«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط

تداعيات عالمية لاعتراف أميركا بالقدس عاصمة لإسرائيل

«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط
TT

«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط

«إعلان ترمب»... يدفع الفلسطينيين إلى الحائط

الذي يعرفه الفلسطينيون جيداً، أنه لا يمكن توقيع اتفاق سلام وإنهاء الصراع مع إسرائيل، من دون أن تكون القدس عاصمةً للدولة الفلسطينية، وذلك لأنها باختصار «القدس»... المدينة التي تضم أقدس المقدسات الإسلامية والمسيحية، و«درة تاج المدن الفلسطينية»، والوحيدة المرتبطة بشكل عميق بالرواية والتاريخ والدين.
ولا يفهم الفلسطينيون وحدهم هذه الحقيقة. بل يفهمها العالم كله، ولذا امتنع عن تأييد ضم إسرائيل للمدينة بشقيها الشرقي والغربي، حتى جاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأعلن الأربعاء الماضي، اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل... في «إعلان» وضع الجميع، العالم والفلسطينيين والعرب، في اختبار صعب ومعقد، وفتح الأبواب على احتمالات لا حصر لها.
في مرحلة ما، صعبة ومتقدمة في مفاوضات كامب ديفيد في الولايات المتحدة قبل 17 سنة، التي حضرها كل من الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ضغط الأميركيون والإسرائيليون على عرفات من أجل «حل وسط» في القدس. ذلك «الحل» يشمل سيادة فلسطينية مع ترتيبات سيادية لإسرائيل في أمتار محددة في المسجد الأقصى، إلا أن عرفات أمام ذهول كلينتون وطاقمه، رفض ذلك بشدة، قبل أن يحتدّ النقاش ويتهمه كلينتون بأنه جاء هنا ليقول «لا» فقط. ثم ضغط عليه أكثر واستعان بطاقمه من أجل قبول أو تأجيل الاتفاق على القدس، فناداه عرفات لحضور جنازته إذا وافق على التنازل عن أمتار من القدس أو تركها بلا حل.
كان عرفات الزعيم الفلسطيني الأقدر على إنجاز اتفاق بهذا الشكل، لأنه كان يملك آنذاك كل شيء؛ كاريزما كبيرة، وشعبية جارفة، وتاريخاً طويلاً يحترمه الفلسطينيون كثيراً، و«قبضة حديدية» على السلطة، ودعماً عربياً وغربياً شبه مطلق، لكنه لم يفعل. وفق هذا الفهم «العرفاتي» يعمل القادة الفلسطينيون الآخرون، إذ في فلسطين ثمة مقولة معروفة «لا أحد يمكن له أن يقدم تنازلاً لم يقدمه عرفات». واليوم بعد نحو 3 عقود من المفاوضات، التي لم تحسم ملفاً واحداً، حتى الملفات الأسهل من القدس، يعترف الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب بالقدس «عاصمة كاملة لإسرائيل»، منحازاً إلى الرواية الإسرائيلية، ومتجاهلاً الروايتين الفلسطينية والعربية التاريخية والدينية... وهذا بجانب تدميره، كما يقول منتقدو الرئيس الأميركي، عملية السلام المترنحة، ووضعه الشرق الأوسط كله على مرجل يغلي، ودفعه الفلسطينيين إلى الحائط... مجبراً إياهم على مواقف وقرارات ما كانوا يرغبون بها في يوم من الأيام.

