ضاحي خلفان.. مسيرة {قائد شرطة}

انتقاداته اللاذعة لجماعة الإخوان.. جذبت الأنظار

ضاحي خلفان..  مسيرة {قائد شرطة}
TT

ضاحي خلفان.. مسيرة {قائد شرطة}

ضاحي خلفان..  مسيرة {قائد شرطة}

عرف الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام السابق لشرطة دبي، الذي أصبح الآن نائبا لرئيس الشرطة والأمن العام في دبي، بحضور لافت إبان قيادته لقطاع الشرطة، كما أنه عرف عنه حضوره السياسي غير المباشر من خلال مواقفه المعلنة ضد جماعة الإخوان المسلمين، وأطروحاته المختلفة في قضايا سياسية وخصوصا في ما يتعلق بعلاقة إيران مع دول مجلس التعاون الخليجي.
وأصبح الفريق ضاحي خلفان محط أنظار المصريين والعرب منذ قضية مقتل سوزان تميم عام 2008، مرورا بانتقاداته لجماعة الإخوان المسلمين التي تولت الحكم في مصر عام 2012، إلا أن قياديا في الجماعة بالقاهرة عد تصريحات خلفان «سلبا أو إيجابا» تدخلا في شؤون البلاد.
وقال عنه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إنه «يعد نموذجا للولاء والانتماء والتفاني في حب الوطن وخدمته والسهر على أمنه وسلامته، وللدور الكبير الذي لعبه الفريق خلفان في إرساء منظومة أمنية متكاملة وفعالة، ساهمت في تحقيق أعلى معدلات الأمن والاستقرار المجتمعي ومكنت من توفير المناخ الآمن والمستقر الذي يعتبر من أهم مقومات النهضة الشاملة».
خلفان هو من مواليد مدينة دبي، حيث ولد في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1951، ابتعث إلى الأردن في أول بعثة تدريبية لشرطة دبي خارج الإمارة ليتخرج منها عام 1970، وذلك قبل قيام دولة لإمارات، كما حضر الكثير من الدورات التدريبية في مجال العمل الشرطي والمباحث الجنائية.
في عام 1979 عيّن نائبا لقائد عام شرطة دبي، وترقى في مناصبه حتى عين عام 1980 قائدا عاما لشرطة دبي، استطاع من خلال منصبه أن يسهم في بناء قطاع الشرطة في دبي، الذي يعتبر واحدا من أكثر القطاعات تطورا، وذلك من خلال تبني أعلى معايير الجودة التي استطاعت أن تتواكب مع رؤية دبي في تبنى أعلى معايير الجودة العالمية، لينضم مع القطاعات الكبرى في دبي، التي شهدت تطورا متتابعا خلال العقود الماضية وحتى الآن.
حصل قائد شركة دبي السابق على شهادة درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة الحياة الجديدة المفتوحة للتنمية البشرية لجهوده في التنمية الأمنية، وشارك في إنشاء أول إدارة لرعاية حقوق الإنسان في عام 1995، كما شغل منصب مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وقبل أيام أصدر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء، بصفته حاكما لإمارة دبي، مرسوما يقضي بتعيين اللواء خميس مطر المزينة، قائدا عاما لشرطة دبي، خلفا لضاحي خلفان، الذي بات يشغل منصب نائب لرئيس الشرطة والأمن العام في دبي، وفقا لمرسوم أصدره الشيخ محمد في أكتوبر الماضي، في حين قال الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية ووزير الدولة لشؤون مجلس الوطني الاتحادي في تغريدة له على مواقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «تحية وتقدير للأخ ضاحي خلفان على جهده في تطوير شرطة دبي والوصول بالمؤسسة إلى حرفيتها العالمية».
