المفاوضات السورية بانتظار ممر موسكو ـ واشنطن الآمن

النظام يستفيد من تضارب المسارات... وروسيا تسعى لقطف النصر عبر «سوتشي»

المفاوضات السورية بانتظار ممر موسكو ـ واشنطن الآمن
TT

المفاوضات السورية بانتظار ممر موسكو ـ واشنطن الآمن

المفاوضات السورية بانتظار ممر موسكو ـ واشنطن الآمن

لم يتغيّر المشهد في جولة مفاوضات جنيف الثامنة حول سوريا عن سابقتها باستثناء خرق وحيد تمثل في توحيد وفد المعارضة. وهو ما سينسحب على أي جهود للحل في الفترة المقبلة، إلا إذا بدّلت موسكو في موقفها، وأعلنت واشنطن تصوّراً أو خطّة واضحة لإنهاء الأزمة التي وصفها المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بـ«الأسوأ في تاريخ الأمم المتحدة».
بيد أن هذا الخرق، الذي لطالما كان من بين أبرز حجج النظام الرئيسة، رافضاً خوض مباحثات حقيقية، ومطالباً بـ«وحدة صف المعارضة»، إضافة إلى أولوية «محاربة الإرهاب» الذي بات – على الأقل في وجهه الداعشي – في نهاية فصوله في سوريا باعتراف روسيا وإيران، لم يشكل عاملاً إيجابياً في الانتقال إلى مرحلة جديدة من المفاوضات التي قال دي ميستورا إن جولة جديدة منها ستعقد في الشهر الأول من العام المقبل.
كانت حجة الشروط المسبقة القديمة الجديدة، وتحديداً تلك المتعلقة برحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد، التي نص عليها بيان «مؤتمر الرياض 2»، هي التي حملها وفده إلى جنيف ليغادر سويسرا ولا يعود إليها إلا بعد مرور نحو أسبوع على انطلاق القسم الثاني من الجولة الثامنة. وهي الجولة التي كانت تدرك المعارضة مسبقاً نتائجها، معتبرة أن أقصى ما قد يتحقّق خلالها هو المفاوضات المباشرة، وهو ما لم يجد طريقه إلى التنفيذ نتيجة تعنّت النظام.
وبعدما كان المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا قد أعلن أنه سيحدّد الجهة المعطلة للمفاوضات، فإنه حمّل في نهاية الجولة الثامنة الخميس الماضي، بشكل واضح وصريح، النظام هذه المسؤولية «عبر رفضه التحاور» مع المعارضة. ومن ثم، وحثّ موسكو على الضغط عليه، معتبراً أن ما حصل «إضاعة فرصة ذهبية». وأردف «رغم الجهود الكبيرة لم نحصل على مفاوضات حقيقية. لكننا أنجزنا مباحثات ثنائية»، موضحاً «لكن مع النظام لم نتباحث، للأسف، إلا في موضوع واحد (...) الإرهاب».
وأوضح المبعوث الدولي أن المعارضة تناولت من جهتها الموضوعات الأربعة التي حددتها الأمم المتحدة في جدول أعمال المباحثات، أي الحكم، والدستور، والانتخابات بإشراف المنظمة الأممية، والإرهاب. وكان قد أدرج ثلاثة من هذه العناوين ضمن القرار 2254 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في 2015، في حين أضيف العنوان الرابع حول الإرهاب في 2017 بناءً على إلحاح النظام.

جنيف في خطر
من جهته، حذر الدكتور نصر الحريري، رئيس وفد الهيئة العليا التفاوضية للمعارضة، مما وصفه بـ«الخطر الحقيقي» على عملية جنيف، مشيراً إلى أن الوفد منذ الأيام الأولى طالب بمفاوضات مباشرة، وقدَّم أكثر من 25 ورقة، لكن في المقابل النظام يرفض المفاوضات ولم يقدم أوراقاً ذات فاعلية، بل جاء إلى جنيف لاغتيال السلام. وتابع الحريري «الانتخابات المحلية والرئاسية والبرلمانية حق لنا معترف به بالقرار 2254، وهي ليست شرطًا مسبقًا، ولن نتنازل عنه».
وتجدر الإشارة إلى أنه في بداية «جنيف 8» كان دي ميستورا قد أعلن أن هذه الجولة لن تناقش مصير الرئاسة، بل ستركز على العملية الدستورية والانتخابات التي ستشرف عليها الأمم المتحدة. وقدّم في مرحلتها الأولى وثيقة المبادئ العامة المعدّلة من 12 بنداً، طالباً من النظام والمعارضة وضع ملاحظتهما عليها. وبين الشائعات والمعلومات المتناقضة، في بعض الأحيان، التي خيّمت على أجواء جولة جنيف الثامنة، يبقى من المؤكد أن الأمور لم تصل إلى خواتيمها بين روسيا وأميركا بشأن الحل السياسي في سوريا، وهذا في وقت تحاول موسكو قطف ثمار «النصر» – الذي ترى أنها حققته –، ثم الدفع باتجاه إحياء مسار تفاوضي جديد متمثل بـ«مؤتمر سوتشي» الذي استضافته موسكو في منتجع سوتشي الروسي على البحر الأسود. وهذا الأمر ترى فيه المعارضة سبباً إضافياً لتعمد موسكو إفشال «جنيف»، والامتناع عن الضغط على وفد النظام للدخول في مفاوضات جدية رغم قلة وضوح الصورة النهائية التي سيكون عليها هذا المؤتمر.