هدوء ما قبل العاصفة
في الحقيقة، لم يتوقع المسؤولون الفلسطينيون إقدام ترمب على هذه الخطة، ربما لأنهم اعتقدوا، على الأقل، أن الصفقة التي يحضّر لها الرجل ستمنعه من خطوات تدميرية، ولأنه أيضاً يحظى بعلاقات جيدة مع دول عربية ترفض المسّ بالمدينة، لكن ترمب اعتبر أن خطوته هذه تمثل «نهجاً جديداً» تجاه النزاع العربي الإسرائيلي. وهو مبرر لم يفهمه الفلسطينيون الذين وضعهم الرئيس الأميركي في «الزاوية» ودفعهم من أجل مواجهةٍ ربما لا قِبلَ لهم بها.
الآن يدرس الفلسطينيون خياراتهم الصعبة. وبصراحة قال مصدر فلسطيني كبير لـ«الشرق الأوسط» إن «الخيارات صعبة لكن لا يمكن أن يمر القرار مرور الكرام». وأضاف «ندرك الحاجة إلى الأميركيين. لسنا دولة يمكن أن تحارب الولايات المتحدة، لكن سنقول لهم (لا) كبيرة مهما كلف الأمر». وأردف المصدر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي بدأ مشاورات مكثفة مع زعماء دول غربية وعربية، سيعقد سلسلة اجتماعات للهيئات القيادية؛ مركزية فتح، وتنفيذية منظمة التحرير، واجتماع استثنائي للمجلس المركزي لمنظمة التحرير. وتابع: «سيتم التشاور والنظر في عدة اقتراحات. سنبحث سبل الرد».
على الطاولة اقتراحات مختلفة، بعضها ستقدمه فصائل مثل حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، ستحضران اجتماع المجلس المركزي. ومنها قطع العلاقات مع واشنطن، ورفض أي دور لها في العملية السلمية، وتقديم شكوى في مجلس الأمن. وهذا مع إمكانية الدعوة إلى الانسحاب من العملية السلمية وسحب الاعتراف بإسرائيل، واستئناف الانضمام إلى المؤسسات الدولية، وتصعيد مبرمج على الأرض يشمل احتجاجات في القدس نفسها، وتقارباً أكبر مع «حماس» يتضمن تشكيل «حكومة وحدة» وطنية تشارك فيها الحركة الإسلامية، إضافةً إلى تحديد العلاقة مع إسرائيل.
ومن ثمّ، سيكون على المجلس المركزي -وهو أعلى هيئة فلسطينية تشريعية- في حالة انعقاده، البت في هذه القرارات التي يبدو بعضها صعب التطبيق بالنسبة إلى الفلسطينيين المحكومين باتفاقيات دولية ومحلية، ويتلقون مساعدات من الأميركيين كذلك.
محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، قال إن القيادة الفلسطينية «ستقوم بمراجعة تامة لاتفاق أوسلو»، معلناً أن المفاوضات بشكلها السابق «ذهبت إلى غير رجعة». وتحدث اشتية عن تجسيد الدولة الفلسطينية كأحد الخيارات، وطالب كذلك الأمم المتحدة بإرسال فريق متخصص لترسيم حدود دولة فلسطين، على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967.
وتابع اشتية موضحاً: «لقد تم تخطي كل الخطوط الحمراء، وإذا كان يريد (الرئيس الأميركي) الضغط علينا ويعتقد أن ذلك جزء من تحضير لمسار سياسي فإنه مسار فاشل سلفاً. الولايات المتحدة لم تعد ذات صلة». ثم أعلن عن «نهاية حقبة تاريخية بدأت في 1993»، قائلاً: «سنراجع (أوسلو)، وأعتقد أن المفاوضات بشكلها السابق ذهبت بلا رجعة... سنسرع المصالحة ولا رجعة في ذلك... سنرتب البيت الداخلي من أجل إعادة وظيفة السلطة». كما أوضح أن القيادة تدرس إبطال مشروع القرار الخاص بالقدس في المحاكم والمحافل الدولية. وبهذا يكون الفلسطينيون حدّدوا، كخيارات أولية، إخراج واشنطن من عملية السلام، والتوجه إلى مؤسسات دولية، وتقديم شكوى في مجلس الأمن ضد الولايات المتحدة، وإعادة تعريف وظيفة السلطة، ووضع «أوسلو» على طاولة التشريح.

