طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية

مبعوث الأمم المتحدة فصّل في لقاء مع «الشرق الأوسط» رؤيته للتسوية

غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية

غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)

بحركات يدٍ تمسك بمسبحة، وبكلمات حاسمة تغترف من قاموس دولي، كشف مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا الدكتور غسان سلامة، عن ثلاث ركائز للحل، من أجل الوصول بهذه الدولة الغارقة في الفوضى منذ 2011 إلى بر الأمان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الركائز هي الدستور والانتخابات والمصالحة الوطنية.
لكن ليس من السهل حل هذه القضايا كلها، بما فيها من تفاصيل صغيرة محيِّرة، في ظل انقسام لمؤسسات ليبيا بشكل لم يشهده لا العراق في فترة ما بعد الغزو الدولي، ولا لبنان في زمن الحرب الأهلية، وفقا لخبرة سلامة نفسه في هاتين الدولتين، وفي أحداث كبيرة أخرى تعامل معها في حينها.
وفي القاهرة التي ترعى محاولات يقوم بها ضباط ليبيون لتوحيد الجيش الليبي، استمع سلامة البالغ من العمر 66 عاماً، إلى قادة في وزارة الدفاع المصرية، وفي وزارة الخارجية أيضاً، وأعرب عن أمله في أن تكون جهود القاهرة نموذجاً لتوحيد مؤسسات أخرى مدنية، قائلا بنبرة قلقة إن استمرار الانقسام «يزيد من إرباك الدولة المركزية في ليبيا».
وتولى سلامة، وهو وزير لبناني سابق وأكاديمي مخضرم، منصبه بصفته مبعوثاً أممياً في سبتمبر (أيلول) الماضي. وهو الشهر نفسه الذي قدم فيه خطة للحل في ليبيا، وافق عليها كل من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ومنذ ذلك الوقت زار مصر، الجارة التي تعاني من جراء غياب سلطة قوية في ليبيا، مرتين، كانت أحدثهما الأحد الماضي.
وقضى المبعوث الأممي أقل من يومين في اجتماعات مكثفة، وفي لقاءات مع أطراف في الحكومة المصرية وفي الجامعة العربية وغيرهما. ثم استقل الطائرة إلى تونس حيث ينتظره فرقاء ليبيون هناك أيضاً، لكن وجوده في القاهرة كان يحمل تطلعات وتصميماً على حل المعضلة التي تعصف بحياة الليبيين.
ويقول مستعيداً مشاهد عن تردي الخدمات ونقص السيولة في البنوك، رآها أثناء تجوله في شوارع طرابلس، إن مساعيه تتركز الآن على إيجاد «حكومة من أجل تسيير حياة المواطنين فيما تبقى من المرحلة الانتقالية التي تنتهي في سبتمبر 2018... الناس في حاجة للصحة والتعليم... هذا سيكون جيداً كذلك للنسوة الليبيات اللائي يقفن ليومين أمام مصرف للحصول على 25 دولاراً من مدخراتهن».
ويسعى سلامة إلى استكمال مهمة الأمم المتحدة التي توصلت في 2015، إلى توقيع اتفاق الصخيرات بين إخوة أعداء في ليبيا. ونتجت عن ذلك الاتفاق بنود عدة، من بينها تشكيل مجلس رئاسي وحكومة وفاق. وبعد نحو عامين من الجهود، ما زالت السفينة الليبية تتقاذفها الأمواج من دون أن تصل بعد إلى بر الأمان. وهو يريد أن يعيد ترتيب الأمور، لكن ليس من خارج الاتفاق السياسي، وإنما من داخله. وهذا ربما يتطلب مهارة جراح، لأن الوضع معقد، وطموحات الليبيين كبيرة ومتعجلة ومثيرة للارتباك أيضاً.
وضع الرجل السبحة ذات اللون الأخضر الغامق على الطاولة، ونظر إلى ساعته ثم إلى النافذة، حيث طرق القاهرة المزدحمة، فأمامه موعد للحاق باجتماع مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، واجتماعات أخرى كثيرة، بينها مائدة مستديرة لمعنيين بشأن هذه الدولة الأفريقية الغنية بالنفط. وقال إن إحدى مشكلات اتفاق الصخيرات «عدم الانفتاح بصورة كافية على شرائح المجتمع الليبي».