وشغل ضاحي خلفان منصب رئيس اتحاد الإمارات لألعاب القوى سابقا، وله بعض المؤلفات في كفاءة الأداء الشرطي في غرف العمليات، وساهم في إنشاء «غرفة العمليات الشرطية»، بالإضافة إلى إدخال نظام مراقبة الدوريات عبر الأقمار الصناعية، كما قام بإنشاء المختبر الجنائي، وإدخال نظام البصمة الوراثية (دي إن إيه)، وعمل على إدخال نظام المرور الإلكتروني في عام 1986، كما أدخل الكثير من الإصلاحات كإنشاء قسم الطب الشرعي وفرق الإنقاذ البحري، والبري، والجوي. وإنشاء نظام البصمة الإلكترونية على مستوى الدولة، وإنشاء أكاديمية شرطة دبي وإنشاء إدارة التخطيط والموارد البشرية، وإدارة أمن الهيئات والمنشآت، وإدارة حقوق الإنسان.
نالت شرطة دبي تحت قيادته عام 1998 جائزة أفضل دائرة في الأداء الحكومي المتميز في أول مسابقة تجريها حكومة دبي، كما نالت شرطة دبي ثماني جوائز عام 1999، وتسع جوائز عام 2002، وثلاث جوائز عام 2003، من جوائز الأداء الحكومي المتميز لفئات مختلفة في تلك الأعوام.
يعرف عنه مشاركته الفاعلة في العمل الأهلي والتطوعي، فقد أنشأ ورأس جمعية توعية ورعاية الأحداث بدبي، وهو رئيس لجمعية الإمارات لرعاية الموهوبين، ورئيس لمجلس آباء منطقة دبي التعليمية، وقد رأس سابقا اتحاد الإمارات لألعاب القوى، وأنشأ ورأس جمعية الإمارات للسنوكر، وكان عضوا بمجلس إعمار دبي، وعضوا بالمجلس البلدي للإمارة.
لديه الكثير من الكتب المؤلفة في مجال العمل الشرطي، هي: «نظام النقاط السوداء وأثره على فعالية الضبط المروري»، و«الشرطة وحقوق الإنسان»، و«دور الشرطة في علاج وتأهيل المدمنين التائبين»، وغيرها، كما ألف في مجال القضايا العامة كتبا، منها «راشد والمسيرة البناءة»، و«هم وأرق على الورق»، و«كلام في الدعاية والإعلان والتسويق»، و«التخطيط المحكم».
شكلت تحقيقاته خلال فترة قيادته لشرطة دبي مفترقا عمليا، خصوصا في قضية اغتيال قيادي حماس محمود المبحوح في دبي، حيث استطاع إبراز قدرة دبي على متابعة كل ما يحدث في أراضيها، من خلال عمليات مراقبة الحركة الموجودة، التي عززت وضع دبي كمدينة تتميز بالأمن والأمان، وذلك بعد أن كشف خلال أيام قليلة أن من يقف وراء اغتيال المبحوح هو جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد).
وقال إنه تلقى تهديدات من الموساد بعد أن كشف معلومات تتعلق بقضية اغتيال المبحوح، وتضمن التهديد في رسالة تتضمن «احمِ ظهرك إن كان بمقدورك أن تظل طليق اللسان»، كما قال إن شخصا مزدوج الجنسية تبين أنه عضو سابق في الموساد بعث له.
كما ساهمت شرطة دبي في عهده بالكشف عن أدلة في قضية مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، حيث قدمت شرطة دبي أدلة تدين محسن السكري، حيث كان الشخص الموجود في دبي، وأرسلت الشرطة الخبراء والضباط المحققين وجميع ما طلبته المحكمة في القاهرة.
وخلال أحداث الربيع العربي سجل ضاحي خلفان مواقف ضد جماعة الإخوان المسلمين، حيث قال إنهم يشكلون خطرا على أمن دول الخليج العربي، لأنهم يخططون لقلب أنظمة الحكم.
يقيم ضاحي خلفان بمنطقة الجميرا بدبي، وهو متزوج لديه من الأبناء خمسة، 3 بنات وولدان. وعاد اسم خلفان للواجهة بمصر بعد ترقيته أخيرا ليكون في موقع أكبر من السابق وليتوعد بطريقته الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي جماعة الإخوان مجددا. والرجل مولود في دبي في الأول من أكتوبر عام 1951 تحول إلى واحد من أبرز النجوم على الساحتين المصرية والعربية رغم أن عمله الأساسي هو قيادة شرطة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وظهر اسمه لأول مرة بشكل قوي على ساحة الإعلام المصري حين كشفت تحقيقاته النقاب عن ضلوع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى وأحد مساعديه في قضية مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم منذ نحو خمس سنوات، وهي القضية التي نالت تغطية واسعة من وسائل الإعلام بسبب اختلاط الجريمة الجنائية بالسياسية، خصوصا أن مصطفى كان نائبا في البرلمان ومقربا من رجال الدولة المصرية في ذلك الوقت.
