طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية

مبعوث الأمم المتحدة فصّل في لقاء مع «الشرق الأوسط» رؤيته للتسوية

غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية

غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)

بحركات يدٍ تمسك بمسبحة، وبكلمات حاسمة تغترف من قاموس دولي، كشف مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا الدكتور غسان سلامة، عن ثلاث ركائز للحل، من أجل الوصول بهذه الدولة الغارقة في الفوضى منذ 2011 إلى بر الأمان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الركائز هي الدستور والانتخابات والمصالحة الوطنية.
لكن ليس من السهل حل هذه القضايا كلها، بما فيها من تفاصيل صغيرة محيِّرة، في ظل انقسام لمؤسسات ليبيا بشكل لم يشهده لا العراق في فترة ما بعد الغزو الدولي، ولا لبنان في زمن الحرب الأهلية، وفقا لخبرة سلامة نفسه في هاتين الدولتين، وفي أحداث كبيرة أخرى تعامل معها في حينها.
وفي القاهرة التي ترعى محاولات يقوم بها ضباط ليبيون لتوحيد الجيش الليبي، استمع سلامة البالغ من العمر 66 عاماً، إلى قادة في وزارة الدفاع المصرية، وفي وزارة الخارجية أيضاً، وأعرب عن أمله في أن تكون جهود القاهرة نموذجاً لتوحيد مؤسسات أخرى مدنية، قائلا بنبرة قلقة إن استمرار الانقسام «يزيد من إرباك الدولة المركزية في ليبيا».
وتولى سلامة، وهو وزير لبناني سابق وأكاديمي مخضرم، منصبه بصفته مبعوثاً أممياً في سبتمبر (أيلول) الماضي. وهو الشهر نفسه الذي قدم فيه خطة للحل في ليبيا، وافق عليها كل من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ومنذ ذلك الوقت زار مصر، الجارة التي تعاني من جراء غياب سلطة قوية في ليبيا، مرتين، كانت أحدثهما الأحد الماضي.
وقضى المبعوث الأممي أقل من يومين في اجتماعات مكثفة، وفي لقاءات مع أطراف في الحكومة المصرية وفي الجامعة العربية وغيرهما. ثم استقل الطائرة إلى تونس حيث ينتظره فرقاء ليبيون هناك أيضاً، لكن وجوده في القاهرة كان يحمل تطلعات وتصميماً على حل المعضلة التي تعصف بحياة الليبيين.
ويقول مستعيداً مشاهد عن تردي الخدمات ونقص السيولة في البنوك، رآها أثناء تجوله في شوارع طرابلس، إن مساعيه تتركز الآن على إيجاد «حكومة من أجل تسيير حياة المواطنين فيما تبقى من المرحلة الانتقالية التي تنتهي في سبتمبر 2018... الناس في حاجة للصحة والتعليم... هذا سيكون جيداً كذلك للنسوة الليبيات اللائي يقفن ليومين أمام مصرف للحصول على 25 دولاراً من مدخراتهن».
ويسعى سلامة إلى استكمال مهمة الأمم المتحدة التي توصلت في 2015، إلى توقيع اتفاق الصخيرات بين إخوة أعداء في ليبيا. ونتجت عن ذلك الاتفاق بنود عدة، من بينها تشكيل مجلس رئاسي وحكومة وفاق. وبعد نحو عامين من الجهود، ما زالت السفينة الليبية تتقاذفها الأمواج من دون أن تصل بعد إلى بر الأمان. وهو يريد أن يعيد ترتيب الأمور، لكن ليس من خارج الاتفاق السياسي، وإنما من داخله. وهذا ربما يتطلب مهارة جراح، لأن الوضع معقد، وطموحات الليبيين كبيرة ومتعجلة ومثيرة للارتباك أيضاً.
وضع الرجل السبحة ذات اللون الأخضر الغامق على الطاولة، ونظر إلى ساعته ثم إلى النافذة، حيث طرق القاهرة المزدحمة، فأمامه موعد للحاق باجتماع مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، واجتماعات أخرى كثيرة، بينها مائدة مستديرة لمعنيين بشأن هذه الدولة الأفريقية الغنية بالنفط. وقال إن إحدى مشكلات اتفاق الصخيرات «عدم الانفتاح بصورة كافية على شرائح المجتمع الليبي».

