لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية

تمثيل مشرف للعرب والأفارقة في أرفع منبر قانوني عالمي

لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية
TT

لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية

لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية

تكرّر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 «السيناريو» الذي مُثّل فصولاً في الشهر نفسه من العام 2014 عندما جرى انتخاب أربعة قضاة فقط خلال جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة من بين خمسة قضاة يُصار إلى تغييرهم كل ثلاث سنوات في محكمة العدل الدولية، وبعدها بيومين أُعلِن اسم القاضي الخامس بعد انتهاء عملية التصويت. ولئن كان «سيناريو» 2014 قد شهد التجديد للقاضي المغربي محمد بنونة، فإن ما حدث هذا الخريف كان اختيار اللبناني نوّاف سلام، والتجديد لنائب رئيس المحكمة الصومالي عبد القوي أحمد يوسف.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» اعتبر الدكتور محمود رفعت، أستاذ وخبير القانون الدولي الذي مارس المحاماة في دول أوروبية مختلفة، منها بلجيكا، وفرنسا، وبريطانيا، أنه «لشرف كبير وجود ثلاثة أسماء عربية وأفريقية في أعلى هيئة قضائية دولية». وأردف «نحن كعرب لنا باع طويل في القضاء والقانون الدولي، لكن للأسف هذا الأمر مغفول عنه، ويكفي أن أخبرك أن قاضياً جزائرياً هو محمد بجّاوي سبق له ترؤس محكمة العدل الدولية عام 1993، وأيضاً كان هناك قاض مصري في المحكمة هو الدكتور نبيل العربي (الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية) - من 2001 إلى 2006 - وقضاة في محاكم دولية أخرى».
محكمة العدل الدولية، ومقرّها مدينة لاهاي الهولندية هي الجهاز القضائي الرئيس لمنظمة الأمم المتحدة. وتتولى هذه المحكمة الفصل، طبقاً لأحكام القانون الدولي، في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقدّم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
تتألف المحكمة من 15 قاضياً ينتخبون بأغلبية مطلقة في كل من الجمعية العامة (97 صوتاً) ومجلس الأمن (8 أصوات). ويُنتخب خمسة قضاة كل ثلاث سنوات، ويجري اختيارهم على أساس مؤهلاتهم لا جنسياتهم، لكن لا يجوز وجود قاضيين في هيئة المحكمة من بلد واحد.
هذا الخريف انتخب مجلس الأمن، الذي عقد اجتماعاً مستقلاً تزامناً مع اجتماع آخر للجمعية العامة، الهندي دلفير بهانداري قاضياً في محكمة العدل الدولية لفترة تسع سنوات تبدأ في 6 فبراير (شباط) 2018، وذلك بعدما قررت بريطانيا سحب مرشحها من التنافس. وفي الانتخابات، التي استغرقت أسبوعين، تنافس ستة مرشحين على خمسة مقاعد، كان خمسة منهم أعضاء حاليين في محكمة العدل الدولية هم: روني إبراهام (فرنسا) - الرئيس الحالي -، وعبد القوي أحمد يوسف (الصومال) - نائب الرئيس -، وأنطونيو أوغوستو كانسادو ترينداده (البرازيل)، ودلفير بهانداري (الهند)، وكريستوفر غرينوود (بريطانيا)، بينما كان المرشح السادس هو نوّاف سلام، الممثل الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة.
وبعد جولات تصويت عدة أجريت يوم 9 نوفمبر، أعاد المجلس انتخاب كل من الفرنسي روني (المولود في مصر)، والبرازيلي ترينداده، والصومالي يوسف، إضافة إلى اللبناني سلام، الذي لم يكن عضواً في المحكمة. أما الخامس فهو الهندي بهانداري.
وهكذا، في التشكيلة الجديدة، اعتباراً من فبراير المقبل، ستكون الدول العربية ممثلة بالمغربي محمد بنونة الذي تنتهي عضويته عام 2024، والصومالي يوسف الذي تنتهي عضويته في عام 2027، إضافة إلى اللبناني سلام الذي تنتهي عضويته في عام 2027 أيضاً. وبالنسبة للقاضي اللبناني نوّاف سلام كان اختياره مصدر سعادة وترحيب من جانب اللبنانيين والعرب بصفة عامة.