أنصار النظام السابق
وقبيل وصوله إلى القاهرة بساعات، كان هناك حديث يتردد بين قادة ليبيين عن أنه يفترض أن يكون لسلامة موعد مع عدد من ممثلي ما يسمى بأنصار النظام السابق، ممن يقيمون في مصر. لكنه يوضح أن هذا الموضوع غير مطروح في هذه الزيارة. وهذا لا يعني أنه لا يريد أن يلتقي بهذه الفئة. فقد سبق أن تناول طعام العشاء في تونس مع 35 من قيادات النظام السابق الأسبوع الماضي، واستمر النقاش هناك لأكثر من ثلاث ساعات.
يشرح سلامة الموضوع: «لقد قلت في تغريدتي الأولى (على «تويتر»)، عندما تسلمت هذا المنصب قبل أربعة أشهر. أنا في خدمة الليبيين، ومستعد للقاء بهم من دون أي استثناء. وأنفذ ذلك يومياً. أما بالنسبة إلى زيارة القاهرة التي هي أقل من 48 ساعة، فسببها أنني مضطر إلى أن أكون غداً في تونس في الساعة الثانية صباحاً، ولذلك كان الجزء الأكبر من وقتي للتشاور مع الإخوة في الحكومة المصرية».
كانت زيارته الأولى للقاهرة بعد تولي المنصب قبل نحو ثلاثة أشهر. وخلال هذه المدة شهدت المنطقة أحداثاً عدة كبيرة أثارت انتباه العالم، ففي مصر مثلاً كان هناك حادثان إرهابيان في منطقة الواحات غرباً وفي سيناء شرقاً، سقط فيهما أكثر من 300 قتيل. كما شهدت ليبيا نفسها تقلبات لافتة، ضمن موجة مفاجآت أخرى لا تهدأ في منطقة الشرق الأوسط.
يقول سلامة: «أعتقد أنه بعد الأحداث الجسيمة التي حصلت في الواحات وسيناء، وبعد التطورات التي حدثت أيضاً على الساحة الإقليمية، وكذلك داخل ليبيا، كان عليّ أن أخصص هذه الزيارة بالذات للإخوة في مصر، وللجامعة العربية، لأن هذه هي الأفضلية».
وحول ما يخص أي لقاءات مع الليبيين في مصر، يضيف: «آمل بأن أعود إلى القاهرة، وأن ألتقي مع عشرات من الإخوة الليبيين من أصل مئات الألوف الذين يعيشون في مصر. وهذا ما أقوم به تقريباً في كل بلد أزوره... أنا لا ألتقي فقط عناصر النظام السابق، ولكن أيضاً عناصر النظام الأسبق، من ملكيين ومن أنصار الشرعية الدستورية. أنا ألتقي مع الليبيين من دون استثناء، لأنه لا يهمني على الإطلاق ماضي أي فرد ليبي، ولكن يهمني مستقبل البلاد».
ويصفُ سلامة المسار السياسي، حين يتم إطلاقه في أي بلد، ليبيا أو غير ليبيا، بأنه «مثل الزهرة التي في منزلك... إن لم تصنها، يومياً، فهي تذبل وتموت. كيف تجعلها لا تذبل ولا تموت؟ بأن تُدخل باستمرار مزيداً من شرائح المجتمع. أنا أريد لكل الليبيين أن يتبنوا الحل السياسي، ولا أريد أن يكون الحل السياسي حكراً على فئة، أو على شريحة معينة». وأضاف: «أريد كل الليبيين أن يقبلوا بأمرين... أولاً، ألا عودة للماضي، وثانياً أن بناء المستقبل يتم بالتشاور والتفاوض، وليس بالسلاح».
وتعد ليبيا واحدة من دول «الربيع العربي» التي تفجرت فيها انتفاضات للتغيير شملت مصر وتونس وسوريا واليمن، إلا أن هذه الموجة تركت بلاداً منقسمة على نفسها، أو تعاني من تداعيات اقتصادية، خصوصاً تلك التي تعتمد على السياحة الأجنبية، مثل مصر التي ما زالت تكافح لإصلاح الوضع المالي والأمني.
ومن مقر إقامة سلامة في القاهرة، بدا الفندق الذي كان فيما مضى يعج بالسياح، خاوياً مثل فنادق أخرى كثيرة، ليعبِّر هذا المبنى المزخرف بصفوف الزهور المهجورة والمقاعد الشاغرة، عن سنوات الجدب التي يشهدها القطاعي السياحي منذ 2011.
وتحاول تونس أن تتعافى، بينما انفلت زمام الأمور في سوريا واليمن. وتعرضت مدن ليبية عدة للدمار، بيد أنَّ المقاربات السياسية التي يقوم بها سلامة في هذا البلد يمكن أن تضع حداً للمأساة. وبعد لحظات من الصمت والتأمل مع فنجان القهوة، يؤكد المبعوث الأممي مجدداً أن «انغلاق الاتفاق السياسي على نفسه يجعله يذبل».
وأضاف أن «كل انفتاح هو من أجل المستقبل»، قبل أن يشدد على هذه النقطة بقوله وهو يرفع حاجبيه إلى أعلى: «مرة أخرى... كل ليبي يقبل بأنه يريد أن يبني المستقبل، وليس أن يسترجع الماضي. وكل ليبي يقول إنه مستعد للتخلي عن أي عمل عسكري، ويريد الانخراط في العمل السياسي، ترشيحاً، وتصويتاً، وممارسة، وتحزباً، وما شابه، فيدي في يده. لذلك ليس الموضوع مطروحاً أنني سأقابل ملكياً أو قذافياً. أنا أقابل الملكيين وأقابل القذافيين».