أنصار النظام السابق
وقبيل وصوله إلى القاهرة بساعات، كان هناك حديث يتردد بين قادة ليبيين عن أنه يفترض أن يكون لسلامة موعد مع عدد من ممثلي ما يسمى بأنصار النظام السابق، ممن يقيمون في مصر. لكنه يوضح أن هذا الموضوع غير مطروح في هذه الزيارة. وهذا لا يعني أنه لا يريد أن يلتقي بهذه الفئة. فقد سبق أن تناول طعام العشاء في تونس مع 35 من قيادات النظام السابق الأسبوع الماضي، واستمر النقاش هناك لأكثر من ثلاث ساعات.
يشرح سلامة الموضوع: «لقد قلت في تغريدتي الأولى (على «تويتر»)، عندما تسلمت هذا المنصب قبل أربعة أشهر. أنا في خدمة الليبيين، ومستعد للقاء بهم من دون أي استثناء. وأنفذ ذلك يومياً. أما بالنسبة إلى زيارة القاهرة التي هي أقل من 48 ساعة، فسببها أنني مضطر إلى أن أكون غداً في تونس في الساعة الثانية صباحاً، ولذلك كان الجزء الأكبر من وقتي للتشاور مع الإخوة في الحكومة المصرية».
كانت زيارته الأولى للقاهرة بعد تولي المنصب قبل نحو ثلاثة أشهر. وخلال هذه المدة شهدت المنطقة أحداثاً عدة كبيرة أثارت انتباه العالم، ففي مصر مثلاً كان هناك حادثان إرهابيان في منطقة الواحات غرباً وفي سيناء شرقاً، سقط فيهما أكثر من 300 قتيل. كما شهدت ليبيا نفسها تقلبات لافتة، ضمن موجة مفاجآت أخرى لا تهدأ في منطقة الشرق الأوسط.
يقول سلامة: «أعتقد أنه بعد الأحداث الجسيمة التي حصلت في الواحات وسيناء، وبعد التطورات التي حدثت أيضاً على الساحة الإقليمية، وكذلك داخل ليبيا، كان عليّ أن أخصص هذه الزيارة بالذات للإخوة في مصر، وللجامعة العربية، لأن هذه هي الأفضلية».
وحول ما يخص أي لقاءات مع الليبيين في مصر، يضيف: «آمل بأن أعود إلى القاهرة، وأن ألتقي مع عشرات من الإخوة الليبيين من أصل مئات الألوف الذين يعيشون في مصر. وهذا ما أقوم به تقريباً في كل بلد أزوره... أنا لا ألتقي فقط عناصر النظام السابق، ولكن أيضاً عناصر النظام الأسبق، من ملكيين ومن أنصار الشرعية الدستورية. أنا ألتقي مع الليبيين من دون استثناء، لأنه لا يهمني على الإطلاق ماضي أي فرد ليبي، ولكن يهمني مستقبل البلاد».
ويصفُ سلامة المسار السياسي، حين يتم إطلاقه في أي بلد، ليبيا أو غير ليبيا، بأنه «مثل الزهرة التي في منزلك... إن لم تصنها، يومياً، فهي تذبل وتموت. كيف تجعلها لا تذبل ولا تموت؟ بأن تُدخل باستمرار مزيداً من شرائح المجتمع. أنا أريد لكل الليبيين أن يتبنوا الحل السياسي، ولا أريد أن يكون الحل السياسي حكراً على فئة، أو على شريحة معينة». وأضاف: «أريد كل الليبيين أن يقبلوا بأمرين... أولاً، ألا عودة للماضي، وثانياً أن بناء المستقبل يتم بالتشاور والتفاوض، وليس بالسلاح».
