رئيس الحكومة المغربية يكشف عن استراتيجية بلاده للدفاع عن قضية الصحراء

ابن كيران: أقول للجزائريين نحن إخوة وسنتحملكم لكن المغاربة لن يفرطوا في وحدة ترابهم

عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية وعبد الله باها وزير الدولة ومصطفى الخلفي وزير الاعلام يستمعون الى مداخلات الندوة  خلال جلسة المساءلة النيابية الشهرية أمس (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية وعبد الله باها وزير الدولة ومصطفى الخلفي وزير الاعلام يستمعون الى مداخلات الندوة خلال جلسة المساءلة النيابية الشهرية أمس (تصوير: مصطفى حبيس)
TT

رئيس الحكومة المغربية يكشف عن استراتيجية بلاده للدفاع عن قضية الصحراء

عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية وعبد الله باها وزير الدولة ومصطفى الخلفي وزير الاعلام يستمعون الى مداخلات الندوة  خلال جلسة المساءلة النيابية الشهرية أمس (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية وعبد الله باها وزير الدولة ومصطفى الخلفي وزير الاعلام يستمعون الى مداخلات الندوة خلال جلسة المساءلة النيابية الشهرية أمس (تصوير: مصطفى حبيس)

كشف عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المغربية، عن الملامح الكبرى للاستراتيجية التي اعتمدتها الحكومة للدفاع عن قضية الصحراء، وذلك خلال جلسة المساءلة الشهرية التي عقدت في مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان) أمس والتي خصصت، للمرة الأولى، لمناقشة المستجدات والتطورات الأخيرة لنزاع الصحراء.
وأوضح ابن كيران أن هذه الاستراتيجية تتمثل في «إطلاق تفاوض حقيقي حول مشروع الحل السياسي في إطار الأمم المتحدة على أساس مبادرة الحكم الذاتي، وصيانة الدعم الدولي لها، ومواجهة كل انحراف عن المقاربة الأممية الساعية لاعتماد حل سياسي، بالإضافة إلى توفير شروط تنزيل الجهوية المتقدمة (الحكم اللامركزي) من خلال النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وتعزيز حقوق الإنسان، واحترام الخصوصية الثقافية الصحراوية الحسانية، والتصدي لمناورات خصوم الوحدة الترابية، والتعريف بانتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها الانفصاليون ضد مواطنينا المحتجزين في مخيمات تندوف وإقرار إحصائهم، وتعزيز موقف المغرب الحازم الرافض لأي محاولة لاستغلال حقوق الإنسان في هذا النزاع المفتعل، مع مواصلة مجهود إقناع الدول المتبقية والمحدودة لسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية».
وجاء عرض ابن كيران لتطورات نزاع الصحراء أمام البرلمان، بعد أيام من الزيارة الناجحة التي قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما، وتأكيد البيت الأبيض خلالها =أن مبادرة الحكم الذاتي «جادة وواقعية وذات مصداقية». كما تأتي بعد أسابيع من التوتر الذي حدث في العلاقة بين الرباط والجزائر بسبب الرسالة التي وجهها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى مؤتمر أبوجا، التي طالب فيها بإقرار آليات أممية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، الأمر الذي عدته الرباط مسا بسيادتها.
وفي هذا السياق، قال ابن كيران ردا على مداخلات نواب المعارضة والغالبية بشأن هذا النزاع، إن قضية الصحراء قضية مصيرية للأمة المغربية، ملكا وحكومة وشعبا، ولا مجال لحدوث أي تراجع بشأنها، وشدد على ضرورة تعاون كل من الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني للدفاع عن القضية، مشيرا إلى أنه لا عيب في الإقرار بالأخطاء وتجاوزها.
