مبارك المهدي: زيارة البشير لروسيا للتخلص من أجندة «الإسلاميين»

نائب رئيس الوزراء السوداني قال لـ «الشرق الأوسط» إن الخرطوم ملتزمة عاصفة الحزم والذود عن المملكة أمام أي تهديد

مبارك الفاضل
مبارك الفاضل
TT

مبارك المهدي: زيارة البشير لروسيا للتخلص من أجندة «الإسلاميين»

مبارك الفاضل
مبارك الفاضل

أجمل نائب رئيس الوزراء السوداني مبارك الفاضل المهدي وزير الاستثمار، نتائج زيارة الرئيس عمر البشير إلى روسيا، وتصريحاته المثيرة للجدل هناك، في «إصلاح الدبلوماسية السودانية وتخليصها من أثر الآيديولوجيا الإسلامية، وبرامج الحركة الإسلامية ونفوذها»، و«خدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية في استخراج الغاز الطبيعي الذي يملك منه السودان احتياطياً كبيراً».
ووصف المهدي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، موقف البشير من أزمة سوريا بـ«العقلاني والعملي»، والنابع عن خوف من تجربة انهيار الدولة في ليبيا وما خلقه من فوضى، لذا يتمسك بأهمية الوصول لتسوية، تحافظ على الدولة، وتخلق التغيير في الوقت ذاته، ورأى أن هذا الموقف لن يؤثر على تحالف السودان في عاصفة الحزم، وأكد استمرار موقف الخرطوم الداعم لقوات التحالف العربي لاسترداد الشرعية في اليمن إلى حين الوصول إلى تسوية. كما أشار إلى أن مصالح السودان لا تتعارض مع «التطبيع مع إسرائيل» وتؤيد في الوقت نفسه الحقوق الفلسطينية.
- بصفتكم نائباً لرئيس الوزراء السوداني، كيف تصف ما تمخّض عن زيارة الرئيس البشير لروسيا، باعتبارها توجهاً جديداً لسياسة السودان الخارجية؟
- الزيارة كانت ضمن جهود إصلاح الدبلوماسية السودانية، وتخليصها من أثر الآيديولوجيا للحركة الإسلامية، وبرامجها ونفوذها، التي أدت لقصر علاقات البلاد على الصين ودول آسيا وحدها. لأن الحركة الإسلامية قد اختارت الدخول في مواجهة آيديولوجية مع الغرب وأميركا، واعتبرت روسيا وشرق أوروبا امتداداً لهما، ولأن روسيا تتفق مع الغرب في مواجهة التطرف الديني، وذلك يتناقض مبدئياً مع أجندة الحركة الإسلامية، لذا ابتعد السودان عن روسيا.
دار الرئيس البشير بسياسة السودان الخارجية (360) درجة، وأعاد علاقات السودان مع الخليج، والمملكة العربية السعودية، وأوروبا والولايات المتحدة، إلى طبيعتها، فزيارة روسيا الغرض منها الانفتاح على المعسكر الشرقي. تاريخاً، احتفظ السودان بعلاقات متوازنة بين الغرب والشرق، وكان من أوائل دول المنطقة التي تسلحت من روسيا، رغم علاقته القوية مع أميركا والغرب. والجيش السوداني استخدم البندقية الأميركية (GM3)، والبندقية الروسية «كلاشنيكوف» معاً.
- وهل خلقت الزيارة التوازن وحده؟
- بجانب التوازن، فإنها هدفت لخدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية في استخراج الغاز الطبيعي الذي يملك منه السودان احتياطياً كبيراً، يضيع منه الكثير مع تكرير البترول، لكون روسيا من الدول القلائل التي تملك تكنولوجيا لاستثمار الغاز الذي كان يُهدر سدى.
كذلك يملك الروس خبرات وتقنيات متقدمة في التنقيب عن المعادن، لا سيما الذهب، ويملكون - بحكم معاملاتهم السابقة - خريطة جيولوجية للسودان. ويصدّرون إلى السودان قرابة مليون طن من القمح سنوياً، بما يوازي أكثر من ثلث وارداته من القمح البالغة 2,7 مليون طن سنوياً.