وتعد ليبيا واحدة من دول «الربيع العربي» التي تفجرت فيها انتفاضات للتغيير شملت مصر وتونس وسوريا واليمن، إلا أن هذه الموجة تركت بلاداً منقسمة على نفسها، أو تعاني من تداعيات اقتصادية، خصوصاً تلك التي تعتمد على السياحة الأجنبية، مثل مصر التي ما زالت تكافح لإصلاح الوضع المالي والأمني.
ومن مقر إقامة سلامة في القاهرة، بدا الفندق الذي كان فيما مضى يعج بالسياح، خاوياً مثل فنادق أخرى كثيرة، ليعبِّر هذا المبنى المزخرف بصفوف الزهور المهجورة والمقاعد الشاغرة، عن سنوات الجدب التي يشهدها القطاعي السياحي منذ 2011.
وتحاول تونس أن تتعافى، بينما انفلت زمام الأمور في سوريا واليمن. وتعرضت مدن ليبية عدة للدمار، بيد أنَّ المقاربات السياسية التي يقوم بها سلامة في هذا البلد يمكن أن تضع حداً للمأساة. وبعد لحظات من الصمت والتأمل مع فنجان القهوة، يؤكد المبعوث الأممي مجدداً أن «انغلاق الاتفاق السياسي على نفسه يجعله يذبل».
وأضاف أن «كل انفتاح هو من أجل المستقبل»، قبل أن يشدد على هذه النقطة بقوله وهو يرفع حاجبيه إلى أعلى: «مرة أخرى... كل ليبي يقبل بأنه يريد أن يبني المستقبل، وليس أن يسترجع الماضي. وكل ليبي يقول إنه مستعد للتخلي عن أي عمل عسكري، ويريد الانخراط في العمل السياسي، ترشيحاً، وتصويتاً، وممارسة، وتحزباً، وما شابه، فيدي في يده. لذلك ليس الموضوع مطروحاً أنني سأقابل ملكياً أو قذافياً. أنا أقابل الملكيين وأقابل القذافيين».

توحيد الجيش
هناك أسباب عدة لزيارة سلامة الأخيرة للقاهرة، بينها لقاؤه مع قادة في الجيش المصري. فالملف الليبي انتقل هنا، مؤخراً، من يد الفريق محمود حجازي، الرئيس السابق للجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا، إلى رئيسها الجديد اللواء محمد الكشكي. واجتمع سلامة مع اللواء الكشكي الأحد الماضي، وأكد الأخير أن الجهود التي تقوم بها بلاده تندرج تحت مظلة الأمم المتحدة لإحلال السلام في ليبيا. ويقول سلامة إنه لم يلحظ اختلافاً جوهرياً بين الفريق حجازي واللواء الكشكي. «لكل شخص شخصيته. مؤسسة الجيش في مصر مؤسسة متكاملة، متضامنة، ولها عقيدتها، فلا أرى تحولاً في هذه العقيدة».
وتطرق المبعوث الأممي إلى دور مصر في عملية توحيد الجيش الليبي، ووصفه بأنه «دور مميز نتمنى له النجاح فعلاً». وأعرب، علاوة على هذا، عن رغبته في البقاء «على بيِّنة أوضح لما هو حاصل فعلا على الأرض بالنسبة إلى الأوضاع الأمنية والعسكرية» في ليبيا. ويبدو من كلمات سلامة، عموماً، أن مشكلة انقسام المؤسسات تمثل هاجساً كبيراً لديه. فحتى المصرف المركزي يعاني من انقسام يؤثر بالسلب على الاقتصاد وعلى حياة ملايين الليبيين.