وأوضح ابن كيران أن هذه القضية يقودها الملك وتتجاوب فيها معه جميع مكونات المجتمع من أحزاب سياسية ونقابات ومجتمع مدني. وأضاف: «نحن على حق مسنود بالإجماع منذ 40 عاما والعالم يعرف أننا على حق، وهذا ما مكننا من المحافظة على حقوقنا التي، للأسف، تعاكسنا فيها دولة جارة بإمكانات مادية هائلة وجندت دبلوماسيتها لهذا الغرض».
وأضاف ابن كيران: «لا بد أن يعرف الإخوة الجزائريون أننا لن نتبدل عنهم، فنحن إخوة وسنتحملهم، لكن يجب أن يعلموا أن المغاربة لن يفرطوا في وحدتهم الترابية».
ولم يظهر تباين كبير في وجهات النظر بين نواب المعارضة والغالبية حول هذا الملف، فالجميع أقر بالأخطاء التي ارتكبت في السابق بشأن طريقة تدبير ملف الصحراء المتمثلة في احتكاره من قبل الدولة من دون إشراك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، بالإضافة إلى اعتماد مقاربة أمنية في معالجة القضية، وإهمال المقاربة الاجتماعية والتنموية في المنطقة، مقابل تشجيع الريع الاقتصادي في الأقاليم الجنوبية، وهو ما كشف عنه التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بشأن الوضع في هذه الأقاليم.
وأشاد نواب المعارضة والغالبية في المقابل أيضا بالسياسة الخارجية التي يقودها الملك محمد السادس بشأن هذا النزاع والنتائج الإيجابية التي حققتها الزيارة الأخيرة للملك إلى واشنطن، كما نوهوا بالسياسة الجديدة للتعامل مع الملف التي كشف عنها الملك والتي أصبحت «تسمي الأمور مسمياتها»، حسب تعبيرهم، وهو ما عكسه خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين للمسيرة الخضراء، التي اتهم فيه للمرة الأولى منظمات حقوقية دولية بتلقي أموال من الخصوم للإساءة إلى بلاده، وتبخيس مكاسبها الحقوقية، لا سيما في الأقاليم الصحراوية، وقبل ذلك أقر الملك محمد السادس، في افتتاح الدورة البرلمانية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بأن قضية الصحراء تواجه «وضعا صعبا» بسبب مناورات خصوم المغرب، وأن «الأمور لم تحسم بعد».
وأوضح ابن كيران في مداخلته أن عمل الدبلوماسية الوطنية الرسمية والموازية سيؤطره عدد من الاختيارات والآليات؛ أهمها: مواصلة تعبئة الدبلـومـاسية المغربية لمـواكبـة وتفعيل التـوجـه لتطـويـر عـلاقـات المغرب الثنـائيـة مـع دول جنـوب الصحـراء، والعمل على تفعيل الاندماج المغاربي كخيار استراتيجي للتكامل والاندماج بين البلدان الخمسة المغاربية، والمجال العربي بصفته امتدادا طبيعيا لهذه البلدان، ثم العمل على تعـزيـز الشـراكـة الاستراتيجية النمـوذجيـة التـي جرى إرسـاؤهـا فـي 2011 بين المغرب ودول مجلـس التعـاون الخليجـي، التي أكدت دائما موقفها الثابت والمتضامن مع المغرب للحفاظ على وحدته الوطنية، وتدعيم الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي. وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، وهو ما اتضح جليا، يقول ابن كيران، من خلال الزيارة الرسمية للملك لواشنطن، بالإضافة إلى تكريس سياسة الانفتاح والتقارب مع دول أميركا اللاتينية ومواصلة الجهود لضمان تموقع متميز للمغرب في منطقة آسيا والشرق الأقصى من خلال تشجيع التشاور السياسي والتبادل الاقتصادي.
كما كشف ابن كيران عن مجموعة من الإجراءات التي سيجري اعتمادها لدعم قضية الصحراء، من بينها «التعبئة والمشاركة الفعالة في جميع المناسبات والنقاشات الدائرة في إطار الأمم المتحدة على مستوى مختلف أجهزتها بهدف التصدي للمناورات المعادية للمغرب ولنصرة قضيته الوطنية، وتفعيل الدبلوماسية غير الحكومية عن طريق البرلمان والأحزاب السياسية والنقابات والمثقفين ورجال الأعمال والإعلام والمرأة للتواصل مع الشعوب فيما يتعلق بعدالة القضية الوطنية، وتطوير علاقات التعاون والتبادل مع مجمل وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، وتطوير آليات الرصد الإخبارية وتقوية حضور الأخبار المتعلقة بالصحراء في وسائل الإعلام، وذلك بغية ضمان تواصل واسع وتفاعل منتج مع الأنشطة والمظاهرات المرتبطة بالحقل الدبلوماسي الوطني، مع دعم الإنتاج السينمائي حول القضية الوطنية تاريخا وحاضرا، وإعطاء الأهمية للدور الذي يمكن أن يضطلع به المغاربة المقيمون بالخارج في توعية الرأي العام المحلي وجمعيات المجتمع المدني».
