سعد الصويان: خطوات التنوير الخليجية تبشر بمستقبل واعد

كتابه «ملحمة التطور البشري» حصل أخيرا على «جائزة الشيخ زايد للكتاب»

د. سعد الصويان
د. سعد الصويان
TT

سعد الصويان: خطوات التنوير الخليجية تبشر بمستقبل واعد

د. سعد الصويان
د. سعد الصويان

عكف الدكتور سعد الصويان منذ عقود على دراسة التراث الشعبي بوصفه منتجا ثقافيا شعبيا، دراسة نقدية وأنثروبولوجية، وقد حصل على الدكتوراه في موضوع «الأنثروبولوجيا.. والفلكلور والدراسات الشرقية» من جامعة كاليفورنيا، عام 1985.
ومن أهم دراساته: «المأثورات الشفهية» 1985، و«حداء الخيل» 1988، و«الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص» 2000، و«فهرست الشعر النبطي» 2001.
وحصل أخيرا كتابه «ملحمة التطور البشري» على «جائزة الشيخ زايد للكتاب». في هذا الحوار معه في منزله بالرياض، يؤكد الصويان على أهمية الفلسفة التي من دونها ليس هناك تنظير علمي، ولا تعليم حقيقي، كما تحدث عن طبيعة المجتمعات البدائية التي يرى أنها مجتمعات مسطحة تكون الهويات فيها متطابقة، مشيرا إلى المواقع التي يتقاطع فيها السياسي والاجتماعي في الموروث الشعبي. هنا نص الحوار:

* فوزكم مؤخرا بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن إصداركم اللافت «ملحمة التطور البشري»، ماذا يمثل لكم، خصوصا أن الكتاب تناول قضايا ومضامين وإشكالات شبه محظورة وشائكة؟
- الاحتفاء بالكتاب يمثل في نظري أحد المؤشرات المشجعة على أن خطوات التنوير التي تدفع بها حكومات المنظومة الخليجية بدأت تظهر آثارها على ذهنيات الجيل الناشئ في منطقتنا، وتبشر بمستقبل واعد من الانفتاح الاجتماعي والحرية الفكرية.
* هل كنت تتوقع يوما أن تفوز بجائزة عالمية بحجم جائزة الشيخ زايد؟
- أذكر حين كنت صبيا، لم يتجاوز عمري العاشرة، خطرت لي فكرة جنونية، حتى إنني لا أدري ما مبعثها، بأنني سأذهب للدراسة في أميركا، وقلت ذلك لأخواتي فغرقن في ضحك هستيري، لأن ذلك بدا لهن أمرا سورياليا من سابع المستحيلات، كما أذكر أنني حينما نجحت في الصف الرابع الابتدائي، كانت الدولة تلك السنة قد بدأت تفرض رسوما مقدارها ثلاثة قروش على تسلم شهادات النجاح، وهو ما كانوا يسمونه حينها «طوابع». وحينما ذهبت إلى جدي الفلاح المعدم أطلب منه ثلاثة قروش قال لي: «يا وليدي، النجاح اللي بثلاث قروش ما لنا به لزوم». لك أن تتخيل طفلا عاش في تلك البيئة أن يواصل مشواره التعليمي ويصل إلى هذه المرحلة. ولكن كما يقول المثل: «النية مطية». فأنت إذا سلمت زمام أمرك لعقلك وأطلقت له العقال، فإنه لن يخذلك.
* كيف تقارن بين كتابك الفائز بجائزة الشيخ زايد وكتبك الأخرى؟
- لا شك أن كتاب «ملحمة التطور البشري» كتاب قيم يقدم للقارئ العربي مفهوم نظرية التطور البشري بمختلف توجهاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية سواء من ناحية تطور الإنسان البيولوجي أم من ناحية تطور مؤسساته الثقافية والاجتماعية كافة. لكن الكتاب يبقى في النهاية مجرد نقل معرفي يقتصر جهدي فيه على تقديم هذه المعرفة بصياغة يستسيغها ويفهمها القارئ غير المتخصص. أما كتبي عن الشعر النبطي كوثيقة تاريخية واجتماعية وتتبع مراحل تطوره الفني واللغوي ورد أصوله إلى الشعر الجاهلي، فهذا هو ما أعده الإسهام الحقيقي. لكن جهودي في هذا المجال لم يسلط عليها الضوء الكافي، وراحت ضحية لما يعانيه مجتمعنا وثقافتنا من أزمة عميقة في الهوية، ومن حرج في قراءة تاريخ المنطقة على حقيقته. وأنا أدرك هذه المصاعب وأتفهمها، لكنني أيضا أحسست أنني في وضع يؤهلني للاضطلاع بهذه المهمة بقدر لا بأس به من الكفاءة، وأنه إن لم أنجزها أنا، فقد لا يأتي من ينجزها على الوجه المطلوب، لأن إنجازها يحتاج إلى تأهيل راسخ في مناهج ونظريات اللسانيات الحديثة والأنثروبولوجيا والفلكلور والتاريخ الشفهي، ناهيك بامتلاك الحس الفني واللغوي والانغماس في الثقافة التقليدية وحياة الماضي وصورها وأخيلتها ومجازاتها. والتضحية هنا لا تقتصر على عدم الاهتمام الرسمي بهذا الموضوع ومحاربته أكاديميا، وإنما وصمي بأنني إنسان شعبي في طريقة تفكيري وأسلوب حياتي، وأن ما أقدمه لا يختلف في شيء عن برنامج «البادية»، وما أشبهه من برامج توكل عادة لأشباه الأميين، بالإضافة إلى أن الجانب الساخر من شخصيتي قد يعطي الانطباع بأنني سطحي التفكير، لأن الجد في ثقافتنا مرتبط بالتحذلق والتشدق والتجهم والعبوس.