2018 عام الحل؟
وفي حين يرى البعض أن هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحقيق تقدم في الأزمة السورية قبل الانتخابات الروسية في شهر مارس (آذار)، وهو ما ليس بالأمر السهل، يلفت الدكتور خطار بو دياب، الباحث في شؤون الشرق الأوسط وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، إلى أن موسكو «تأمل أن يكون عام 2018 عام الحل في سوريا. وهي تحاول لتحقيق ذلك، الدفع باتجاه سوتشي في موازاة عدم حسم واشنطن تصورّها أو خطتها حيال الأزمة، وتحديداً، حول مصير رئيس النظام بشار الأسد».
في المقابل، تجد المعارضة أن أفق الحل لا يزال مسدوداً، وهو ما يعبّر عنه الدكتور يحيى العريضي، المتحدث الرسمي باسم المعارضة، إلى جنيف بالقول «... لا نتوقّع شيئاً ما لم تحسم روسيا خيارها بتطبيق القرارات الدولية». ويتابع العريضي: «إن الكرة اليوم في ملعب موسكو والأمم المتحدة بشكل رئيس»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، شارحاً «كل جولات المفاوضات باءت بالفشل نتيجة تعنّت النظام، وإذا ما بقي الوضع على ما هو عليه فإننا لا نرى أي تقدم في المدى القريب. هناك واجب على الأمم المتحدة ودي ميستورا يتمثل في وضع النقاط على الحروف، وتحديد الجهة التي تقف خلف التعطيل الذي يساهم في تفاقم المأساة السورية وجلب الإرهاب وإعادة تفعيله (أي الإرهاب) ليستفيد منه النظام. كما أن على موسكو، للإيفاء بوعودها وبالقرارات التي وقّعت عليها، للضغط على حليفها وحثه على التفاوض».

موسكو تدفع نحو «سوتشي»
الباحث بو دياب ينطلق في كلامه عن المعطيات التي ترافق الأزمة السورية ومفاوضاتها، شارحاً أنه «منذ (جنيف 2) يرفض النظام التفاوض لأنه يعارض منطق التسوية، ويعمل وفق مبدأ كل شيء أو لا شيء. وبالتالي لم ينجح دي ميستورا حتى في تحقيق على الأقل، مطلب المفاوضات المباشرة». ويستطرد: «من هنا يبدو واضحاً أن النظام لا يبدو جاهزاً لخوض العملية السياسية رغم الكلام الطيب والدبلوماسي الذي نسمعه وتسمعه المعارضة من موسكو... وهو بذا يراهن على تضارب مسارات المفاوضات، وتحديداً عبر مسار جنيف، الذي يدور منذ جولته الثانية في حلقة مفرغة، ومسار آستانة، الذي وأن نجح في تخفيف التصعيد في بعض المناطق، فإنه كان غطاءً له للتوسّع وسيطرته على مناطق إضافية... وأخيراً يضاف إليها اليوم محاولة موسكو إحياء مسار سوتشي الذي تريد جعله محطة لشبه حل للأزمة وإن كان الحل النهائي في جنيف». ويشير بو دياب إلى أن جانب المعارضة مع تأكيده وتمسكه بـ«جنيف» يربط المشاركة في سوتشي بأهدافه، موضحاً «لن نعترض على المشاركة فيه إذا كان هدفه، مع تشديدنا على هذا الأمر، إيجاد حل وتحقيق انتقال سياسي يمكّن السوريين من ممارسة حقّهم وإيقاف الحرب».
في هذا السياق، كان قد أُعلن عن النية بعقد «مؤتمر وطني سوري» في سوتشي سيضم ممثلين عن النظام والمعارضة من دون تحديد الموعد، بعد القمة التي عقدت في المدينة الروسية، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر «الرياض 2»، وحضر القمة الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني.
وفي وقت لاحق أعلنت موسكو عن تأجيل عقد المؤتمر إلى الشهرين المقبلين، من دون أن تحدد موعده النهائي لغاية الآن. وفي حين تنظر إليه روسيا بوصفه «فرصة حقيقية» لتسوية الأزمة المستمرة منذ عام 2011، يؤيده النظام ويرى أنه «سيرسم الحل السياسي لطرحه لاحقاً في جنيف».
مع العلم، أن روسيا وإيران وتركيا ترعى مفاوضات آستانة بين النظام والمعارضة العسكرية التي أتاحت إقامة أربع مناطق «خفض توتر» في إدلب (شمال غربي سوريا) وحمص (وسط البلاد) والغوطة الشرقية المتاخمة لدمشق، وكذلك في الجنوب، ساعدت في تراجع العنف في معظمها باستثناء بعض المناطق، ولا سيما الغوطة التي تعاني من حصار خانق وحملة عسكرية عنيفة.