توحيد الجيش
هناك أسباب عدة لزيارة سلامة الأخيرة للقاهرة، بينها لقاؤه مع قادة في الجيش المصري. فالملف الليبي انتقل هنا، مؤخراً، من يد الفريق محمود حجازي، الرئيس السابق للجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا، إلى رئيسها الجديد اللواء محمد الكشكي. واجتمع سلامة مع اللواء الكشكي الأحد الماضي، وأكد الأخير أن الجهود التي تقوم بها بلاده تندرج تحت مظلة الأمم المتحدة لإحلال السلام في ليبيا. ويقول سلامة إنه لم يلحظ اختلافاً جوهرياً بين الفريق حجازي واللواء الكشكي. «لكل شخص شخصيته. مؤسسة الجيش في مصر مؤسسة متكاملة، متضامنة، ولها عقيدتها، فلا أرى تحولاً في هذه العقيدة».
وتطرق المبعوث الأممي إلى دور مصر في عملية توحيد الجيش الليبي، ووصفه بأنه «دور مميز نتمنى له النجاح فعلاً». وأعرب، علاوة على هذا، عن رغبته في البقاء «على بيِّنة أوضح لما هو حاصل فعلا على الأرض بالنسبة إلى الأوضاع الأمنية والعسكرية» في ليبيا. ويبدو من كلمات سلامة، عموماً، أن مشكلة انقسام المؤسسات تمثل هاجساً كبيراً لديه. فحتى المصرف المركزي يعاني من انقسام يؤثر بالسلب على الاقتصاد وعلى حياة ملايين الليبيين.
«أنا بحاجة إلى ذلك»، يقول سلامة في معرض حديثه عن توحيد الجيش الليبي. ويستحضر تجارب دول عمل فيها ومرت بفوضى عارمة، لكن مؤسساتها لم تنقسم بمثل هذه الطريقة التي تعصف بالسفينة الليبية. ويوضح: «أنا قادم من بلد اسمه لبنان، عاش 15 عاماً من الحرب الأهلية المدمرة، ذهب ضحيتها 130 ألف لبناني، ولكن لم ينقسم المصرف المركزي. أنا عملت في العراق، حيث حصلت أشياء خطيرة، ولم ينقسم المصرف المركزي. في ليبيا انقسم المصرف المركزي. فهناك مؤسسة في مدينة البيضاء وأخرى في طرابلس. إذن أنت بحاجة لكي تبدأ بعملية توحيد المؤسسات في ليبيا. إذا كانت مصر تساعدك في توحيد إحدى هذه المؤسسات الأساسية في ليبيا، وهي الجيش، فأنت بحاجة إلى أن تدعم هذا التوجه، لأنك تعلم أنه قد يكون نموذجاً ومثالاً لتوحيد مؤسسات أخرى مدنية في ليبيا».
وحين انقسم الجيش الليبي، انقسم بطريقة لم تعرفها دول كثيرة مرت بأحداث مماثلة. ففي شرق ليبيا يوجد مقر الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر. وفي الغرب هناك قوى عسكرية مثل الجزر المنعزلة. ويقول سلامة: «أنت، في ليبيا، لست أمام نصفي جيش... هناك كتلة جيش موحدة في الشرق، إلى حد كبير، وهناك تفرُّق أكثر في الغرب. يعني هناك بلدان ينقسم فيها الجيش إلى قسمين، قسم هنا وقسم هنا. وأمر توحيده يتم بطريقة غير الطريقة التي تتم بها محاولة توحيد جيش نصفه منقسم ولكن متشظٍ، ونصفه الثاني متوحد»، كالحالة الليبية.
ومن شرفة في أعلى الفندق الذي يقيم فيه كان يمكن أن ترى «برج أم كلثوم» في ضاحية الزمالك، ومن ورائه تمتد الكتل الخرسانية حتى أطراف مدينة الجيزة، حيث جرى هناك، قبل 77 عاماً، تأسيس الجيش الليبي للمرة الأولى. وحالياً تحاول مصر أن تساعد الليبيين لإعادة الجيش ككتلة واحدة مرة أخرى.
ويقول سلامة، وهو يتطلع إلى المباني الغارقة في الضباب: «أنا لا أسعى أبداً إلى انتصارات وهمية سريعة. أسعى إلى إرساء مؤسسات ثابتة لها طابع الديمومة. لذلك اهتممت مثلاً بعملية توحيد الجيش، وأعمل جاهداً على توحيد عدد كبير من المؤسسات الأخرى». ثم يضيف بعزم واضح: «أنت، اليوم، أمام مشروع طويل».
ومع ذلك يوجد قدر من التفاؤل. يقول: «في مصر، أرى أن هناك سيولة كبيرة في الفترة الأخيرة. ماذا أرى؟ أرى في مصر انفتاحاً حقيقياً على ضباط خارج ضباط المشير حفتر. والانفتاح على مناطق قيل (في السابق) إنها عصية على أي تواصل مصري. ووجدت عند هؤلاء الضباط الذين أقابلهم قدراً من الاهتمام بنجاح المبادرة المصرية في هذا المجال».