كما أصبح الرجل محط أنظار العالم حين نجحت شرطة دبي في 2009 في كشف تفاصيل اغتيال القائد الشيشاني السابق سليمان مادوف، أثناء وجوده في دبي، ثم زاد الاهتمام بخلفان أثناء التحقيقات في قضية اغتيال محمود المبحوح، القيادي في كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في دبي عام 2010، واتهم فيها، حينذاك، عناصر تابعة للموساد الإسرائيلي بتدبير عملية الاغتيال، وكشف عن تفاصيل القضية خلال وقت قصير.
كما أظهرت كاميرات المراقبة المتهم الرئيس في قضية مقتل تميم وهو يصعد لشقتها ويخفي ملابسه الملوثة بالدم، ظهر على شاشات التلفزيون حول العالم، بعد ذلك صور المتهمين بقتل المبحوح وهم يتنقلون عبر ردهات الفندق قبيل تنفيذ الجريمة.
ثم عاد اسم الفريق خلفان مرة أخرى بقوة على ساحة الإعلام المصري بعد تولي جماعة الإخوان المسلمين الحكم في مصر عام 2012، ومحاولات هذا التنظيم الانتشار والتمدد في عدد من بلدان الخليج، بما فيها دولة الإمارات حين اكتشفت شرطة دبي بقيادة خلفان أيضا خلية إخوانية تضم نحو 56 عنصرا كانت تخطط لممارسة نشاط يخالف القانون في ذلك البلد، ومن هنا بدأت الجماعة وهي في قمة السلطة في مصر منذ صيف العام الماضي الهجوم والانتقاد ضد دولة الإمارات وقائد شرطة دبي.
وتمكن ضاحي خلفان من استغلال وسائل الاتصال الحديثة، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في التصدي لهجوم الإخوان، ليرد من خلال صفحاته على «تويتر» و«فيس بوك» على جماعة الإخوان، في وقت كانت فيه الغالبية العظمى من المصريين تضج من حكم الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي المنتمي إلى الجماعة. ولهذا كانت الانتقادات اللاذعة التي يبثها خلفان بين حين وآخر ضد الجماعة في مصر تحظى باهتمام واسع بين المصريين، وتتناقلها وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة.
ويقول بعض المقربين من الفريق خلفان وبعض ممن عرفوه خلال السنوات الماضية إن الرجل يتميز بالكثير من الخصال النادرة في القيادات العربية التي ظهرت على السطح في السنوات الأخيرة، من بينها أنه رجل أمني عصري يعتمد في تحقيقاته على الأساليب العلمية، مستندا في ذلك إلى نظام سياسي لا يتدخل في الشأن القضائي.
ويضيف أحد نواب البرلمان في دولة البحرين ممن تعاملوا مع الفريق خلفان أثناء قضية سوزان تميم، موضحا لـ«الشرق الأوسط» خلال وجوده أخيرا في القاهرة، أن الرجل مورست عليه ضغوط كبيرة من قيادات مصرية في النظام السابق لحل حادثة مقتل تميم بطريق ودي وبتعويضات لأسرتها تصل إلى ملايين الدولارات، بشرط أن يكون الأمر برمته بعيدا عن الإجراءات القضائية، إلا أنه رفض ذلك، ورد بشكل حاسم بقوله إن القانون لا بد أن يأخذ مجراه بغض النظر عن الشخصيات التي يمكن أن يطالها.