- لماذا أثارت الزيارة كل هذه الضجة إذن؟
- كان الناس يركّزون على التطبيع مع أميركا، فاعتقدوا أن الزيارة ليست إلّا تحولاً لتحالف محوري مع روسيا. هي مثلها وزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا، وتوقيعه اتفاقيات كثيرة معها، تتضمن اتفاقية تسليح بثلاثة مليارات دولار، وتوقيع دولة الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي لاتفاقية استراتيجية لتخزين القمح الروسي في الإمارات، فمصالح الدول لا تقتصر على معسكر واحد.
- لكن طلب الحماية الروسية من أميركا، أربك المحللين؟
- أوضح وزير الخارجية إبراهيم غندور، أن الرئيس البشير كان يعني حماية السودان في مجلس الأمن، بالاستناد على الموقف الروسي من قرار حظر تصدير الذهب السوداني، وقرارات أخرى بعضها متعلّقة بدارفور. استخدمت فيها روسيا «الفيتو» لوقفها، لكن الصين لم تستخدمه، بيد أن روسيا امتلكت الجرأة اللازمة لاستخدامه لصالحنا.
نحن نسعى لتوظيف العلاقة لخلق توازن، يمكننا - على الأقل - من تحجيم الضغوط الأميركية، التي إذا واجهناها من دون سند دولي، سيكون موقفنا ضعيفاً، أما حين تسندنا روسيا في المحافل الدولية ومجلس الأمن، فستكون المطالب الأميركية معقولة بما يسرع التطبيع، بالاستفادة من تنافس هذه الدول.
- لكن الرئيس طلب حماية روسيا من سعي أميركي لتفتيت السودان إلى دويلات؟
- يمكن قراءة هذا في السياق التاريخي، فإدارات الرؤساء: (كلينتون، بوش الابن وأوباما)، دعمت انفصال جنوب السودان، والحرب في جنوب جبال النوبة والنيل الأزرق. واتخذت قرارات كثيرة ضد النظام في السودان، مستفيدة من الصراع بين السودانيين.
ضمن هذا السياق التاريخي، تواصل إدارة الرئيس ترمب عملية التطبيع من حيث انتهت إدارة أوباما، بسبب متغيرات «جيوبوليتيكية» في المنطقة، ونتيجة لتحولات في السياسة السودانية الداخلية والخارجية، وارتباطها باحتياجات الأمن القومي الدولي والأميركي.
قاد الرئيس الحوار الوطني لتفكيك سيطرة الحركة الإسلامية، والتخلي عن أجندة الإسلاميين في السياسة الخارجية والداخلية، ما أدى للتغيير في الموقف الأميركي نهاية عهد باراك أوباما، ويسير الرئيس دونالد ترمب في هذا الاتجاه.
هذه السياسات كانت موجّهة لحكومة السودان حين كانت تستند على أجندة الحركة الإسلامية، والرئيس البشير بدّل هذه السياسة فانفتح الوضع أمامه. كما شهدت المنطقة تحولات كبيرة، من بينها تفجّر قضايا مثل الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، وحالة عدم الاستقرار بعد الربيع العربي في اليمن ومصر وليبيا، وتجربة العراق. هذه التحولات جعلت من السودان لاعباً مهما في حماية الاستقرار الإقليمي والدولي. وتأهل له بسبب التحولات في سياسته الخارجية والداخلية، لأن الرئيس نقلها من أجندة حزبية ضيقة تخص الحركة الإسلامية، إلى أجندة وطنية سودانية.
- يربط البعض طلب الرئيس للحماية الروسية، بزيارة نائب وزير الخارجية الأميركي (جون سوليفان) للسودان، والتي وضعت شروطاً لتطبيع العلاقات، من بينها التخلي عن القوانين الإسلامية؟
- من التنوير الذي قدمه لي وزير الخارجية إبراهيم غندور، يمكنني القول بأنّ اجتماعات (جون سوليفان) كانت ناجحة. توصل الطرفان خلالها لتفاهمات وبرنامج لتسريع التطبيع. مسنودة بدخول أوروبا بقوة لدفع التطبيع، وقد أرسلت أوروبا - خاصة بريطانيا والنرويج - مبعوثين إلى أميركا لدفع رفع العقوبات.
ما أثير من قضايا دينية أو إسلامية خلال زيارة سوليفان، صاحبه (سوء فهم)، لأن ما أثاره الرجل، هو قرارات مؤتمر الحوار الوطني ذاتها، التي نصت على إزالة المواد (151. 152، 153) من قانون النظام العام، وأهمها «اللبس الفاضح» و«الإزعاج العام»، لأنها وفرت مداخلا لاختراقات وانتهاكات لحقوق الإنسان وحقوق السودانيين وحرياتهم، وسببت إزعاجاً كبيراً للمجتمع.
