جون بورمان.. المخرج الذي حلق فوق الجوائز

«مملكة ووطن» دراما من السيرة بنكهة كوميدية

المخرج جون بورمان أثناء التصوير  -  من «ملكة ووطن»
المخرج جون بورمان أثناء التصوير - من «ملكة ووطن»
TT

جون بورمان.. المخرج الذي حلق فوق الجوائز

المخرج جون بورمان أثناء التصوير  -  من «ملكة ووطن»
المخرج جون بورمان أثناء التصوير - من «ملكة ووطن»

ليس واضحا بعد ما الذي حدث تماما، فجرى استبعاد الفيلم الجديد للمخرج جون بورمان من المسابقة في مهرجان «كان» الأخير. ليس أن الفيلم، وعنوانه «ملكة ووطن»، ليس جديرا بالتسابق، بل هو أفضل شأنا من ثلاثة أو أربعة أفلام مشتركة بكل تأكيد، وليس أنه وصل متأخرا أو أي شيء من هذا القبيل. على ذلك، جرى عرض هذا الفيلم، الذي يودع فيه المخرج البريطاني حياته المهنية، مؤكدا أنه سيكون فيلمه الأخير، خارج الاختيارات الرسمية كلها.. استقبلته مظاهرة «نصف شهر المخرجين» المستقلة عن الجسد الرسمي للمهرجان ونعمت به.
جون بورمان ليس غريبا عن المهرجان الفرنسي مطلقا إذ شارك عدة مرات وفاز من المرة الأولى بجائزة أفضل مخرج، وذلك عن فيلمه «ليو الأخير» عام 1970. نال كذلك الجائزة نفسها سنة 1998 عن فيلم «الجنرال»، ودخل متسابقا أربع مرات أخرى.
بعيدا عما حدث في المهرجان المنطوي الذي لا يفصح عن أسباب قراراته بطبيعة الحال، فإن جون بورمان، الذي ولد في لندن قبل 81 سنة، من تلك الأسماء التي لا يعيبها إذا ما اشترك الفيلم في مسابقة دولية أم لا. ولا إذا ما فاز بجائزة رئيسة خلال هذا الاشتراك أم لم يفز. من بين أترابه العاملين بالأمس، مثل كن راسل وبيتر ياتس ورتشارد لستر وألفرد هيتشكوك، ومن بين أترابه اليوم كمايك لي وكن لوتش، هو ذلك السينمائي الذي حقق أعمالا رائعة. لا أحد يذكر أي دورة لأي مهرجان أقيم عام 1972. لكنه يعلم أن العام المذكور كان عام فيلم «خلاص» لجون بورمان. ما الفيلم الفائز بمهرجان برلين أو كان أو فينسيا أو القاهرة سنة 1987؟! عليك أن تعود إلى الأرشيف، لكن أحد الأفلام التي التقت عليها قوائم نقاد السينما في ذلك العام وبشدة، هو «أمل ومجد» لبورمان.