* تراث الصحراء
* لماذا خصصت معظم أعمالك لدراسة البداوة وحياة الصحراء.. ما الذي تراه في الصحراء؟
- أرى الحرية الفطرية والكرامة الإنسانية والإمكانات اللامحدودة لتحقيق الذات إذا توافرت للفرد المؤهلات الشخصية. قصة البداوة قصة درامية طويلة استمرت في جملتها لمدة تربو على 2000 سنة. إنها قصة كفاح البدوي لقهر الصحراء والتعايش معها، ومغالبة مستمرة، وكفاح متصل بين الإنسان والطبيعة الصحراوية. إنها قصة تجربة إنسانية فريدة في التكيف والبقاء، تستحق التوقف والرصد والتوثيق والتحليل.

* وما سر اهتمامك بالشعر النبطي؟
- الشعر النبطي يلتقي مع الشعر العربي القديم على صعيد واحد من الرؤية الإنسانية والحس الفني، وكلاهما صدى للظروف الطبيعية والاجتماعية نفسها. القصيدة النبطية لا تكاد تختلف عن القصيدة الجاهلية في التصور الفلسفي الذي تقدمه تفسيرا لهذا الكون ولحياة الإنسان على هذه الأرض، ولا تختلف عنها في المفاهيم والمثل التي تكرسها لتعطي حياة الصحراء القاسية معنى يعين على تحملها. لو غضضنا الطرف عن الفارق اللغوي بين القصيدة الجاهلية والقصيدة النبطية، لأصبح من الصعب أن نفصل بينهما في الشكل والمضمون. كلتاهما صورة للواقع ورصد للأحداث، وسجل للقيم، والمثل التي جعلت من حياة الصحراء، على الرغم من شظفها وتقلباتها، حياة تليق بالإنسان. لذا، فإن أي تقدم علمي نحققه في دراستنا لأي منهما ستكون له انعكاسات على فهمنا وتذوقنا للآخر.
* هل يصنع الموروث الشعبي هوية لبلد متعدد الهويات؟
- المجتمعات البدائية هي المجتمعات المسطحة التي تكون الهويات فيها متطابقة، وكل شخص ما هو إلا نسخة كربونية من الشخص الآخر. أما المجتمعات المتطورة فهي بطبيعتها مجتمعات مركبة تتشكل من فسيفساء متعددة الأشكال والألوان من العرقيات والمذاهب والطوائف والإثنيات التي تتعايش بعضها مع بعض بسلام في ظل قانون يساوي بين الجميع ويحفظ كرامتهم وحقوقهم. فليست المشكلة في تعدد الإثنيات والهويات داخل المجتمع الواحد، المهم ألا يميز القانون بين هذه الإثنيات كأن يفضل إحداها على الأخرى، أو يحتقر هذه ويعلي من شأن تلك.