وعرض ابن كيران السياق الدولي والإقليمي لتدبير ملف نزاع الصحراء، وقال إنه سياق «معقد يتسم بتغيرات متلاحقة تؤثر على استقرار العالم وتضعف قدرة النظام الدولي على التفاعل مع التحولات المتسارعة سياسيا وماليا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وبيئيا، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها على اقتصادات مختلف البلدان»، إلى جانب توسع دائرة الفاعلين من دول ومنظمات دولية وإقليمية ومنظمات غير حكومية ومجتمع مدني وتداخل تأثيرهم في القضايا الدولية والإقليمية، وحدوث تحولات استراتيجية وسياسية عميقة في المنطقة المغاربية في رأيه، على تعامل الدول والهيئات مع قضية الصحراء وفرض الوعي بالمرحلة الجديدة التي دخلها هذا النزاع المزمن والمفتعل، حيث أبانت تطورات الأشهر الستة الماضية حاجة ملحة لرفع درجة اليقظة وحالة الانخراط الجماعي في الدفاع عن القضية الوطنية، كما أبرزت قدرة المغرب على صد مناورات الخصوم والنجاح في احتوائها وتحجيمها والحد من آثارها.
وقال ابن كيران: «إن السنة الحالية كانت غنية بالأحداث المتعلقة بقضية الصحراء، فمن جهة، شهدنا تأكيد كل من فرنسا والولايات المتحدة للموقف الإيجابي من مقترح الحكم الذاتي، إثر زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب في أبريل (نيسان) الماضي، وبمناسبة الزيارة الملكية إلى الولايات المتحدة، وذلك رغم حملات الخصوم الهادفة إلى نسف ومحاربة مبادرة الحكم الذاتي وتقويض المسلسل التفاوضي». وأضاف ابن كيران أن «السنة الحالية هي أيضا سنة الإعلان عن النموذج التنموي للأقاليم الصحراوية الجنوبية، والانخراط في مسلسل التنمية الشاملة القائمة على احترام القانون والإنصاف، فضلا عن كونها سنة كسب معركة الحفاظ على نطاق اختصاصات بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء». أما في الفترة الأخيرة، يقول ابن كيران، «فيمكن التوقف عند ما سمي لقاء أبوجا وما شهده من تجدد مناورة استهداف السيادة الوطنية، حيث كان الرد المغربي واضحا وحازما، لا يقبل المساومة». وذلك في إشارة إلى رسالة بوتفليقة.
وبموازاة ذلك، فقد أنصف البرلمان الأوروبي، يضيف ابن كيران، «في توصياته الأخيرة المتعلقة بسياسة الجوار أو بالساحل والصحراء مواقف وحصيلة المغرب في حماية الاستقرار والنهوض بحقوق الإنسان، وتأكد هذا الإنصاف لاحقا في تصويت 163 دولة على عضوية المغرب في مجلس حقوق الإنسان، رغم الاستغلال المغرض والمتحامل على بلادنا لمسألة حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية».
وقال ابن كيران: «إن هذه المتغيرات تفرض رفع مستوى التفاعل معها، سواء من خلال استثمار العناصر الإيجابية، ولا سيما المتعلقة بالنموذج المغربي في الإصلاح مع صيانة الاستقرار، وذلك في محيط إقليمي يعيش تحديات أمنية متصاعدة، أو من خلال اليقظة والمواجهة للعناصر السلبية، وخاصة المتعلقة بمناورات الخصوم الرامية إلى استنزاف المغرب والمس بمصداقيته. كما تؤكد أن العمل من أجل الوحدة الوطنية والترابية هو بمثابة كفاح مستمر ومتجدد».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.