بوتين: الأمر لي في سوريا
وفي موازاة تضارب المسارات «تغيب الإرادة الدولية»، بحسب بو دياب، وتحديداً تلك المتعلقة «بغياب خطة واضحة لواشنطن التي تلعب دوراً سلبياً أيضا، وهو ما تستفيد منه موسكو الذي كان تأثيرها واضحاً من خلال زيارة بوتين إلى قاعدة حميميم منافساً على انتزاع النصر... وقائلاً.. الأمر لي».
من هنا وأمام هذا الواقع، يؤكد بو دياب «قبل التوافق بين موسكو وواشنطن لن تجد المفاوضات السورية ممراً آمناً للطريق التي باتت أكثر تعثّرا وصعوبة، بعدما لم تعد تقتصر على مصير الأسد، إنما باتت تتعلق بمستقبل سوريا المفكّكة أو الموحّدة أو الفيدرالية، وكذلك بمصير الجيش ومستقبله». ويضيف «لغاية الآن يمكن القول إن عدم سقوط مسار جنيف هو دليل على أن هذا المسار هو النقطة الوحيدة المشتركة بين الأميركيين والروس الممسكين بورقة النظام، ولا يعدو إعلان بدء انسحابهم العسكري إلا سياسياً». ثم يوضح «هذا الانسحاب ليس أكثر من رسالة طمأنة للرأي العام الروسي، ودعوة إلى الأميركيين للانسحاب أيضاً من سوريا، مع العلم، أن قواعد موسكو العسكرية تشكل نقطة ارتكاز لها في سوريا والشرق الأوسط... وهي لن تتخلى عنها بعدما جعلت من بوتين يتعامل مع الساحل السوري على أنه مقاطعة روسية».