* طوفان الصحوة
* لماذا لا نجد أحدا من طلابك يقتفي أثرك في اهتماماتك العلمية؟
- لأنه لم تتح لي الفرصة لا من القسم، ولا من الكلية، ولا من الجامعة، لمزاولة مهمتي التدريسية على الوجه الصحيح. كان كل يوم أقضيه في ردهات الكلية هو مجرد محاولة للنجاة من الغرق، لأن طوفان الصحوة كان على أشده آنذاك. وكان معظم الأساتذة الفاشلين، وما أكثرهم، يركبون سفينة الصحوة ليتحاشوا التعاطي الجاد مع التخصصات التي يفترض بهم تدريسها، ويهربون منها إلى ما يسمونه «أسلمة العلوم»، حتى إنهم أسلموا مواد الكيمياء والطبيعة. ومن الناحية الأخرى، كان الطلاب الذين يأتوننا في الجامعة «بضاعة معطوبة»، وضحية سياسة تعليمية فاشلة؛ إذ لم يؤهلهم تعليمهم الابتدائي والثانوي للانخراط في الجامعة، وتلقي دروس على المستوى الجامعي في أي من التخصصات. لكن مصيبتي تهون أضعافا مضاعفة حينما أرى ما رزئ به الوطن بأكمله من هؤلاء «الصحويين»، وما فرخوه من أجيال صحوية أصبحت كالنجيل «الثيل» تقصه فيشتد عوده وينمو بغزارة أكثر.
* كيف يمكن برأيك تدارك مشكلة التعليم؟
- لا شك أن تطوير المناهج أحد المخارج، لكن ما الفائدة من تطوير المناهج إذا كان المعلم نفسه غير مؤهل؟! لا بد من إعادة تأهيل الكادر التعليمي برمته على المستويين؛ الابتدائي والثانوي، وذلك بتحفيز المعلمين وتشجيعهم على الانخراط في دورات تدريبية مكثفة أثناء الإجازة الصيفية لمدة لا تقل عن خمس سنوات لكل معلم، ومن يمتنع عن ذلك، أو من لا يجتاز هذه الدورات يحال إلى التقاعد. وتطوير المناهج لا ينبغي له أن يكون مناقصات ومبررات تمنح لأناس معينين، وإنما تطوير حقيقي تنفذه جهات مختصة عالية التأهيل، ويكون التركيز فيه على العلوم الطبيعية والرياضية، وعلى التفكير النقدي التحليلي بدل التلقين والحفظ والاستظهار، ولن أتجرأ وأضيف تعليم الموسيقى، ربما سأتجرأ وأقول ذلك عام 2020.

