لماذا تزدهر الأفكار في مكان دون آخر؟

لا الفلسفات ولا النظريات ولا المفاهيم تبقى حيث هي

هوبي بابا  -  فرانتز فانون
هوبي بابا - فرانتز فانون
TT

لماذا تزدهر الأفكار في مكان دون آخر؟

هوبي بابا  -  فرانتز فانون
هوبي بابا - فرانتز فانون

هل للفلسفات والنظريات والمفاهيم أوطان كما للبشر؟ هل ترحل كما يرحلون وتتلون كما يتلونون؟ أطروحات ومؤشرات كثيرة تقول ذلك وتضيف أن التلون هنا وهناك تحكمه ظروف كالتي تحكم الناس. ما يجتذب الأفكار إلى مكان يشبه ذلك الذي يجتذب الناس حين يقررون الرحيل والإقامة في أماكن غير التي ألفوا.
هذه ظاهرة تبينت لعدد من المفكرين والنقاد مثلما اتسمت بها أعمالهم هم قبل وعيهم بها. فلسفات ونظريات ومفاهيم تولد ضمن أطر ثقافية محددة وتزدهر لدى أفراد ينتمون إلى بيئات محددة، لكن لا الفلسفات ولا النظريات ولا المفاهيم تبقى حيث هي، تماماً كما أن الأفراد لا يبقون. ثمة هجرة تحكمها اشتراطات وتزداد صعوبة اكتشافها بقدر ما تكون تلك المعطيات النظرية مجردة تسعى إلى العالمية أو الكونية، فلا تتكشف بسهولة عن انتماء إلى أرض أو مجتمع كما تتكشف الأعمال الأدبية والفنية بشخوصها وثيماتها المستمدة من بيئة واضحة المعالم أرضية السمات. غير أن تلك النظريات أمكن اكتشاف صلتها بمواطن ولادتها ونشوئها وارتقائها، مثلما أمكن اكتشاف مدى تأثرها بموطنها الجديد. بل إن من الصعب أحياناً تخيل أن تولد نظرية أو فلسفة خارج الاشتراطات التاريخية لولادتها، أو أن يتطور مفهوم في مكان غير الذي رأى النور فيه على الرغم من انتمائه، وإن كان جزئياً، إلى تربة أخرى.
التيار الذي تنامى في بعض مناطق أفريقيا وآسيا، وازدهر في ثمانينات القرن الماضي في أميركا؛ التيار المعروف بالدراسات ما بعد الكولونيالية (أو ما بعد الاستعمارية) بما يتضمنه من نظريات ومفاهيم، أنموذج حي لما أشير إليه. يعد المفكر والمناضل المارتينيكي فرانتز فانون مؤسساً لتلك الدراسات التي تحولت إلى تيار جاء فيما بعد من نظّر له ودعمه بالبحث والتحليل المؤسس على أطروحات متنوعة وأمثلة لا حصر لها. تلك الأمثلة استمدت في الغالب من أدب ما يعرف بالعالم الثالث، أي الآداب الآسيوية والأفريقية. ومن طبيعة التيارات سواء في الفلسفة أو في الدراسات الإنسانية على اختلافها ألا تعود إلى مؤسس واحد، وإنما إلى العديد من الأشخاص الذين أسهموا في نموها على مدى سنوات، وأحياناً عقود، كما هو الحال مثلاً في التيار الماركسي الذي يصعب حصره في كتابات ماركس وإنجلز لأن إسهامات من جاؤوا بعدهم مثل لينين وتروتسكي وغيرهما امتداداً إلى القرن العشرين حين جاء فلاسفة مثل الفرنسيين التوسير وباديو، كلها أسهمت في تشكل ذلك التيار بالقدر الذي أخذه، في بعض وجوهه، بعيداً عما تخيله من يعد مؤسساً له.
فرانتز فانون وضع عدداً من الكتب منها كتابه الأشهر الذي أنهاه قبيل وفاته في الولايات المتحدة عام 1961 وهو «المعذبون في الأرض»، ومنها أيضاً كتاب شهير آخر كان سابقاً له هو «جلود سوداء، أقنعة بيضاء». والكتابان نتاج ثقافة وتفكير عميقين إلى جانب نضال شاق خاضه فانون في غمار حرب الاستقلال الجزائري مناصراً لمناضلي ذلك البلد العربي إيماناً بقضيتهم وكراهية للمستعمر الفرنسي (كما حصل مع تشي غيفارا في أميركا الجنوبية وهو ممن تأثروا بفانون). ومما يركز عليه الكتابان، إلى جانب المطالبة بحقوق الشعوب المستعمرة في التحرر، نمط العلاقة التي تنامت بين المستعمر والشعوب التي وقع عليها الاستعمار، جدلية الأبيض والأسود والأبعاد النفسية التي حكمتها وأدت إلى أن يكون كلاهما، أي الأبيض والأسود، وعلى حد سواء، ضحايا لالتباسات تلك العلاقة، كما يقول الناقد الهندي - البريطاني هومي بابا في مقالة له حول كتاب فانون الثاني «جلود سوداء، أقنعة بيضاء».