الأرفع في العالم
محكمة العدل الدولية تُعدّ أرفع محكمة في العالم؛ إذ تُعرض أمامها أكثر القضايا الدولية صعوبة وتعقيداً لحسم الخلافات بين الدول المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة. وخلال السنوات والعقود الأخيرة كان بين أهم القضايا التي نظرتها وحكمت فيها المحكمة الدولية قضايا النزاع بين اليمن وإريتريا حول جزر حنيش، وبين إريتريا وإثيوبيا حول منطقة بادمي المتنازع عليها، وجدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وقضايا كثيرة أخرى.
ثم أن لمحكمة العدل الدولية نشاطاً قضائياً أشمل؛ إذ إنها تفسّر وتفصّل طبقاً لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، كما تمارس وظيفة استشارية من خلال إصدار الفتاوى للجهات التي تحال إليها من هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. وتعد الأحكام الصادرة عن المحكمة قليلة نسبياً، لكنها شهدت بعض النشاط ابتداءً من مطلع الثمانينات. من ناحية ثانية، سحبت الولايات المتحدة الأميركية اعترافها بالسلطة القضائية «الإلزامية» للمحكمة؛ ما يعني أنها تلتزم فقط بما تقبله من قرارات المحكمة، وتتحلل مما لا تقبله منها! وللعلم، كانت الولايات المتحدة قد شككت في نزاهة القضاة إبان قضية نيكاراغوا، وامتنعت عن تقديم أدلة حساسة بسبب وجود قضاة في المحكمة ينتمون إلى دول الكتلة الشرقية.
كما سبقت الإشارة، تضم المحكمة 15 قاضياً، ولا يسمح بوجود قاضيين يحملان نفس الجنسية فيها، وفي حال وفاة أحد القضاة الأعضاء، يصار إلى إعادة انتخاب قاضٍ بديل من جنسية القاضي الراحل ليشغل مقعده حتى نهاية فترته. ويشترط في القضاة، بحسب النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، أن يكونوا «مستقلين، ينتخبهم أشخاص من ذوي الصفات الخلقية العالية، وحائزين في بلدانهم المؤهلات المطلوبة للتعيين في أرفع المناصب القضائية، أو من المشرّعين المشهود لهم بالكفاية في مضمار القانون الدولي، وكل هذا بغض النظر عن جنسيتهم. هذا، ويمكن عزل القاضي عن مقعده فقط بموجب تصويت سرّي يجريه أعضاء المحكمة. ويجوز للقضاة أن يقدموا حكماً مشتركاً أو أحكاماً مستقلة حسب آراء كل منهم. وتؤخذ القرارات وتقدم الاستشارات وفق نظام الأغلبية، وفي حال تساوي الأصوات، ويعتبر صوت رئيس المحكمة صوتاً مرجّحاً.

«جدار الفصل» الإسرائيلي
من جهة أخرى، فيما يتعلق بجدار الفصل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سبق للمحكمة أن قضت بعد سبعة أشهر من المداولات القانونية بأن الجدار الذي تبنيه إسرائيل على مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية ينتهك القانون الدولي. ومن ثم، دعت إلى إزالته وتعويض الفلسطينيين المتضررين من بنائه، وجاء في نص الرأي الاستشاري «أن بناء الجدار شكّل عملاً لا يتطابق مع التزامات قانونية دولية كثيرة مفروضة على إسرائيل». وعددت المحكمة بين انتهاكات القانون الناتجة من بناء الجدار إعاقة حرية تنقل الفلسطينيين وحركتهم وتعطيل حقهم في العمل والصحة والتعليم ومستوى حياة كريمة». ورأت المحكمة، من جهة ثانية، أن «حق إسرائيل المشروع في الدفاع عن النفس لا يبرر هذه الانتهاكات للقانون الدولي». وفي النهاية اعتبرت محكمة العدل الدولية بناء الجدار العازل عملاً غير مشروع يخالف القانون الدولي، وعليه يتوجب على إسرائيل وقف عملية البناء وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي لحقت بهم من بناء هذا الجدار الإسرائيلي.
تقر الأسرة الدولية أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك الفتاوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية غير ملزمة النفاذ من قبل الدولة أو الدول الصادرة ضدها هذه القرارات أو الفتاوى؛ وذلك لانعدام السلطة التنفيذية العالمية القادرة على فرض التنفيذ بالقوة.
وبالتالي، فإن القرار الصادر عن المحكمة فيما يتعلق بجدار الفصل الإسرائيلي غير ملزم لإسرائيل، لسببين: الأول، أن إسرائيل قاطعت جلسات محكمة العدل الدولية، وعليه تكون غير مُلزَمة بالقرارات التي تصدر عنها. والآخر، أن محكمة العدل الدولية متخصصة بالمنازعات التي تنشب بين «الدول» فقط، في حين أن «السلطة الفلسطينية» ليست دولة؛ وهو ما يعني أن ما يصدر عن محكمة العدل الدولية من قرارات تتعلق بالجدار مجرد قرارات استشارية غير مُلزِمة لأطرافها. وفي هذا الشأن، نشير إلى أن إسرائيل اعترضت منذ البداية على إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية على أساس أنه «نزاع سياسي»، وأن هذه المحكمة تنظر وفق اختصاصها الإفتائي فقط بالمنازعات القانونية.

