجدي لمجلس وطني توحيدي وفق مقررات تحضيرية بيروت، بحيث تمهد الطريق لتوليد قيادة شابة تواصل قيادة مشروعنا الوطني بإرادة فلسطينية ديمقراطية خالصة. والسؤال الكبير هو: لماذا لا يتم ذلك واليوم قبل الغد، مع إدراك الجميع بأن هذا هو أقصر الطرق للصمود الميداني والسياسي على حد سواء؟
باختصار، إن إعلان ترمب فتح شهية إسرائيل لتوسيع مشروعها الاستعماري على أوسع نطاق والإعلان عن إنشاء مئات آلاف الوحدات الاستيطانية، يتطلب استراتيجية وطنية لا تحشر نفسها فقط في الحركة السياسية الخارجية على حساب الوحدة وطَي صفحة الانقسام، بما تحمله من ديناميات النهوض الوطني والأمل بالقدرة على التغيير.
إن الإجماع الدولي الرافض لاعتداء الإدارة الأميركية علي قرارات الشرعية والقانون الدوليين، وكذلك حالة التضامن الشعبية في كل دول العالم مع قضية شعبنا، بما في ذلك في الولايات المتحدة وفي أوساط الجاليات اليهودية نفسها، التي تدرك مخاطر غطرسة وشعبوية القيادتين اليمينيتين في واشنطن وتل أبيب، تضاعف من مسؤوليتنا إزاء كيفية تحويل هذه المواقف الرافضة لإعلان ترمب العدواني إلى فعل سياسي. فبلورة وبناء موقف فلسطيني موحد يلتف حوله كل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وقيادة وطنية موحدة في إطار م ت ف كإطار جبهوي يعبر عن إرادة ودور كل الشعب وقواه السياسية، بما في ذلك حركتا حماس والجهاد، هو المدخل والرافعة الأساسية لبناء موقف سياسي عربي ودولي. وإن أي تباطؤ أو ارتباك أو استمرار على المراهنات الفاشلة، ليس سوى مضيعة للوقت وتبديد للحقوق. إن ترجمة الكلام بأن قرار ترمب حول القدس يعني انسحاب الولايات المتحدة من وساطة التسوية هي بقايا أوهام بالتسوية وفق المسار الأميركي الإسرائيلي.
نحن أمام استحقاق تاريخي ومفصلي، وعلينا البدء ببناء واستنهاض عناصر القوة الذاتية وإطلاق يد الشعب في الدفاع عن حقوقه ومقدساته، والإعلان بأن أي مدخل للحل السياسي يبدأ أولاً باعتراف إسرائيل وأميركا المسبق بحقوقنا الوطنية تماماً كما عرفتها الشرعية الدولية، وأن إطار البحث في استعادة هذه الحقوق، هو مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة لتنفيذ قراراتها وليس استمرار ملهاة التفاوض العبثية فيما إذا كان لنا حقوق أم لا؛ وأظن أنه يمكن البناء على بعض مواقف الدول الكبرى التي تستشعر خطر السياسات الترمبية على السلم العالمي، ليس فقط في الشرق الأوسط بل على الصعيد الكوني، واستخدام كل الأدوات التي تمكننا من الدفاع عن حقوقنا، بما في ذلك التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية. ويبقى الأهم، الذي من دونه قد تذهب كل ردود الفعل كمجرد زوبعة في فنجان، يتطلب إعادة الاعتبار للميدان والوحدة الكفاحية فيه، ووضع الانقسام وكل تداعياته خلف ظهورنا.
إن هذا القرار العدواني ليس مجرد إيغال في الانحياز الأميركي، بل هو بحد ذاته يشكل عدواناً على شعبنا وحقوقه ومقدساته ويتناقص كلياً مع القانون والإجماع الدوليين اللذين يعتبران القدس مدينة محتلة، ولا يمكن حسم مستقبلها بقوة العدوان والاستخفاف بشعوب المنطقة، بقدر ما يحمل في طياته المزيد من عوامل انفجارها وقذفها وقوداً نحو مزيد من التوتر والتطرف والعنف الدموي الذي لن يسلم منه أحد، بما في ذلك إسرائيل نفسها، التي تتحول تدريجياً، ليس فقط نحو اليمين العنصري، بل وأيضاً فريسة لغطرسة حكام هذا اليمين المتطرف فيها، وقد بات واضحاً أنه لا يعنيها سوى الاستمرار في الحكم.
اليوم، ونحن نعيش الذكرى الثلاثين للانتفاضة الكبرى عام 1987، ما أشبه اليوم بالبارحة. فعشيّة اندلاع الانتفاضة كانت سياسة إسرائيل وبعد إخراج منظمة التحرير من لبنان وكأنها تقول أين هو الفلسطيني، وكانت تنظر للفلسطيني أنه بين خيار البؤس في سوق عملها أو خيار السجن والهدم والأبعاد والموت. وقتها اختار الفلسطيني الحياة بالانتفاض على الاحتلال و«خياراته»، فأعاد المنظمة والقضية الوطنية إلى قمة المشهد وصدارة الاهتمام الدولي. المهمة الماثلة أمامنا هي كيف نعيد لقضيتنا مكانتها وإعادة بناء ائتلافنا الجبهوي وقيادته الموحدة القادرة على حماية شعبها وحقوقه ووحدته في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ولا خيار أمامنا سوى المقاومة الشعبية الواعية والشجاعة التي علمتنا إياها سنوات الانتفاضة المجيدة الكبرى، التي نجحت بصورة لافتة في وضع قضيتنا على قمة الاهتمامات الدولية، ووفرت الفرصة نحو سلام حقيقي يصنعه فقط الأقوياء، قبل أن يتم الإطاحة بإنجازاتها. وعلينا أن نظل واثقين بأن شعبنا قادر مجدداً على صنع المعجزات إن توفرت لديه القيادة والأمل، وأن أحرار العالم وشعوب أمتنا العربية والإسلامية لن تخذلنا. فقضية شعبنا كانت وما زالت عنوان العدل والسلام، والقدس ستظل دوماً درة تاج شعوب العالم وتطلعها للسلام العادل والدائم الذي يضمن لشعبنا حقوقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس على حدود عام 1967.
فهل سيكون العام المقبل خطوة نحو هذه الأهداف؟ هذه مسؤوليتنا أولاً وأخيراً.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.