* خلاص فلسفي
ميـز جون بورمان السينما البريطانية في الحقبة التي كثر نشاطه فيها (السبعينات والثمانينات) وبرز كأحد أمهر مخرجي تلك الفترة على الصعيد العالمي كذلك. بعد أن عمل في أشغال صغيرة (واحدة منها في مغسلة عمومية) كتب النقد السينمائي وعمل مؤلفا في تلفزيون «BBC» في مطلع الستينات. في عام 1962 ترأس وحدة الإنتاج التسجيلي في فرع المحطة في مدينة بريستول، ثم أخرج للتلفزيون بضعة أفلام من ذلك النوع. أول فيلمين للسينما كانا تسجيليين أيضا (القائمة)، وبعد ذلك انتقل مباشرة إلى هوليوود، وحقق فيها ثاني فيلم روائي له «بوينت بلانك»، بوليسي مختلف من بطولة لي مارفن. فيلمه التالي («جحيم في الباسيفيك») كان أيضا أميركيا، ومن بطولة لي مارفن أيضا (وتاشيرو مفيوني). عاد إلى بريطانيا وأخرج «ليو الأخير» عام 1970، ثم عاد مجددا إلى هوليوود ليقدم أحد أفضل أعماله «خلاص» (1972).
«خلاص» Deliverance كان مفاجأة على صعيد كبير؛ دراما حول أربع شخصيات رجالية تعيش في المدينة (التي لا نراها في الفيلم) تنطلق بقاربين لخوض مغامرة رياضية في نهر منطوٍ على ذاته، عميق بين جبال تلك الولاية الجنوبية البعيدة عن العمران. ما بدأ رحلة استكشاف للطبيعة ورياضة تجديف في نهر قد لا يبقى طويلا على حاله بسبب السد الذي سيقام عليه، يتحول إلى كابوس عندما يعترض قوم من مواطني المنطقة اثنين من هؤلاء، ويعتدون على أحدهم جنسيا. بوصول القارب الثاني تنقلب المعادلة، ويجري إنقاذ الرجلين من آسريهما، ولو أن ذلك سيكون بداية مواجهة حتمية أخرى بين الفريقين، كما بين أبطال الفيلم ومفاهيم الحضارة والحرية والقانون.
الفيلم كان حتميا، رمزيا وفلسفيا، كما كان عنيفا، والممثلون الأربعة، وهم بيرت رينولدز وند بيتي وجون فويت وروني كوكس، تحدثوا عنه طويلا بوصفه أحد أفضل أعماله.
السبعينات كانت فترة مراوحة لجون واين بين السينما الأميركية والأوروبية، وقد انتهت بعد خلافاته مع شركة «وورنر»، عندما حقق لها «طارد الأرواح 2» سنة 1977. أعماله بعد ذلك حافظت على عالميـتها، إنما من دون غطاء هوليوودي. فيها مارس بورمان طموحه الفني على نحو أكثر تحررا هذا من دون التقليل من قيمة أفلامه الأميركية المباشرة التي بدأت بفيلمه البوليسي «بوينت بلانك»، وانتهت بفيلم الرعب «طارد الأرواح 2».
لفترة تالية شهدت «الغابة الزمردية» (1985) و«أمل ومجد» (1987) و«ما وراء رانغون» (1995) و«الجنرال» (1998) ثم «خياط باناما» (2001) و«في بلدي» (2004).
ومع أن كل فيلم من أعماله يختلف عن الآخر كموضوع وكنوع، كما معالجة، إلا أننا نجد أنه وقف وراء أعمال تتعمـق في البحث الصعب؛ عن مفهوم الحياة بلا قوانين في «خلاص» و«جحيم في الباسيفيك»، وعن الروحانيات الفالتة من عقالها الأخلاقي في «طارد الأرواح 2»، وعن الرجل الباحث عن ابنه المفقود في «الغابة الزمردية»، ثم عن الأمل في النجاة من الموت المحتم في «ما وراء رانغون». ثلاثة من هذه الأفلام تقع معظم أحداثها في الغابات، وهي «خلاص» و«الغابة الزمردية» و«وراء رانغون»، رغم ذلك كل منها له قوامه المختلف، مما يجعل من الصعب تحديد نقاط اللقاء بينها.
«ملكة ووطن» Queen ‪&‬ Country هو فيلمه الأخير كما أكد. لكن لا سنوات خبرته، ولا عمره المديد ولا شهرته ونجاحاته ساعدته في تحقيق هذا الفيلم المستقل بسهولة. في إحدى المراحل شهد مشروعه يتفكك إلى أن أنقذه صديق له التقاه في أحد الأيام، وسأله عن أخباره. في اليوم التالي، تسلم بورمان منه حوالة بـنحو 200 ألف جنيه إسترليني ساعدته على المواصلة. لكن النتيجة الماثلة على الشاشة كانت تستحق كل الجهد المبذول في سبيل تحقيق هذا الفيلم الوداعي.
إنه بمثابة مواصلة لما قام به المخرج ذاته قبل 27 سنة عندما حقق فيلمه البيوغرافي السابق «أمل ومجد». حكى آنذاك جزءا من حياته صبيا خلال أحداث تقع تحت وطأة الغارات الألمانية على لندن خلال الحرب العالمية الثانية.
معالجة درامية حانية بنكهة كوميدية لأحداث من الصعب التفريق بين ما هو شخصي وقع فعلا في حياة المخرج وما هو نتاج خيالي لا بد منه. نحن هنا في الخمسينات عند أعتاب أحداث كبرى أخرى، من بينها موت الملك جورج السادس ونشوء حروب ما بعد نهاية الحرب الكبرى. ويليام (كالوم تيرنر) المنضم حديثا للجيش وبيرسي (كالين لأندري جونز) صديقان حميمان برتبة عريف في مواجهة ضابط أول (ديفيد ثيوليس) يمارس قوانين الخدمة العسكرية بالنص الحرفي، مما يتسبب في النهاية بإرساله إلى المصحة النفسية، أو كما يقول الطبيب المعالج: «كان تنفيذ تفاصيل القانون طريقته في حماية نفسه من الانهيار». في مناخ من رفض النظام العسكري، يقوم بيرسي بسرقة راديو آمر المعسكر انتقاما، وهي حادثة تنتهي بإرساله إلى السجن الانفرادي بعد سلسلة أحداث تكشف عن مفارقات وشخصيات أخرى. خارج المعسكر، يأخذنا الفيلم إلى منزل والدي ويليام الجميل (بيت فوق جزيرة وسط نهر التيمس خارج لندن) ويعرفنا بعائلته، وإلى حكاية حب أول في حياة بطله مع امرأة أكبر منه سنـا (ذكرتني قليلا بفيلم حققه روبرت موليغن سنة 1971 بعنوان «صيف 42»). الذروتان هنا هما أيضا محدودتا التأثير الدرامي، لكن المعالجة بأسرها جميلة. في سياق ذلك يقدم المخرج شخصية ويليام شابا يحب السينما فيمر «ملكة ووطن» على أفلام مثل «راشومون» (أكيرا كوروساوا‫ - 1950) و«سنست بوليفارد» (بيلي وايلدر - 1950) من بين أخرى وينتهي بويليام وقد جلب كاميرا تصوير ليبدأ بها مشوار حياته الخاصة. ‬

* أفضل خمسة أفلام لبورمان
1968: (*3)Hell in the Pacific
1970: (*4)Leo the Last
1972: (*4)Deliverance
1987: (*4)Hope and Glory
1998: (*4)The General
:1967(*4)Point Blank



«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.