الشكوى للأمم المتحدة
من جهة أخرى، كان المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة السفير رياض منصور، قد أعلن أن دولة فلسطين قدمت شكوى حول القدس ضد الولايات المتحدة، حيث بعثت القائمة بالأعمال بالإنابة السفيرة فداء عبد الهادي ناصر، برسائل متطابقة إلى مندوب اليابان (رئيس مجلس الأمن هذا الشهر)، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الجمعية العامة.
ودعت السلطة في الرسالة، وفي ضوء «القرار المؤسف للغاية» الذي أعلنه الرئيس الأميركي، «في مخالفة لقرارات مجلس الأمن والإجماع الدولي الطويل الأمد، مجلس الأمن إلى معالجة هذه المسألة الحرجة دون تأخير، والعمل بسرعة على الوفاء بمسؤولياته». وطالبت المجتمع الدولي «بضرورة إعادة تأكيد موقفه الواضح والقانوني بشأن القدس، ورفضه جميع الانتهاكات التي تمس بهذا المركز القانوني من أي كان ومتى كان، وحثته على المطالبة بإلغاء القرار الأميركي».
وإضافة إلى ذلك، يفكر الفلسطينيون في التوجه إلى محاكم دولية. وهم يأملون في النهاية أن يسفر كل هذا الضغط عن تراجع الولايات المتحدة عن القرار. وفي هذا السياق قال مسؤول فلسطيني (طلب التكتم على اسمه) لـ«الشرق الأوسط»: «التراجع ممكن، ولمَ لا. لكننا نعرف أن التراجع السريع صعب». وأضاف: «الموقف الفلسطيني والعربي والدولي بشكل ما قد يهدد مصالح وعلاقات الولايات المتحدة، والضغط الشعبي قد يغيّر المعادلة».
ولكن، بينما تفضل القيادة الفلسطينية التروّي، لم ينتظر الشارع الفلسطيني كثيراً. فلقد خرج الفلسطينيون في مظاهرات غضب شعبية واشتبكوا مع الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية -بما فيها القدس وقطاع غزة- وهتفوا ضد الخطوة الأميركية في خصوص القدس. وتظاهر الفلسطينيون خصوصاً عند نقاط التماسّ في الضفة وعند الحدود في قطاع غزة، وأحرقوا صوراً وأعلاماً أميركية، ورشقوا قوات إسرائيلية بالحجارة والزجاجات الفارغة، ورد الجنود بالرصاص الحي والمطاط وقنابل الغاز والصوت. وتفجّرت هذه المواجهات في ظل دعوات الفصائل الفلسطينية للتعبير عن الغضب الشعبي. في المقابل، ثمة مَن يدفع إلى أكثر من ذلك، إذ تريد حركة «حماس»، ومعها «الجهاد الإسلامي»، تفجير «انتفاضة» جديدة. وكان إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، واضحاً حين دعا إلى إطلاق «انتفاضة جديدة». وهذه الدعوات لم تكن مفاجئة في إسرائيل التي تحضّرت تماماً لردود فعل مع قلق متنامٍ.

قلق إسرائيلي يوازي الابتهاج
أما داخل إسرائيل، صحيح أن ثمة قلقاً من تصعيد محتمل، لكن لا بد من القول إن إسرائيل لم تتلقَّ عبر عقود طويلة هدية مثل هذه. حتى إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قارن بين اعتراف ترمب بالقدس عاصمةً لإسرائيل وبين «إعلان بلفور»، واصفاً اعتراف ترمب بأنه «لحظة كبيرة في تاريخ القدس والصهيونية». أما بالنسبة إلى عامل القلق، فإنه موجود ويكاد يوازي الابتهاج.
ولقد أوصت قيادة الجيش الإسرائيلي مختلف الوحدات العسكرية المنخرطة في تدريبات، بأن تكون متأهبة لنقلها في أي لحظة إلى الأراضي الفلسطينية، وذلك تحسباً من توسّع المواجهات مع الفلسطينيين. واتُّخذت التوصية في ختام مناقشات أجرتها هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي جرى خلالها بحث فرص تدهور الأوضاع الأمنية خلال الأيام المقبلة على ضوء قرار ترمب. وأكدت قيادة الأركان الإسرائيلية «جاهزية الجيش للتصدي لأي مواجهات قد تندلع ميدانياً»، استجابةً للتصريحات والدعوات الصادرة عن الفصائل الفلسطينية والداعية إلى تصعيد الحراك من خلال فعاليات الغضب والمظاهرات. وشملت إجراءات الحيطة في المنطقة، الأميركيين أنفسهم. إذ طلبت وزارة الخارجية الأميركية من دبلوماسييها الامتناع عن السفر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية حتى يوم 20 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي. وأصدرت كذلك بياناً موجهاً إلى المواطنين الأميركيين يحذّر من زيارة «البلدة القديمة» في القدس والضفة الغربية.