متغيرات حفتر
حتى بالنسبة إلى حفتر الذي كانت زياراته الدولية محدودة، أصبحت في الفترة الأخيرة أكثر من السابق. فبالإضافة إلى دول عربية حليفة عدة له، ظهر في موسكو وباريس وروما، وهي عواصم كانت تبدو غير مرتاحة له في الماضي. كما استقبل مسؤولين من دول أوروبية في مقره في قاعدة الرجمة العسكرية قرب بنغازي.
ويعلق سلامة على هذا المتغير اللافت في الشهور الأخيرة قائلاً: «ربما هناك مرحلة بدأت قبل أن أصل إلى ليبيا، لذلك لا أدَّعي أن لي علاقة بها، لكنها مرحلة بدأت قبل أشهر، فيها قدر أكبر من السيولة... كما أن من كانوا وراء حفتر يسعون إلى توسيع رقعة علاقاتهم في ليبيا، ومن كانوا بعيدين جداً عن حفتر، أقاموا علاقات معه».
وينظر المبعوث الأممي إلى هذا الأمر باعتباره تعبيراً عن «نوع من جنوح عام نحو قدرٍ من الواقعية». ففي مصر، وفي الدول التي أيدت حفتر منذ اليوم الأول، وكذلك في الدول التي خاصمته منذ اليوم الأول، يرى سلامة أن «هناك نوعاً من التلاقي التدريجي على فكرة أنه، من جانب، ليس هناك حل عسكري في ليبيا، ومن جانب آخر، لا يمكن تجاهل المشير حفتر كقوة حقيقية على الساحة الليبية. أعتقد أننا اقتربنا من نقطة الالتقاء هذه بين مختلف الدول المعنية بليبيا، وهذا الأمر مفيد للتوصل إلى حل سياسي».