انتقادات التسييس
بين الفينة والأخرى تظهر انتقادات للمحكمة الدولية، بل ذهب البعض إلى الزعم أن تسييس محكمة العدل الدولية طال قرارها الصادر بتاريخ 24-7-2010 - الذي يمكن اعتباره سابقة في تاريخ العلاقات الدولية - حين رأت أن الاستقلال الأحادي الجانب لإقليم كوسوفو الصربي لا ينتهك القانون الدولي. وهو ما مهّد ضمنياً لانفصال جنوب السودان عن دولة السودان عام 2011، علماً بأن قرار الجمعية العامة الرقم 2625 الصادر بتاريخ 24-11-1970 رأى أن الحق في «تقرير المصير» لا يكون إلا في حالة الاستعمار.
الكاتب سامي السلامي قال في هذا السياق: «لقد أقرّت محكمة العدل الدولية في نظامها الأساسي على إلزامية أحكامها الصادرة، ووجوب الالتزام بها من قبل الأطراف المتنازعة. وعليه، فإن تحديد طبيعة أحكام محكمة العدل الدولية ومدى إلزاميتها في مواجهة القوى العظمى يفرض علينا دراسة الحكم الصادر في أزمة نيكاراغوا. لقد أصدرت المحكمة يوم 27-6-1986 حكماً يدين عدوان الولايات المتحدة على نيكاراغوا وتسليحها المعارضة المسلحة، وتلغيمها شواطئ نيكاراغوا وموانئها ومطاراتها؛ ما خلّف 29 ألف قتيل، إضافة إلى تدمير البلاد». وتابع شارحاً «يومذاك اعتبرت المحكمة أن تدخل الولايات المتحدة في هذه الدولة في أميركا الوسطى غير شرعي، ويمسّ بقاعدتين آمرتين، هما: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واستعمال القوة في العلاقات الدولية. ومن ثم، طالبت المحكمة واشنطن بدفع تعويضات لنيكاراغوا مترتّبة على انتهاكها القانون الدولي، إلا أن واشنطن رفضت تطبيق الحكم، وظلت متشبثة بأطروحتها المبنية القائلة إن تدخلها في نيكاراغوا يدخل ضمن نطاق الدفاع الشرعي عن النفس نيابة عن حكومة السلفادور، إثر تسليح سلطات نيكاراغوا قوى المعارضة المسلحة في السلفادور».