وأكثر من ذلك، كانت هنالك مطالبات قوية لإلغاء قانون النظام العام، ووقفت بجانبها ممثلة حزب المؤتمر الوطني بدرية سليمان. ودفع وزير العدل بالتوصيات لولاية الخرطوم لتلغيها عبر مجلسها التشريعي، والتأخير يُسأل عنه مجلس الخرطوم التشريعي. فلو أنه نفذ المطلوب، لما وجد نائب وزير الخارجية الأميركي (سوليفان) موضوعاً يتكلم فيه، هذه المطالب أجندة سودانية قبل أن تكون أميركية.
- هل هذه التعديلات متفق عليها داخل حكومة الوفاق الوطني؟
- أقر مجلس الوزراء هذه التعديلات ضمن مصفوفة تنفيذ قرارات ومخرجات الحوار الوطني، وسلّمها لقطاع الحكم والإدارة ووزير العدل، لتعديل 108 تشريعات وقوانين، إضافة إلى 4 - 8 تعديلات دستورية. ويعقد النائب الأول رئيس الوزراء الفريق أول ركن بكري حسن صالح، اجتماعات دورية للجنة المتابعة، آخرها كان يوم 10 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. فيما يعنينا في القطاع الاقتصادي، هناك بند راتب في اجتماعاتنا الأسبوعية، لسماع تقارير تنفيذ مقررات وتوصيات الحوار الوطني. ويراجع التنفيذ شهرياً على مستوى مجلس الوزراء، وأسبوعياً في القطاعات.
شخصياً، تكلمت مع وزير العدل قبل زيارة سوليفان للإسراع بإلغاء المواد المتعارضة مع الدستور، ومع أساسيات حقوق الإنسان الموجودة في (قانون النظام العام). فرد بأن هذه مسؤولية المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، وأنه أوصل لها التوصيات عبر وزارة الحكم الاتحادي. النائب الأول يأخذ هذه المسألة بجدية شديدة، لدرجة أنه أصر على بقاء توصيات «مكررة»، كي يقطع القول بأن هناك توصية أو قرارا تم حذفه من السلطة التنفيذية.
- وماذا عن تعديل قانون الأمن الوطني، الذي يتعارض بوضوح مع الدستور؟
- قانون الأمن الوطني والقوانين المتعارضة مع الدستور وقضايا الحريات، تم التوافق عليها في آخر جلسات الحوار الوطني.
- هناك شكوك حول مدى الالتزام، سيما أن التجربة التاريخية في الوفاء بالعهود لا تطمئنها؟
- نعم هناك عدم ثقة، لكن في النهاية «البيان بالعمل»، علينا استعجال التنفيذ، فالسلطة العليا تؤيد السياسات، وعلى المستويات الدنيا التقيد بالتنفيذ. أما إذا كان هناك تعطيل، فمسؤوليته تقع على الأجهزة الأدنى، والمجلس التشريعي لولاية الخرطوم، إضافة إلى المجلس الوطني الاتحادي «البرلمان».
- ألا يمكن أن يُفهم هذا التأخير على أنه نوع من أنواع المماطلة؟
- يمكن أن تكون هناك مماطلة أو تمسك بالقديم، وأن يكون للبعض رأي في التغيير، أو أن يكون هناك من يعملون على تعطيله، لكنهم لن يستطيعوا. حاول المجلس التشريعي بولاية الجزيرة تعطيل التغيير، فأعلن الرئيس حالة الطوارئ وحله، فإذا عطلت الخرطوم أو عوقت انسياب الإصلاح، فسيتم التعامل بصورة حاسمة.
- هل تعتقد أن مستوى الالتزام وتنفيذ توصيات الحوار مطمئن؟
- الالتزام والتنفيذ جيد على مستوى السياسات المتعلقة بالحريات والقوانين، والمطلوب الالتزام بالجانب التشريعي، وإجازة التعديلات الدستورية والقانونية. لأن هذه القضايا تشغل الرأي العام، وتحدث دوياً كبيراً، ويربط الناس بينها وبين التنفيذ. وعلى القيادة السياسية الضغط لتنفيذ المُخرجات، خصوصاً المعلقة بالحريات والقضايا السياسية، فقضية مثل قضية «الصحافية لُبنى» التي حوكمت لأنها ارتدت «بنطالاً»، أخذت صيتاً عالمياً وشوهت صورة السودان.