شكاوى الجيران
من خلال المناقشات المطولة التي أجراها سلامة، سواء في وزارة الخارجية المصرية أو غيرها، لمس تخوفاً من انتشار ملايين من قطع الأسلحة في بلد بلا سلطة موحدة أو قوية. ويقول: «إذا كنت جاراً لبلد فيه 23 مليون قطعة سلاح، وهناك دولة غير قادرة على جمع هذا السلاح أو ضبطه، فمن حقك المشروع أن تقوم وتقول أنا أريد أن أحمي حدودي».
وسمع سلامة من المصريين، أنهم شهدوا في الفترة الأخيرة تكثيفاً لدخول «الممنوعات» من ليبيا، في إشارة إلى الأسلحة والمتطرفين. وهي مشكلة اشتكى منها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرات عدة. ويقول سلامة إن «حدود مصر مع ليبيا طويلة، والدولة المصرية تتكلف مئات الملايين من الجنيهات للدفاع عن حدودها الغربية ولمراقبتها».
وهناك شكاوى مماثلة من الجزائر وتونس. ويزيد سلامة موضحاً أن «هذا الأمر صحيح أيضاً بالنسبة إلى الجزائر. حدثني رئيس حكومة الجزائر عن مبلغ خيالي هو تكلفة نشر الجيش الجزائري على الحدود مع ليبيا. أما تونس فحدث ولا حرج. هم أيضاً على تماس مباشر. الدول التي هي على تماس مباشر مع الحالة الليبية، لديها مخاوف حقيقية وشرعية».
القضية تؤرق كذلك القارتين الأفريقية والأوروبية. ولهذا يسعى المبعوث الأممي إلى تحريك الرباعي الدولي المهتم بالشأن الليبي، الذي يضم كلا من الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي. ويضيف أن «الأفارقة يريدون أن يذكرونا، بحق، بأن ليبيا دولة أفريقية، وكان لها دور في أفريقيا. الأوروبيون يقولون إن ليبيا دولة مجاورة، ولهم مصالح وتخوفات، مثل الإرهاب والهجرة وغيره. وبالطبع بالنسبة إلى جامعة الدول العربية، ليبيا تعد مهمة للجامعة. وأنا كنت في لجنة إصلاح الجامعة، فلا يمكن أن أتجاهل الجامعة أساساً».