يعد هومي بابا نفسه أحد رواد التيار ما بعد الكولونيالي، لا سيما في كتابين شهيرين أحدهما «موقع الثقافة»، الذي ترجم للعربية، و«الشعب والسرد» («نيشن أند نارّيشن»، ولا أدري إن كان ترجم أم لا)، كما أن من رواد التيار الناقدة البنغالية غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك، مترجمة كتاب دريدا الأشهر «في الغراماتولوجيا» (أو النحوية) ومدشنة مفاهيم مركزية في الدراسات ما بعد الكولونيالية. لكن الناقد الذي يعد صاحب إسهام تأسيسي سابق لهذين هو إدوارد سعيد في كتاب «الاستشراق» ثم «الثقافة والاستعمار» من حيث هما دراستان للخطاب الاستعماري في مواجهة ما سمي بالشرق وفي تأثيره على الثقافة. الاستشراق في دراسة سعيد خطاب يراه متوزعاً بين رغبة السيطرة ووهم المعرفة، السيطرة على الشرق استعمارياً وتوهم معرفته بخلق موضوعة لا وجود لها في حقيقة الأمر اسمها الشرق، حيث إنها مبنية على تصورات متوهمة. وسعيد هو أحد الذين درسوا انتقال النظرية وتلونها في مقالة شهيرة ضمن كتابه «العالم، النص، الناقد».
أحد الذين سبقوا أولئك النقاد زمنياً، وإن لم يتركوا أثرهم بقوة على تطور التيار هو الكيني نغويي وا ثيونغو في سعيه منذ ستينات القرن الماضي إلى دراسة آثار الاستعمار الثقافي وسعيه للتخلص منه. ويعد كتاب وا ثيونغو «تحرير العقل من الاستعمار» تأسيسياً في هذا الاتجاه الذي صاغه، كما يتضح من الأسماء المشار إليها، كوكبة من النقاد والمفكرين ذوي الانتماء الأفريقي والآسيوي ممن وقع على شعوبهم الاستعمار أو الاحتلال. لكن المفارقة العجيبة هنا هي أن هذا التيار على الرغم من صدوره عن تلك الكوكبة لم يجد تربة خصبة في البلاد التي ظهر فيها أولئك النقاد والمفكرون. ولعل ذلك ما يفسر أن معظم المسهمين في تطور التيار يعيشون في الغرب الذي هاجروا إليه وأصبحوا من مواطني دوله.
إننا هنا أمام ظاهرة تلوّن الفكر بموقع نشوئه والشروط التاريخية التي حكمت ذلك النشوء، أي أننا نتحدث عن موقع الفكر النقدي أو موقع النظرية، إذا استعملنا عنوان هومي بابا. لم يكن للدراسات ما بعد الكولونيالية أن تنشأ فرنسية أو بريطانية على الرغم من وجود الفكر اليساري والماركسي أيضاً هناك، وهو الأساس النظري للنقد ما بعد الكولونيالي. كان من الضروري لنقاد أو مفكرين من العالم الثالث أن ينهضوا بتلك المهمة. أما وجود معظم أولئك في الغرب نفسه، الولايات المتحدة تحديداً، وقابلية أعمالهم للانتشار في الثقافة الغربية فمرده، إلى جانب المستوى الأكاديمي والمستوى المعيشي، المعدل العالي من حرية التعبير هناك. فالنقد ما بعد الكولونيالي ليس نقداً للخطاب الاستعماري فحسب وإنما هو أيضاً لما يعرف بالاستعمار الجديد وللأنظمة التي حلت محل الاستعمار القديم ودعمها الاستعمار الجديد، سواء في شكل حضور عسكري، أو بتحويلها إلى أسواق معولمة للاقتصاد الغربي وغير الغربي (الصيني بشكل خاص). ويعني هذا أنه نقد يتوجه إلى الأدب الذي أنتج في مرحلة ما بعد الاستعمار أو مرحلة الاستعمار الجديد في البلاد التي كانت مستعمرة، والتي «استعمرت» من جديد، وهو ما قد يفسر عدم ازدهار النقد ما بعد الكولونيالي في المناطق التي نشأ فيها نقاده، كالهند وأفريقيا والعالم العربي لأنه سيعني نقداً سياسياً واجتماعياً وثقافياً صادماً.
لكن النقد ما بعد الكولونيالي ليس الوحيد الذي لم يزدهر خارج الغرب. هناك تيارات ونظريات أخرى مثل التاريخانية الجديدة ونقد الأدب المثلي وغيرهما. بعض تلك لا يحتاج غيابه إلى تفسير، لكن البعض الآخر يحتاج إلى وقفات أكثر تدقيقاً، لتظل الظاهرة أثناء ذلك ماثلة أمامنا. تيارات ونظريات ومفاهيم تزدهر هنا ولا تزدهر هناك مخالفة بذلك مقولة العالمية في الفكر التي انتشرت مع التنوير والحداثة الصلبة ولم تجد دائماً ما يؤكدها.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.