جورج نصر: السينما اللبنانية تعاني من دخلاء كثر

صالات العرض في بيروت تقدم فيلمه «إلى أين» تكريماً له

يتحرق المخرج اللبناني جورج نصر لوضع عينه على عدسة كاميرا سينمائية - فيلم «إلى أين» في الصالات اللبنانية ابتداء من 4 يناير المقبل
يتحرق المخرج اللبناني جورج نصر لوضع عينه على عدسة كاميرا سينمائية - فيلم «إلى أين» في الصالات اللبنانية ابتداء من 4 يناير المقبل
TT

جورج نصر: السينما اللبنانية تعاني من دخلاء كثر

يتحرق المخرج اللبناني جورج نصر لوضع عينه على عدسة كاميرا سينمائية - فيلم «إلى أين» في الصالات اللبنانية ابتداء من 4 يناير المقبل
يتحرق المخرج اللبناني جورج نصر لوضع عينه على عدسة كاميرا سينمائية - فيلم «إلى أين» في الصالات اللبنانية ابتداء من 4 يناير المقبل

بعد مرور 60 سنة على عرضه في «مهرجان كان السينمائي» في عام 1957 ها هي بيروت تفتح أبواب صالاتها السينمائية لفيلم «إلى أين» لمخرجه جورج نصر. عروض هذا الفيلم في صالات متروبوليس بالأشرفية التي تبدأ من 4 لغاية 10 يناير (كانون الثاني) المقبل، تأتي كتحية تكريمية للمخرج اللبناني الذي كان أول من وضع السينما اللبنانية على الخريطة العالمية، ولعطاءاته الكثيرة في هذا المجال. فهو بصفته أستاذاً جامعياً خرّج المئات من الطلاب، وعندما شغل منصب نقيب الفنيين السينمائيين في الماضي لأكثر من مرة، حاول حث الدولة اللبنانية على دعم هذه الصناعة وتشجيعها. وفي موازاة عرض فيلم «إلى أين» الذي رُممت نسخته القديمة من قِبل شركة «أبوط برودكشن»، سيُعرض وثائقي يحكي عن جورج نصر (un certain Naser) الذي يحكي فيه المخرج عن أهم محطات حياته، وهو من إخراج أنطوان واكد، وبديع مسعد.
«أنا سعيد بهذا التكريم الذي يقام لي اليوم في لبنان، والذي سبقه آخر أقيم في (مهرجانات كان) السينمائية في مايو (أيار) الماضي، بعد أن اختاروا فيلمي (إلى أين)، إضافة إلى 15 فيلما آخر من دول العالم، لتكريم مخرجيها وعرضها ضمن برنامجها لهذا العام». يقول جورج نصر في حديث لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «الفيلم يحكي عن موضوع الهجرة، وهو أمر لفتني عندما كنت شاباً حين قصدت هوليوود لأدرس في إحدى جامعاتها. وقبلها توجهت إلى البرازيل فرأيت عددا من اللبنانيين يفترشون الحدائق هناك ليناموا على مقاعدها بعد أن هاجروا إلى ذلك البلد. والأمر نفسه لاحظته في نيويورك حين شاهدت لبنانيين مهاجرين يعانون الجوع ويقفون أمام واجهات المطاعم ممنين النفس بقطعة خبز يحصلون عليها. كل هذه الصور دفعتني لدى عودتي إلى لبنان لترجمتها في فيلم «إلى أين»، من بطولة الراحلين نزهة يونس وشكيب خوري».
واكب المخرج اللبناني أجيالا كثيرة عملوا في السينما اللبنانية منذ انطلاقتها حتى اليوم، فألّف مع جورج قاعي وميشال هارون في أواخر الخمسينات ثلاثيا عمل من أجل السينما اللبنانية ونشرها في العالم. «كنّا لا نقبل تقديم إلّا أفلام سينمائية تحكي اللبنانية، ومن ثم كانت مرحلة محمد سلمان الذي مصّر السينما في لبنان، فأنتج سلسلة أفلام لبنانية ذات روح مصرية. وفي عام 1962 وإثر تأميم الرئيس الراحل عبد الناصر السينما المصرية، شهد لبنان موجة من الإنتاجات السينمائية تشكلت نجومها من مصر بالدرجة الأولى، فتحول حينها الموزع السينمائي اللبناني إلى منتج لها، بحيث كان يجري إطلاق أكثر من 20 فيلما سينمائيا في العام الواحد لا هوية أو جنسية محددة لها». وحسب نصر فإنّ السينما اللبنانية اليوم تعاني من دخلاء عليها، وهي تعيش حالة فوضى عارمة. ويوضح: «منذ أن دخل الإنتاج التلفزيوني على صناعة السينما، شهد هذا المجال تراجعا ملحوظاً، وصار هناك هجمة من أشخاص أطلقوا على أنفسهم تسميات عدة كمخرجين ومديري تصوير وغيرها، على الرغم من أنّهم لا يمتّون بصلة في عالم السينما. وانخفض مستوى هذه الصناعة بعد أن صار الفيلم السينمائي كناية عن تلفزيوني يعرض على الشاشة الذهبية. فهذه السهولة اليوم في عملية إنتاج فيلم سينمائي أساء إلى صناعتها». وأضاف: «الفيلم السينمائي هو عملية ضخمة تتطلب سيناريو وأخذ حقوق خاصين بها، وتتبعها عملية تحميض الفيلم واستخراج نسخة عمل، وكل هذه العناصر