الطريق إلى الانتخابات
يخشى الدكتور سلامة من أن يكون الاحتكام إلى الانتخابات في البلدان التي تشهد نزاعات مجرد هروب إلى الأمام. ومن خلال حديثه يمكن أن تستشف تأثره بفترات عمله في مناطق صعبة منها العراق، حيث كان ضمن وفد الأمم المتحدة إلى هذا البلد بعد الاحتلال الأميركي في 2003.
ويقول: «أنا لست من ممارسي الانتخابات باعتبارها الفن للفن. أحياناً الانتخابات هروب للأمام، لأنك لا تجد حلاً. وأنا لست من أنصار هذا الحل. أقول لك، في العراق، أول انتخابات بعد الغزو كنت ضدها. لأنني لم أجد أن هناك القدر الكافي من الحرية عند الناس كي يترشحوا ويصوتوا. وطلبت تأجيلها. وهناك حالات كثيرة مماثلة في العالم. في أنغولا وفي الجزائر، وغيرها».
وفي الحالة الليبية يريد سلامة أن يكرر التجربة التونسية التي كان طرفاً فيها قبل ثلاث سنوات. ويقول: «عندي تجربة بسيطة ومتواضعة أتكلم عنها بفخر. في سنة 2014 تمكنا من جمع كل قادة الأحزاب الأساسية في تونس. جاءوا إلى دار البلدية، ووقَّعوا أمام كل كاميرات العالم على تعهد بقبول نتيجة الانتخابات قبل إجرائها... سأقول بصراحة. نعم أسعى لهذا الأمر في ليبيا».
ويريد الرجل أن يضمن قبول الأطراف الأساسية في ليبيا، عن قناعة، بنتائج الانتخابات، أياً كانت، وإلا ستكون العملية برمتها غير مضمونة، و«مغامرة غير محسوبة». ففي ليبيا اليوم برلمانان وثلاث حكومات، و«نحن لا نريد لا حكومة رابعة ولا برلماناً ثالثاً». ويضيف أن الصراع الحالي في ليبيا يجري على «سلطة غير موجودة، فلنوجد السلطة قبل أن نتصارع عليها».
ماذا يريد أن يفعل سلامة في ليبيا التي أصبحت تفتقر لأي تراث ذي شأن فيما يتعلق بالعمل المؤسسي؟ يقول: «أولاً: أنت تريد دستوراً. ثانياً: أنت تريد انتخابات حرة ونزيهة وإيجابية، وليست سلبية. وثالثاً: أنت تريد مصالحة وطنية في مجتمع متشظٍ. أنا أعمل على هذه الأشياء». ويرى بيقين وثقة أن «هذه النقاط، وكل ما يتعلق بها، قادرة على أن تؤمِّن فعلا عدم فتح مرحلة انتقالية جديدة، وإنما الانتقال إلى مرحلة ثابتة».
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف بدأ يحاول استخراج حكومة «مؤقتة» من قلب الاتفاق السياسي. حكومة تهتم بالأحوال المعيشية للناس، بينما يستمر عمله على الأمور الأساسية إلى نهاية المرحلة الانتقالية في سبتمبر المقبل. لكن هذه المحاولة يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، حيث اصطدمت بتفسيرات ليبية يمكن أن تخرجها عن هدفها، لأن البعض اعتقد أن الحكومة المؤقتة، التي يسعى إليها، ستكون حكومة دائمة.

معضلة 17 ديسمبر
ويمثل يوم 17 من الشهر الجاري معضلة يدور حولها لغط ليبي كبير. فهو موعد انتهاء عمل حكومة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج، وفقا لما حدده اتفاق الصخيرات، لكن هناك تفسيرات مغايرة تقول إن بدء العد التنازلي لعمل السراج يكون من لحظة تصديق مجلس النواب على حكومته، وهو أمر لم يحدث منذ تولي السراج للمسؤولية في مثل هذا الوقت من عام 2015.
بيد أنَّ سلامة لا يعطي أهمية كبيرة لهذا الموضوع. ويقول: «نحن خارج هذه النزاعات القانونية، وهذا الجدل». ويضيف أن «هناك آراء تقول إن كل شيء ينتهي في 17 ديسمبر، وآراء تقول إن الحكومة لم تبدأ كي تنتهي في 17 ديسمبر. وهناك من يقول إن كل شيء ينتهي إلا أنا، وهناك من يقول إن حكومة الاتفاق تنتهي، لكن الاتفاق السياسي يظل».
ويتابع سلامة موضحاً: «أنا اقترحت على مجلس الأمن أن نذهب باتجاه تنفيذ خطة العمل، متجاوزين هذا التاريخ، وعدم اعتباره تاريخاً لانتهاء أي شيء أو بدء أي شيء. نحن نذهب إلى المصالحة الوطنية، واختيار دستور للبلاد، وانتخابات عامة، ونركز على هذا الأمر، ويستمر الوضع الحالي، حتى التوصل إلى هذه البنود الثلاثة، وآمل أن يتم ذلك في غضون عشرة شهور من الآن، على الأكثر».



قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.