* ثنائيات
* كيف ترى الفرق بين العلم والفلسفة؟
- حالما يجد الإنسان جوابا شافيا يطمئن له عن أي سؤال يشغل باله، فإن ذلك يحيل السؤال من إشكالية فلسفية إلى حقيقة علمية. فالفلسفة تزاول نشاطها على تخوم العلم وأراضيه المجهولة، وتحاول ترويض المسائل الصعبة المحيرة ليسهل قيادها، وتستجيب لمعطيات العلم التجريبي. الفلسفة، كما يقولون، هي أم العلوم، لذا من دون الفلسفة ليس هناك تنظير علمي ولا تعليم حقيقي.
* كيف ترى الفرق بين العلم والإيمان؟
- الإيمان الفطري الصادق غير المتلبس بمطامع الدنيا يمنح الفرد جرعة قوية من الطمأنينة النفسية والسلام الداخلي، بينما العلم يثير القلق الفكري والتساؤلات التي تستعصي على الإجابة. من ناحية أخرى قد يشن البشر حربا ضروسا بعضهم على بعض بسبب الاختلافات الدينية، لكنك لن تجد عالما واحدا يحمل السلاح في وجه عالم آخر، لأنه يخالفه الرأي ويتبنى وجهة نظر مغايرة، ربما لأن العلم واحد، بينما الأديان شتى. لكن الدين يبقى هو الجذور الراسخة التي تثبت شجرة الحضارة في أرضية الماضي، بينما العلم هو الأغصان التي تورق ولا تتوقف عن النمو والتجدد، ولو قطعت الأغصان التي يجري فيها ماء الحياة ماتت الجذور.
* والسياسي والاجتماعي.. أين يتقاطعان في الموروث الشعبي؟
- الموروث الشعبي اجتماعي في كونه يمثل صوت الشعب، وروح الجماعة، وضمير الأمة، وسياسي في كونه يشكل ضغطا على السلطة، ويساهم في توجيه قراراتها. فالسلطة التي لا تتماهى مع شعبها لن يكتب لها الاستقرار والبقاء. الموروث الشعبي سجل حي لتوجهات الشعب وطموحاته وآماله التي تحرص السلطة الراشدة على رصدها وتبنيها.
}* ما سر عزوفك عن إلقاء المحاضرات العامة والمشاركة في الأندية الأدبية ونشاطاتها المنبرية؟
- لأن ما يمكن قوله في حدود المساحة الفكرية الضيقة التي سمحت الأندية الأدبية لنفسها بها، قد قيل ولا فائدة من ترداده. أما ما تجاوز ذلك من طروحات، فلا أظن أن أحدا يجرؤ على الجهر به علنا في ظل بيئتنا المحافظة فكريا واجتماعيا. والقائمون على الأندية يعرفونني جيدا، ويخشون لو أطلقوا لي العنان أن أقع في المحظور، أو كما يقول التعبير الشعبي «أقمز الردامة».

* من كتبه
* قدم الدكتور سعد الصويان للمكتبة العربية والعالمية أعمالا ودراسات مهمة حول المسألة الشعبية في التراث، مؤكدا على الضرورة العلمية الأنثروبولوجية في الإحاطة بالمكونات الشعبية والثقافات العامية، كما في كتبه «الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص» و«فهرست الشعر النبطي» الذي رصد فيه كل ما هو منشور من نتاج شعراء وشاعرات الحاضرة والبادية، و«المأثورات الشفهية»، و«حداء الخيل».
وكتب الصويان أيضا في علم الأنثروبولوجيا الذي يعد علم الأمم المتحضرة، مؤكدا على الأهمية التي يحملها الفكر الأنثروبولوجي في فهم الطبيعة البشرية، والتعايش الإنساني، وتحرر العقل من العنجهيات المذهبية والعنصرية والشوفونيات العرقية، وربط الإنسان بالطبيعة.
وكتب الصويان عن الصحراء أيضا ومفازاتها وتراثها في كتابه «الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور»، كما ألف كتابا عن أيام العرب الأواخر، تناول فيه أساطير ومرويات شفهية في التاريخ والأدب من شمال الجزيرة العربية، مع شذرات مختارة من قبيلة المرة وسبيعة. وله بالإنجليزية كتابان عن الشعر النبطي؛ الأول هو رسالة دكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي حصل عليها قبل ثلاثة عقود، والآخر هو تحليل لغوي وأنثروبولوجي للحكايات (السوالف) في الثقافة الشعبية شمالي الجزيرة العربية؛ جمعها. بالإضافة إلى عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات علمية مرموقة.
وهو يعمل حاليا، بالتوازي، على مشروعين كبيرين؛ الأول عن تتبع جذور الدين ابتداء من بلاد سومر ومصر القديمة عنونه بـ«من الأسطورة إلى التنزيل: تطور المفاهيم الدينية في الشرق الأدنى»، والمشروع الآخر هو معجم موسوعي ثقافي شامل لمفردات اللهجة العامية والشعر النبطي، وكل ما يتعلق بمعيشة القرية وحياة البادية وطبيعة الصحراء.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».