- تواصلت مصادرات الصحف، وصودرت أخيراً 4 صحف لقرابة الأسبوع خارج القضاء، فكيف تقنع الناس بأن هناك توجهاً نحو الحريات؟
- لا يمكن الحكم بالحجر على الحريات، لمجرد إيقاف صحيفة أو صحيفتين، إذا قرأناه مع الحريات المتاحة وقارناه بالكثير من الدول في الإقليم. عملية التغيير لم تكتمل بعد، لكنها بدأت وتسير، وإلى أن تكتمل علينا التحمل والتعامل مع التجاوزات والانتكاسات.
لن تستطيع تغيير أوضاع نتجت عن صراع آيديولوجيات وأجندة مصالح ضيقة بين يوم ليلة، وأرى ألاّ نحكم بما يحدث بأن «المشروع كله سقط». نعم هناك مقاومة، وعناصر غير متحمسة للتغيير، لكن علينا أن نكون أكثر إصراراً على تنفيذ مخرجات الحوار. فالتغيير عملية لا تقل صعوبة عن النضال المسلح والسياسي المعارض، نحن نناضل لنصل.
- يقول مراقبون إن السودان بصدد إعادة ترتيب علاقاته الإقليمية مع إيران وسوريا والخليج، وقد يصل إلى مرحلة سحب قواته من اليمن؟
- هناك مبادرة بريطانية بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لإنهاء الصراع في اليمن، نتيجتها فتح ميناء الحُديدة ومطار صنعاء للإمدادات الإنسانية، وهي ضمن توجه عالمي وإقليمي للحوار. الحرب لن تنتهي بنصر عسكري، وإنما بحل سياسي يعيد بناء الدولة اليمنية، وإنهاء سيطرة الأقلية الحوثية. حرّرت الحرب حتى الآن جنوب اليمن ومعظم مناطق الشمال، وفتحت الطريق للتسوية. لأن كل الحروب تنتهي بتسويات في النهاية.
داخلياً تفجر الصراع بين حلفاء الأمس عبد الله صالح والحوثيين، وحدثت تحولات تمكننا من القول بوجود مفاوضات ومبادرات لإنهاء الحرب والوصول لاتفاق سياسي. ولا تنسَ أن أحمد عبد الله صالح المرشح للرئاسة، يعيش في «أبوظبي». وبالنسبة إلى السودان، فهو ملتزم بعاصفة الحزم، وأعلن ذلك وزير الخارجية. الموقف الذي عبر عنه الرئيس البشير في روسيا عقلاني وعملي، لكنه لن يؤثر على تحالف السودان في عاصفة الحزم، لوقف التمدد الشيعي الحوثي وتهديد المملكة، وإعادة الشرعية لليمن، والحيلولة دون انهيار الدولة اليمنية، إضافة إلى وقف التمدد المذهبي المدعوم إيرانياً في تهديد المملكة العربية وتغيير توازن القوى في المنطقة.
موقفنا من عاصفة الحزم منطقي، ولن يتغير إلاّ بالوصول لتسوية، فضعف من يريد تغيير المعادلة سيؤدي إلى التسوية، وعلي عبد الله صالح بدأ يرسل الآن إشارات أنه مستعد للتسوية.
- كيف ترى موقف السودان من بشار الأسد؟
- موقف السودان من سوريا نابع عن تجربة انهيار الدولة في ليبيا وما خلقه من فوضى، لذا يتمسك بأهمية الوصول لتسوية تحافظ على الدولة وتخلق التغيير في ذات الوقت.
الدول التي تقف ضد الأسد (السعودية، الخليج، قطر)، شاركت في مفاوضات جنيف، وانحصر الخلاف في أن يبقى الأسد أم يذهب. بعد تدخل روسيا العسكري، أصبح معسكر بقاء الأسد هو الأقوى، بينما لا تزال المعارضة السورية مختلفة وغير قادرة على الاتفاق.