«أنا بحاجة إلى ذلك»، يقول سلامة في معرض حديثه عن توحيد الجيش الليبي. ويستحضر تجارب دول عمل فيها ومرت بفوضى عارمة، لكن مؤسساتها لم تنقسم بمثل هذه الطريقة التي تعصف بالسفينة الليبية. ويوضح: «أنا قادم من بلد اسمه لبنان، عاش 15 عاماً من الحرب الأهلية المدمرة، ذهب ضحيتها 130 ألف لبناني، ولكن لم ينقسم المصرف المركزي. أنا عملت في العراق، حيث حصلت أشياء خطيرة، ولم ينقسم المصرف المركزي. في ليبيا انقسم المصرف المركزي. فهناك مؤسسة في مدينة البيضاء وأخرى في طرابلس. إذن أنت بحاجة لكي تبدأ بعملية توحيد المؤسسات في ليبيا. إذا كانت مصر تساعدك في توحيد إحدى هذه المؤسسات الأساسية في ليبيا، وهي الجيش، فأنت بحاجة إلى أن تدعم هذا التوجه، لأنك تعلم أنه قد يكون نموذجاً ومثالاً لتوحيد مؤسسات أخرى مدنية في ليبيا».
وحين انقسم الجيش الليبي، انقسم بطريقة لم تعرفها دول كثيرة مرت بأحداث مماثلة. ففي شرق ليبيا يوجد مقر الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر. وفي الغرب هناك قوى عسكرية مثل الجزر المنعزلة. ويقول سلامة: «أنت، في ليبيا، لست أمام نصفي جيش... هناك كتلة جيش موحدة في الشرق، إلى حد كبير، وهناك تفرُّق أكثر في الغرب. يعني هناك بلدان ينقسم فيها الجيش إلى قسمين، قسم هنا وقسم هنا. وأمر توحيده يتم بطريقة غير الطريقة التي تتم بها محاولة توحيد جيش نصفه منقسم ولكن متشظٍ، ونصفه الثاني متوحد»، كالحالة الليبية.
ومن شرفة في أعلى الفندق الذي يقيم فيه كان يمكن أن ترى «برج أم كلثوم» في ضاحية الزمالك، ومن ورائه تمتد الكتل الخرسانية حتى أطراف مدينة الجيزة، حيث جرى هناك، قبل 77 عاماً، تأسيس الجيش الليبي للمرة الأولى. وحالياً تحاول مصر أن تساعد الليبيين لإعادة الجيش ككتلة واحدة مرة أخرى.
ويقول سلامة، وهو يتطلع إلى المباني الغارقة في الضباب: «أنا لا أسعى أبداً إلى انتصارات وهمية سريعة. أسعى إلى إرساء مؤسسات ثابتة لها طابع الديمومة. لذلك اهتممت مثلاً بعملية توحيد الجيش، وأعمل جاهداً على توحيد عدد كبير من المؤسسات الأخرى». ثم يضيف بعزم واضح: «أنت، اليوم، أمام مشروع طويل».
ومع ذلك يوجد قدر من التفاؤل. يقول: «في مصر، أرى أن هناك سيولة كبيرة في الفترة الأخيرة. ماذا أرى؟ أرى في مصر انفتاحاً حقيقياً على ضباط خارج ضباط المشير حفتر. والانفتاح على مناطق قيل (في السابق) إنها عصية على أي تواصل مصري. ووجدت عند هؤلاء الضباط الذين أقابلهم قدراً من الاهتمام بنجاح المبادرة المصرية في هذا المجال».

متغيرات حفتر
حتى بالنسبة إلى حفتر الذي كانت زياراته الدولية محدودة، أصبحت في الفترة الأخيرة أكثر من السابق. فبالإضافة إلى دول عربية حليفة عدة له، ظهر في موسكو وباريس وروما، وهي عواصم كانت تبدو غير مرتاحة له في الماضي. كما استقبل مسؤولين من دول أوروبية في مقره في قاعدة الرجمة العسكرية قرب بنغازي.
ويعلق سلامة على هذا المتغير اللافت في الشهور الأخيرة قائلاً: «ربما هناك مرحلة بدأت قبل أن أصل إلى ليبيا، لذلك لا أدَّعي أن لي علاقة بها، لكنها مرحلة بدأت قبل أشهر، فيها قدر أكبر من السيولة... كما أن من كانوا وراء حفتر يسعون إلى توسيع رقعة علاقاتهم في ليبيا، ومن كانوا بعيدين جداً عن حفتر، أقاموا علاقات معه».