ردود فعل عربية ودولية
وكما هو معروف ومتوقع، رفْض القرار الأميركي لم يقتصر على الفلسطينيين، بل رفضته غالبية الدول في العالم والعربية والإسلامية، إذ عدت جامعة الدول العربية القرار بأنه سابقة تتناقض مع سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عام 1995، وتنتهك أيضاً الاتفاقيات التعاقدية بما فيها اتفاقية أوسلو.
وعلى الصعيد الدولي، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن القرار «سيهدد السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإن القدس مرتبطة بالحل النهائي بينهما، ولا بديل عن حل الدولتين واعتبار القدس عاصمة لكل من إسرائيل وفلسطين». وأعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ بشأن القرار وتداعياته المحتملة على آفاق السلام. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إنها ضد القرار قبل التوصل لاتفاق بشأن الوضع النهائي. واتخذت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل موقفاً مشابهاً، وقالت إنها لا تدعم قرار ترمب حول القدس «لكونه يخالف القانون الدولي». وكان هذا ما ركز عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي شدد على أن «وضع القدس يحدده الإسرائيليون والفلسطينيون من خلال المفاوضات». وبينما قال وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو، إن بلاده «تشعر بالفزع» من تداعيات القرار، وصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان القرار بأنه «يبعث قلقاً بالغاً حيال السلام والاستقرار... وهو غير مسؤول وغير قانوني»، قال متحدث باسم الكرملين الروسي إن «القرار الأميركي لا يساعد على التسوية بالشرق الأوسط».

أميركا: ترحيب وانتقادات
وفي الولايات المتحدة، على الرغم من أن كثيراً من المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين رحبوا بقرار ترمب حول القدس، انتقد آخرون هذه الخطوة. إذ قال توماس فريدمان، الكاتب الأميركي بصحيفة «نيويورك تايمز»، إن الرئيس الأميركي «قدّم جوهرة تاج السياسة الخارجية للولايات المتحدة دون مقابل بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل». وأضاف فريدمان في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، أن «مسألة موقع السفارة الأميركية ونقلها من تل أبيب إلى القدس، كانت أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية الأميركية على مدى 70 سنة، والآن تقديمنا لها هكذا، ونقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بشكل شخصي، فأنا لست ضد ذلك لو كان جاء في الإطار الصحيح، ولست ضد ذلك الآن إن كان هناك مقابل لذلك».
ثم تابع قائلاً: «تخيل ما كان يمكننا الحصول عليه في المقابل؟ نتنياهو أراد ذلك بشدة وهو يمر بأزمة سياسية. كان بإمكان ترمب أن يقول له أنت تريد هذا الاعتراف بشدة، ولكن في المقابل أريد أن تصدر حظراً على بناء أي مستوطنات في الضفة الغربية، لسببين: الأول، للحفاظ على احتمال التوصل لحل الدولتين. والثاني، للحفاظ على الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولكن عوضاً عن ذلك قدم ترمب (لنتنياهو) مجاناً واحدة من جواهر تاج السياسة الخارجية الأميركية».
كذلك حذر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من «هشاشة الديمقراطية... ومخاطر صعود النازية»، مستشهداً بتجربة ألمانيا في عهد أدولف هتلر. وقال أوباما خلال مشاركته في اجتماع لنادي شيكاغو الاقتصادي، أول من أمس (الخميس): «الخطر ينمو... ويجب أن نعتني بحديقة الديمقراطية هذه، وإلا فقد تنهار الأوضاع بسرعة». ومع أن أوباما لم يذكر أحداً بالاسم، أو سبب تصريحاته، لكن تصريحاته تشير بشكل ضمني إلى الرئيس الحالي وقراراته.