مصر رغم حلفها مع السعودية والخليج، تؤيد الأسد لاعتبارات استراتيجية في إطار المواجهة مع إسرائيل، بجانب أن معارضة الأسد ذات طابع إسلامي إخواني، وهذه من الأسباب التي جعلت الجيش المصري يتحرك ضد محمد مرسي الذي كان يريد تغيير أساسيات الأمن القومي المصري، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا.
الحفاظ على الدولة والعلاقة مع الحكم لاعتبارات المواجهة مع إسرائيل، مهم للوضع الداخلي في مصر، ورغم موقف مصر مع الأسد، لم تتأثر علاقتها بحلفائها.
السودان يفعل الشيء نفسه، فقبل سنتين، صوّت في الجامعة العربية لصالح سوريا، هذا ليس موقفاً مقصوراً على السودان، فحتى تركيا راجعت حساباتها، ببروز «الجيب الكردي» المدعوم أميركياً.
- أين إسرائيل من هذا المسرح؟
- ترى إسرائيل أن بديل الأسد هو الحركات الإسلامية، وهي تمثل بالنسبة إليها خطراً.
- ضمن ترتيب علاقات السودان الدولية، نُسب إليك حديث عن أهمية تطبيع السودان علاقاته مع إسرائيل؟
- قلت إنّ على السودان اتخاذ مواقفه وعلاقاته الخارجية وفقاً لمصالح شعبه، فإن كانت العلاقة مع إسرائيل تخدمها، مثلما خدمت مصر، فلماذا لا يطبّع علاقته مع إسرائيل؟
دول عربية عديدة طبّعت مع إسرائيل، وفتحت مكاتب اتصال ومكاتب اقتصادية وغيرها، لا يوجد ما يمنع السودان من تطبيع علاقته مع إسرائيل. لمَ لا نطبّع وملامح القضية الفلسطينية تغيّرت، وأصبح يحكمها «اتفاق أوسلو»، وعادت منظمة التحرير للأراضي الفلسطينية في رام الله وقطاع غزة، وتقيم علاقة مع إسرائيل؟
صحيح، هناك خلافات على إكمال الاتفاق وموضوع الدولة الفلسطينية، لكن المواجهة انتهت باتفاق سلام لحل النزاع بالحوار. دول المواجهة تخلت عن الحرب وهناك علاقات دبلوماسية واتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، والأردن طبّعت وأقامت تبادلاً دبلوماسياً، تبقى فقط سوريا ولم تصل لاتفاقية سلام في الجولان، لكنها جمّدت المواجهة. يقوم موقف السودان من دعم الحق الفلسطيني على ما اقترحه ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز باعتماد مبدأ الدولتين.
إذن، خدمة مصالح السودان لا تتعارض مع تأييده للحق الفلسطيني في إقامة دولته، ولن نكون «ملكيين أكثر من الملك» ونتطرف أكثر من أصحاب القضية.
من يتعصبون وينادون باستمرار المواجهة مع إسرائيل، أناس تحركهم أجندة حزبية، بينهم من هو مع حماس، لكن حتى حماس عادت واتفقت مع منظمة التحرير وسلمت الحكم في غزة لحكومة مشتركة، ولأن مصالحها مهددة، رجعت للاتفاق مع إسرائيل والتعاون معها. نحن لن نستمر في اتباع أجندة مذهبية حزبية، بل مصالحنا.
- هل وجد هذا الموقف قبولاً من دوائر شعبية ورسمية؟
- وجد قبولاً شعبياً كبيراً، بمن في ذلك البسطاء البعيدون عن الصراع، لأن تحولاً كبيراً حدث للرأي العام السوداني. ولم تعد تحكمه الطوباوية والعاطفية التي حكمت جيل الخمسينات، الأجيال الجديدة لم تشهد معارك حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ولم تنفعل بها، مثلما انفعلت بها تلك الأجيال، الأجيال الجديدة تنظر إلى مصالحها، وتدعو للانصراف إليها.
- إلى أي مدى وجد هذا الموقف قبولاً داخل مطبخ صناعة القرار؟
- هذا يُسألون فيه هم، لكن في نظري السكوت من علامات الرضا. الموضوع أثير في مؤتمر الحوار باعتباره بنداً أساسياً، وهناك تصريحات لوزير الخارجية إبراهيم غندور، تقول إن السودان ملتزم بالمبادرة السعودية وتطبيق مبدأ الدولتين، ولا اعتراض على التطبيع في إطار هذه المبادرة، وهذا رد فعل إيجابي وواقعي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.