وينظر المبعوث الأممي إلى هذا الأمر باعتباره تعبيراً عن «نوع من جنوح عام نحو قدرٍ من الواقعية». ففي مصر، وفي الدول التي أيدت حفتر منذ اليوم الأول، وكذلك في الدول التي خاصمته منذ اليوم الأول، يرى سلامة أن «هناك نوعاً من التلاقي التدريجي على فكرة أنه، من جانب، ليس هناك حل عسكري في ليبيا، ومن جانب آخر، لا يمكن تجاهل المشير حفتر كقوة حقيقية على الساحة الليبية. أعتقد أننا اقتربنا من نقطة الالتقاء هذه بين مختلف الدول المعنية بليبيا، وهذا الأمر مفيد للتوصل إلى حل سياسي».

شكاوى الجيران
من خلال المناقشات المطولة التي أجراها سلامة، سواء في وزارة الخارجية المصرية أو غيرها، لمس تخوفاً من انتشار ملايين من قطع الأسلحة في بلد بلا سلطة موحدة أو قوية. ويقول: «إذا كنت جاراً لبلد فيه 23 مليون قطعة سلاح، وهناك دولة غير قادرة على جمع هذا السلاح أو ضبطه، فمن حقك المشروع أن تقوم وتقول أنا أريد أن أحمي حدودي».
وسمع سلامة من المصريين، أنهم شهدوا في الفترة الأخيرة تكثيفاً لدخول «الممنوعات» من ليبيا، في إشارة إلى الأسلحة والمتطرفين. وهي مشكلة اشتكى منها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرات عدة. ويقول سلامة إن «حدود مصر مع ليبيا طويلة، والدولة المصرية تتكلف مئات الملايين من الجنيهات للدفاع عن حدودها الغربية ولمراقبتها».
وهناك شكاوى مماثلة من الجزائر وتونس. ويزيد سلامة موضحاً أن «هذا الأمر صحيح أيضاً بالنسبة إلى الجزائر. حدثني رئيس حكومة الجزائر عن مبلغ خيالي هو تكلفة نشر الجيش الجزائري على الحدود مع ليبيا. أما تونس فحدث ولا حرج. هم أيضاً على تماس مباشر. الدول التي هي على تماس مباشر مع الحالة الليبية، لديها مخاوف حقيقية وشرعية».
القضية تؤرق كذلك القارتين الأفريقية والأوروبية. ولهذا يسعى المبعوث الأممي إلى تحريك الرباعي الدولي المهتم بالشأن الليبي، الذي يضم كلا من الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي. ويضيف أن «الأفارقة يريدون أن يذكرونا، بحق، بأن ليبيا دولة أفريقية، وكان لها دور في أفريقيا. الأوروبيون يقولون إن ليبيا دولة مجاورة، ولهم مصالح وتخوفات، مثل الإرهاب والهجرة وغيره. وبالطبع بالنسبة إلى جامعة الدول العربية، ليبيا تعد مهمة للجامعة. وأنا كنت في لجنة إصلاح الجامعة، فلا يمكن أن أتجاهل الجامعة أساساً».

الطريق إلى الانتخابات
يخشى الدكتور سلامة من أن يكون الاحتكام إلى الانتخابات في البلدان التي تشهد نزاعات مجرد هروب إلى الأمام. ومن خلال حديثه يمكن أن تستشف تأثره بفترات عمله في مناطق صعبة منها العراق، حيث كان ضمن وفد الأمم المتحدة إلى هذا البلد بعد الاحتلال الأميركي في 2003.
ويقول: «أنا لست من ممارسي الانتخابات باعتبارها الفن للفن. أحياناً الانتخابات هروب للأمام، لأنك لا تجد حلاً. وأنا لست من أنصار هذا الحل. أقول لك، في العراق، أول انتخابات بعد الغزو كنت ضدها. لأنني لم أجد أن هناك القدر الكافي من الحرية عند الناس كي يترشحوا ويصوتوا. وطلبت تأجيلها. وهناك حالات كثيرة مماثلة في العالم. في أنغولا وفي الجزائر، وغيرها».