الخطوة مؤجلة والموقع ينتظر
على صعيد آخر، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إنه من غير المرجح نقل السفارة الأميركية إلى القدس هذا العام أو حتى الذي يليه. لكن نظرياً، ثمة قطعة أرض في القدس مخصصة لبناء السفارة الأميركية الجديدة منذ عام 1989. ففي عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، وتحديداً في آخر يوم من فترته الرئاسية عام 1989. وقّع السفير الأميركي لدى إسرائيل وقتها ويليام براون، عقد استئجار قطعة أرض في القدس الغربية، قيمته دولار واحد في العام، لمدة 99 سنة. واليوم فإن قطعة الأرض تلك الواقعة في منطقة مرغوب بها جداً من القدس، على أطراف حي «تل بيوت»، ما زالت مهملة غير مسكونة، لكن ليس أكيداً أن تُعتمد.
ويقول مسؤولون أميركيون إنه بعد تفجير تنظيم القاعدة السفارتين الأميركيتين في كل من تنزانيا وكينيا عام 1998، فإن معايير أمنية جديدة فُرضت على جميع السفارات الأميركية، أهمها أن تفصل بين مبانيها والشوارع المحاذية مسافة 100 قدم (30 متراً)؛ تحسباً لأي انفجار سيارة ملغمة أو اعتداء آخر، وفي ضوء القوانين الجديدة، فإن تلك الأرض ليست كبيرة بما فيه الكفاية.
ثمة خيار محتمل آخر، هو أن تستخدم الولايات المتحدة مبنى آخر من مبانيها في القدس، فالخارجية الأميركية تدير عدة مبانٍ قنصلية لها في القدس، تقدم خدمات للمدينة إضافة إلى الأراضي الفلسطينية، ونظرياً يمكن لأي منها أن يُحوَّل إلى سفارة؛ أقدم تلك المباني هو مبنى القنصلية الأميركية العامة الذي أنشئ عام 1912 والكائن في 18 شارع أغرون على مقربة من القدس القديمة.
ثمة مبنى قنصلي أميركي آخر أحدث في حي «أرنونا» بالقدس، لا يبعد كثيراً عن الأرض المستأجرة في «تل بيوت»، لكن عكس مبنى شارع أغرون وعكس قطعة أرض «تل بيوت» الواقعَين ضمن «الخط الأخضر» الذي يحدد أجزاء القدس التي كانت تحت سيطرة إسرائيل قبل حرب 1967، فإن مبنى «أرنونا» القنصلي يقع على حدود عام 1967 بين مناطق السيطرة الإسرائيلية ومنطقة كانت آنذاك منزوعة السلاح بعد اتفاق هدنة 1949. وكانت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قد ذكرت العام الماضي، أن مسؤولين في القدس قالوا إن المبنى مصمم خصيصاً لكي يغدو سفارة ذات يوم. وعلى الرغم من أن متحدثة باسم الخارجية الأميركية رفضت ذكر عدد الموظفين في مجمع «أرنونا»، فإن تقارير من مكتب المفتش العام بالخارجية الأميركية قالت إن 582 موظفاً قنصلياً أميركياً يعملون متوزعين في أنحاء القدس، مقارنةً بـ960 موظفاً بالسفارة الأميركية في تل أبيب.
في نهاية المطاف ثمة قدس واحدة يعرفها الفلسطينيون والعرب والمسلمون والمسيحيون. قدس تضم أقدس المقدسات وتاريخاً طويلاً وبيوتاً عتيقة وشوارع سار عليها الأنبياء، جذورها ضاربة في التاريخ، وكل طبقة أرض فيها تشهد على معركة دامية سابقة. إنها كما وصفها الشاعر الراحل محمود درويش «امرأة من حليب البلابل».



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.