مصير الأسد هل بات محسوماً؟
هذه الورقة السياسية تمتلكها موسكو في سوريا نتيجة تدخلها العسكري الذي ساهم خلال سنتين في إعادة سيطرة النظام على نحو نصف المساحة التي كان قد خسرها منذ بدء الأزمة عام 2011، وهي اليوم تشكل الدعم الأبرز للنظام. ولذا؛ فهذا الأخير يتمسك بموقفه مستفيداً من اللعب على الوقت والمماطلة، إلا أنه سرعان ما سيجد نفسه مجبراً على التراجع عنه في اللحظة التي يتفق فيها بوتين مع واشنطن، بحسب ما يرى بو دياب.
لكن، هل سيشمل هذا التراجع بقاء الأسد في السلطة، ليس فقط في المرحلة الانتقالية إنما حتى في الانتخابات المقبلة عام 2021؟ وللعلم، هذا ما أشارت إليه مجلة «النيويوركر» بعدما كان دي ميستورا قد دعا المعارضة إلى أن تكون واقعية وتدرك أنها لم تكسب الحرب.
وهل الضغوط التي تتعرض لها المعارضة ستؤدي إلى تخليها عن مطلب رحيل رأس النظام؟ الإجابة عن هذا السؤال بالنسبة إلى البعض هي أن بقاء الأسد في السلطة بات شبه محسوم، وهو ما يلفت إليه بو دياب بالقول: «قراءة الأمور كما هي تجعلنا نتأكد بأنه بعد كل هذه السنوات لا يمكن للأسد أن يتزحزح من مكانه إلا بإرادة شخص واحد وهو الرئيس الروسي... الذي إذا اكتشف أن رحيله يسهّل علاقته مع واشنطن قد يتخذ هذا القرار في الوقت واللحظة المناسبة».
في المقابل، يرفض مصدر في «الائتلاف الوطني السوري» التعليق عن معلومات المجلة الأميركية قائلاً: «لطالما أصدر الأميركيون تصريحات من هذا النوع وتراجعوا عنها لأنها غير واقعية وغير حقيقية، وبالتالي فإننا لا نرد على تسريبات وأوهام من هذا النوع».
هذا، وكانت مجلة «النيويوركر» الأميركية قد نقلت الثلاثاء الماضي عن مصادر أميركية وأوروبية وصفتها بـ«المسؤولة»، أن الرئيس دونالد ترمب لا يمانع في بقاء بشار الأسد في السلطة حتى عام 2021، وهي معلومات تختلف عن تصريحات وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي أكد أنه لا مكان للأسد في مستقبل سوريا.
وفي حين كانت التقارير قد أشارت إلى أن رحيل الأسد هو الذي كان السبب في الخلافات بين أعضاء الهيئة العليا التفاوضية واستقالة منسقها العام الدكتور رياض حجاب، وعدد من الأعضاء قبل مؤتمر «الرياض 2» الذي نتج منه توحيد وفد المعارضة. ينفي العريضي ادعاء عدد من أعضاء المعارضة تعرضها للضغوط «ومحاولات خفض سقف الثورة وإطالة أمد النظام»، واعتبار البعض هذا تراجعاً في خطاب المعارضة أو مطلب تنحي الأسد، ويؤكد العريضي «المطلب هو إسقاط كامل المنظومة، وعلى رأسها الأسد وكل من قتل الشعب السوري».
ثم يوضح «عند حصر مطالب السوريين وإصرارهم على التغيير بتغيير شخص واحد يعني ذلك تصغير القضية السورية، لأنها ليست صراعاً على كرسي سلطة، بل ثورة للحرية وحق تقرير المصير وممارسة الانتخابات». ويضيف «وهذا الأمر يستلزم الانتقال السياسي وتغيير كل من كان موجوداً في السلطة وثبت مسؤوليته عن الإجرام».

ضغوط على المعارضة...
وبعد الكلام عن ضغوط تتعرض لها المعارضة، نقلت وكالة «الأناضول» عن مصادر وصفتها بـ«الموثوقة» الثلاثاء أن الاجتماع الذي عقد في جنيف يوم الاثنين بين وفد المعارضة والمبعوث دي ميستورا في إطار الجولة الثامنة من جنيف كان عاصفاً. وبحسب تلك المصادر، فإن المبعوث الدولي اعتبر أن «المعارضة فقدت دعمها الدولي»، وأنها إذا ما شاركت في مؤتمر سوتشي المقبل من دون تحقيق تقدم في سلة الدستور خلال اجتماعات جنيف الحالية، فإنها «ستتلاشى وتضيع هناك»، وسيكون «سوتشي بديلاً لجنيف».
ولفتت المصادر ذاتها أن دي ميستورا قال: إن «المعارضة تحلل القرار الدولي 2254، وبيان (جنيف1) (2012) بشكل خاطئ، وتدلي بتصريحات ترفع من سقفها دون أساس واقعي».
في هذا الإطار، يرى بو دياب، أنه لا يمكن «جلد المعارضة» وتحميلها أكثر مما تحتمل، قائلاً: «المشكلة ليست عند المعارضة التي تخلّى عنها العالم في وقت أراد النظام خلق معارضة على مثاله»، متابعاً «إن كان خطأها الدخول في لعبة الأدلجة وغياب قوى طليعية في أوساطها».
وأتى ذلك بعدما كانت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) قد أشارت إلى أن ضغوطاً دبلوماسية تحاصر وفد المعارضة في جنيف لـ«تجميد» مطلب تنحي رئيس النظام السوري. ونقلت الوكالة عن عضو في وفد المعارضة - رفض نشر اسمه – قوله: «يكرر معظم الدبلوماسيين الذين زارونا الدعوة ذاتها، عليكم التحلي بالواقعية إذا كنتم تريدون تسوية النزاع». وأضاف: «يريدون منا تجميد مطلب تنحي الأسد، وليس التخلي عنه تماماً». وذكر هذا المصدر أن الوسطاء الغربيين يقولون للمعارضة إن فكرة «تجميد» مطلب تنحي الأسد هي من باب «إحراج وفد النظام» ودفعه للقبول بمفاوضات مباشرة معها.
ختاماً، يشكل مصير الأسد العقبة الرئيسية التي اصطدمت بها جولات المفاوضات كافة بين النظام ومعارضيه، مع رفض النظام المطلق النقاش في هذا الموضوع، وفي المقابل، تمسك به المعارضة كمقدمة للانتقال السياسي، وأكدت عليه في بيان «الرياض 2».



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.