وفي الحالة الليبية يريد سلامة أن يكرر التجربة التونسية التي كان طرفاً فيها قبل ثلاث سنوات. ويقول: «عندي تجربة بسيطة ومتواضعة أتكلم عنها بفخر. في سنة 2014 تمكنا من جمع كل قادة الأحزاب الأساسية في تونس. جاءوا إلى دار البلدية، ووقَّعوا أمام كل كاميرات العالم على تعهد بقبول نتيجة الانتخابات قبل إجرائها... سأقول بصراحة. نعم أسعى لهذا الأمر في ليبيا».
ويريد الرجل أن يضمن قبول الأطراف الأساسية في ليبيا، عن قناعة، بنتائج الانتخابات، أياً كانت، وإلا ستكون العملية برمتها غير مضمونة، و«مغامرة غير محسوبة». ففي ليبيا اليوم برلمانان وثلاث حكومات، و«نحن لا نريد لا حكومة رابعة ولا برلماناً ثالثاً». ويضيف أن الصراع الحالي في ليبيا يجري على «سلطة غير موجودة، فلنوجد السلطة قبل أن نتصارع عليها».
ماذا يريد أن يفعل سلامة في ليبيا التي أصبحت تفتقر لأي تراث ذي شأن فيما يتعلق بالعمل المؤسسي؟ يقول: «أولاً: أنت تريد دستوراً. ثانياً: أنت تريد انتخابات حرة ونزيهة وإيجابية، وليست سلبية. وثالثاً: أنت تريد مصالحة وطنية في مجتمع متشظٍ. أنا أعمل على هذه الأشياء». ويرى بيقين وثقة أن «هذه النقاط، وكل ما يتعلق بها، قادرة على أن تؤمِّن فعلا عدم فتح مرحلة انتقالية جديدة، وإنما الانتقال إلى مرحلة ثابتة».
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف بدأ يحاول استخراج حكومة «مؤقتة» من قلب الاتفاق السياسي. حكومة تهتم بالأحوال المعيشية للناس، بينما يستمر عمله على الأمور الأساسية إلى نهاية المرحلة الانتقالية في سبتمبر المقبل. لكن هذه المحاولة يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، حيث اصطدمت بتفسيرات ليبية يمكن أن تخرجها عن هدفها، لأن البعض اعتقد أن الحكومة المؤقتة، التي يسعى إليها، ستكون حكومة دائمة.

معضلة 17 ديسمبر
ويمثل يوم 17 من الشهر الجاري معضلة يدور حولها لغط ليبي كبير. فهو موعد انتهاء عمل حكومة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج، وفقا لما حدده اتفاق الصخيرات، لكن هناك تفسيرات مغايرة تقول إن بدء العد التنازلي لعمل السراج يكون من لحظة تصديق مجلس النواب على حكومته، وهو أمر لم يحدث منذ تولي السراج للمسؤولية في مثل هذا الوقت من عام 2015.
بيد أنَّ سلامة لا يعطي أهمية كبيرة لهذا الموضوع. ويقول: «نحن خارج هذه النزاعات القانونية، وهذا الجدل». ويضيف أن «هناك آراء تقول إن كل شيء ينتهي في 17 ديسمبر، وآراء تقول إن الحكومة لم تبدأ كي تنتهي في 17 ديسمبر. وهناك من يقول إن كل شيء ينتهي إلا أنا، وهناك من يقول إن حكومة الاتفاق تنتهي، لكن الاتفاق السياسي يظل».
ويتابع سلامة موضحاً: «أنا اقترحت على مجلس الأمن أن نذهب باتجاه تنفيذ خطة العمل، متجاوزين هذا التاريخ، وعدم اعتباره تاريخاً لانتهاء أي شيء أو بدء أي شيء. نحن نذهب إلى المصالحة الوطنية، واختيار دستور للبلاد، وانتخابات عامة، ونركز على هذا الأمر، ويستمر الوضع الحالي، حتى التوصل إلى هذه البنود الثلاثة، وآمل أن يتم ذلك في غضون عشرة شهور من الآن، على الأكثر».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.