ومن بين مميزات خلفان أنه لم يترك نفسه لمجال العمل الشرطي فقط، بحسب ما يقوله صديقه البحريني المشار إليه، ولكنه «موجود في الحياة العامة، وله حضور في الكثير من المناسبات السياسية والاجتماعية.. إنه يشبه الشريف (الشرطي) الأميركي الذي يوجد في كل مكان، كما صورته سينما هوليوود.. أعتقد أن هذا يصب في مصلحة عمل خلفان»، الذي جرى تعيينه قائدا عاما لشرطة دبي منذ عام 1980.
وشارك الفريق خلفان في العمل العام من خلال مشاركته في إنشاء أول إدارة لرعاية حقوق الإنسان في منتصف التسعينات، وكذا عضويته في المجلس التنفيذي في حكومة دبي وعضويته في مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية، وله خبرة في إدارة الكثير من المجالات البعيدة عن السياسة والشرطة، منها رئاسته لاتحاد الإمارات لألعاب القوى، وتأليفه كتبا عن مجال العمل الشرطي العصري، كما طبق نظام مراقبة الدوريات عبر الأقمار الصناعية، وإنشاء المختبر الجنائي، وإدخال نظام البصمة الوراثية في التحقيقات.
ولم يبادر خلفان بمهاجمة الإخوان إلا بعد أن اكتشف على ما يبدو أن ما انتفضت الجماهير من أجله في «ثورات الربيع العربي»، لم يتحقق منه شيء، وأن جماعات أخرى استفادت من هذه الانتفاضة لتحقيق مآربها، وعلى رأسها الإخوان، باعتباره تنظيما دوليا عابرا للحدود، ويعمل داخل بعض الدول ضد حكوماتها الوطنية. ومما قاله خلفان وأغضب الإخوان أنها جماعة مصدر خطر على أمن دول الخليج.
وبالعودة إلى النائب البحريني، صديق خلفان، فإن أحد أسباب الاهتمام الإعلامي الواسع بما يقوله عن الإخوان هو اعتماده على الأسلوب الساخر والجمل القصيرة والمباشرة في الانتقاد. ومن أقوال خلفان أن جماعة الإخوان أسقطت الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأنه (أي خلفان) سوف يسقط الإخوان. وقوله أيضا إن تنظيم الإخوان قائم على «قانون الطماطم». واستخدام خلفان أحد التعبيرات كان مرسي قاله خلال لقاء مع رئيسة وزراء ألمانيا، أنجيلا ميركل، في برلين، حين أشار وهو يخاطب الألمانيين: «أنتم تقولون الجاز والخمر Don›t Mix» (لا يختلطان). وهنا قال خلفان مداعبا: «إخوان ودين Don›t Mix».
ثم زادت انتقادات الرجل من غضب التنظيم الدولي للإخوان حين هاجم أحد أبرز قيادات الجماعة وهو الشيخ يوسف القرضاوي، ما تسبب في توتر في العلاقات بين الإمارات ونظام حكم الإخوان قبل سقوطه في يوليو (تموز) الماضي. إلا أن التغيير الكبير الذي جرى في مصر وترتب عليه الإطاحة بمرسي، وبروز اسم قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي، أعاد العلاقات المصرية مع الإمارات ومع غالبية دول الخليج إلى سيرتها الأولى من التقارب والتعاون وعدم التدخل في شؤون بعضها بعضا.
ولم يترك ضاحي خلفان هذه المناسبة ليشارك ملايين المصريين فرحتهم بالتخلص من مرسي، ووصف السيسي بأنه صمام أمان للأمة.
ويقول خلفان إنه لا توجد خصومة بينه وبين جماعة الإخوان، ولكنه يقف ضد محاولة هذا التنظيم «زعزعة الأمن في بلداننا»، بينما ترى قيادات في جماعة الإخوان أن خلفان «تجاوز حدوده كثيرا ضد قيادات الجماعة والرئيس محمد مرسي»، وقال أحد قياديي حزب الحرية والعدالة التابع للجماعة في محافظة المنيا، طالبا عدم ذكر اسمه بسبب الملاحقات الأمنية للإخوان في مصر، إن انتقادات خلفان «نعتبرها تدخلا في شؤون مصر الداخلية منذ فوز مرسي بالرئاسة حتى اليوم، سواء كان ما يقوله عن مصر بالسلب أو بالإيجاب».



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.