لا يتطلبها الفيلم التلفزيوني فانعكست مستوى ضعيفا عليها». وعن الفوضى السائدة في لبنان، فيما يتعلق بهذه الصناعة أجاب: «منذ أن كنت أشغل منصب نقيب الفنانين السينمائيين وأنا أجتهد للحصول على قرار رسمي من الدولة اللبنانية لتشجيع هذه الصناعة، وذلك من خلال إنشاء صندوق دعم للسينما، لأنّه في حال تمّ ذلك ستشهد هذه الصناعة ازدهاراً كبيراً، في ظل وجود عناصرها اللازمة عندنا. فاليوم يكتبون حوارات فيلم وليس سيناريو سينمائيا وينفذونه في أيام قليلة. بينما كنّا في الماضي نتعذب في البحث عن كاتب سيناريو محترف فيما كان الفيلم ومدته 90 دقيقة يتطلب منّا 5 أسابيع لتنفيذه». وبرأيك ما هي القاعدة الذهبية التي تُعنوِن هذه الصناعة وعلّمتها بدورك لطلابك الجامعيين؟: «السينما لا تسامح أحدا، فأي خطأ يقترف في فيلم ما ينعكس على فريقها كاملا. فيجب اتباع شروط ومتطلبات ضروريتين في هذا المجال وإلّا سيلاقي العمل الفشل. ومن يعتقد أنّ السينما ستدرّ عليه المال الوفير فليذهب ويعمل في أي مهنة أخرى، لأنّ هذا الاعتقاد خاطئ تماماً».
يرى المخرج جورج نصر المعجب بزميله الأميركي جون فورد، بأنّ الهوية اللبنانية غير موجودة في أفلامنا، وأنّه لاحظ هذا الأمر خلال اطّلاعه على أعمال لبنانية كثيرة، وهو يردد دائماً أمام طلّابه بأنّ الفيلم اللبناني يجب أن يكون نابعاً من الواقع اللبناني.
ولكن نادين لبكي مثلاً، قدّمت أفلاماً ذات هوية لبنانية من خلال عمليها «سكّر بنات» و«هلأ لوين» فردّ: «أثناء إحدى حفلات التكريم لنادين لبكي تقدمت منها وسلّمت عليها فقالت إنها لا تعرفني. كيف لا وأنت مخرجة فيلم «هلأ لوين» وأنا مخرج فيلم «إلى أين»؟ أليست هذه غلطة كبيرة؟» وتابع: «مع الأسف هناك نكران للماضي السينمائي من قبل الجيل الجديد، كما أنّ بعضهم لا يملك حتى فكرة عن تاريخ صناعته في لبنان». وعن سبب إعجابه بالمخرج فورد أجاب: «إن أي لقطة في أفلامه لا يمكن أن تكون عابرة، فهي ولا بدّ تحمل رسالة ما أو تكمل المشهد. ولطالما ردّدتُ أمام طلابي بأنّ الكاميرا هي الريشة التي يجب أن يخطّوا بها أفلامهم تماماً كما يستخدمون القلم للكتابة على الورق».
مرّت السينما اللبنانية بمراحل ثلاث كما ذكر لنا جورج نصر... الأولى في عام 1929 والثانية في سنة 1936، فيما الثالثة حصلت في عام 1943. وفي فترة الحرب اللبنانية صُنع نحو 30 فيلما لبنانياً، بينها 18 فيلما تناولت موضوع القضية الفلسطينية إلّا أنّ أياً منها لم يخدمها بل على العكس خدم عدوها.
يؤكد المخرج اللبناني جورج نصر الذي يبلغ الـ90 من عمره، أنّه ليس نادماً على أي مرحلة عاشها في حياته قائلاً: «أنا سعيد بما أنجزته، فلقد دخلت تاريخ السينما اللبنانية من بابها العريض وكتبت وجودي في الحياة».
آخر فيلم صوّره كان في عام 1997 بعنوان: «لبنان يروي الزمن»، وهو وثائقي عن لبنان نفّذه يومها بطلب من وزارة السياحة. وهو يتوق للعودة إلى هذه الصناعة قائلاً: «محروق قلبي» لوضع عيني على عدسة كاميرا السينما ولأقوم بفيلم سينمائي من جديد. فعندما أضبط كادر الصورة أشعر بانعكاسها علي وكأنّها قفزت إلى قلبي فأرتجف فرحا».
اليوم، يشير جورج نصر إلى أنّه بحاجة للتمويل ليعود بفيلم جديد، لكنّه لم يعتد يوما على دقّ الأبواب، وحالياً لديه 5 سيناريوهات سينمائية كاملة بينها «نحن تائهون» و«الثأر»، وهذا الأخير يتناول قصة حالات الثأر التي سمعها من أهل بلدة شمالية، فنقلها بقلمه في عام 1959 ليعود وينقحها أخيراً، بعدما أدخل على النص بناء دراميا أكثر أهمية، زوّده بها مشواره في التعليم الجامعي (15 سنة في جامعة الألبا). «لقد عرض علي شراء سيناريو هذا الأخير مرتين عندما كنت في هوليوود وفي باريس، إلّا أنّني رفضت لأنّني أرغب في تنفيذه بنفسي».
وعن الممثلين الذين يلفتونه اليوم ويمكن أن يتعاون معهم في فيلم من إخراجه أجاب: «في الأيام الماضية لم يكن لدينا في لبنان ممثلين كثر وفي فيلم «إلى أين»، لجأت إلى نزهة يونس وشكيب خوري، أمّا اليوم وفي ظل تطور هذا المجال وظهور مواهب لافتة فيه، فأنا أختار جوليا قصار ورلى حمادة كبطلات لأفلامي».



«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.