لمحة تاريخية
أسست محكمة العدل الدولية عام 1945، وبدأت أعمالها في العام اللاحق، لتحل محل المحكمة الدائمة للعدالة الدولية، وهذه الأخيرة كانت تعد الصورة الأولى للقضاء الدولي الدائم، وارتبطت نشأة تلك المحكمة بتأسيس عصبة الأمم عام 1919. وفي حينه، نصت المادة 14 من عهد عصبة الأمم على تكليف مجلسها بإعداد مشروع محكمة دائمة للعدالة الدولية. وبالفعل، دعا مجلس العصبة لجنة استشارية للمتشرعين لإعداد مشروع نظام المحكمة.
عرض المشروع بالفعل على المجلس، ثم على الجمعية العامة التي وافقت عليه بقرار في 3 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1920. وأضحى النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدالة الدولية سارياً في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1920، بعد التصديق عليه من أغلبية الدول الأعضاء في المنظمة. وأصدرت تلك المحكمة منذ عام 1922م حتى العام 1938م 31 حكماً قضائياً و27 رأياً إفتائياً، وجاءت كل الآراء الإفتائية بناءً على طلب من مجلس العصبة.
عام 1938 توقف نشاط المحكمة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا النازية جارتها هولندا، وتقرر مقر المحكمة إبان الحرب إلى مدينة جنيف في سويسرا. وفي 18 أبريل (نيسان) عام 1946 تقرر اعتبار تلك المحكمة منحلة، وعقدت في اليوم نفسه الجلسة الأولى للمحكمة الجديدة (الحالية)، أي محكمة العدل الدولي، التي تعد رغم شخصيتها المستقلة امتداداً للمحكمة القديمة.

من هم الأعضاء العرب؟
نواف سلام
ولد نواف سلام في 15 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1953 لعائلة بيروتية وجيهة ومعروفة، وهو ابن عبد الله سلام ورقت بيهم. جدّه «أبو علي» سليم سلام، كان مؤسس «الحركة الإصلاحية في بيروت»، الذي انتخب نائباً عن بيروت في «مجلس المبعوثان العثماني» عام 1912. ومن أعمامه السياسي البارز صائب سلام الذي عرف بنضاله من أجل استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، وتولى لرئاسة الحكومة اللبنانية أربع مرات بين 1952 و1973، والوزير السابق مالك سلام.
يحمل سلام شهادة دكتوراه دولية في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية في باريس عام 1992 وشهادة ماجستير في القانون من كلية الحقوق في جامعة هارفارد (1991). كما يحمل دكتوراه في التاريخ من جامعة باريس - السوربون (1979).
وعمل من 1979 إلى 1981 محاضراً في مادة التاريخ المعاصر للشرق الأوسط في جامعة باريس – السوربون. وعام 1981 غادر العاصمة الفرنسية ليمضي سنة باحثاً زائراً في مركز ويذرهيد للعلاقات الدولية في جامعة هارفارد. وبين عامي 1985 و1989 كان محاضراً في الجامعة الأميركية في بيروت إلى جانب ممارسته مهنة المحاماة وصار أستاذاً زائراً مساعداً في العلوم السياسية في هذه الجامعة عام 2003، ثم أستاذاً مساعداً عام 2004. وقد تولى منصب مدير دائرة العلوم السياسية والإدارة العامة فيها من 2005 إلى 2006.
وانتخب سلام عضواً في المكتب التنفيذي للمجلس الاقتصادي الاجتماعي الأول في لبنان ما بين 1999 و2002. في 2005 عيّنه مجلس الوزراء في اللجنة المكلفة بإعداد مسودة قانون انتخابي جديد في لبنان. وشغل منذ يوليو (تموز) 2007 منصب سفير ومندوب دائم للبنان في الأمم المتحدة

عبد القوي أحمد يوسف
عبد القوي أحمد يوسف عمر، نائب رئيس محكمة العدل الدولية. وهو صومالي من مواليد 12 سبتمبر (أيلول) عام 1948 في منطقة إيل الساحلية بشمال شرقي الصومال.
حاز الإجازة في القانون من الجامعة الوطنية الصومالية. ثم تابع دراسات عليا في القانون الدولي جامعة فلورنسا بإيطاليا، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي من معهد الدراسات العليا للعلاقات الدولية في مدينة جنيف السويسرية.
يجيد خمس لغات هي الصومالية والعربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية. وعمل محاضراً في القانون في الجامعة الوطنية الصومالية بين عامي 1974 - 1981. كما مثل الصومال في مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار. وعمل محاضراً في جامعة جنيف ثم مستشاراً قانونياً. وبعدها عُيّن مدير مكتب المعايير الدولية والشؤون القانونية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) بين مارس (آذار) 2001 ويناير (كانون الثاني) 2009. إضافة إلى ذلك، ألف القاضي يوسف كتباً عدة، وكتب الكثير من المقالات حول مختلف جوانب القانون الدولي.

محمد بنونة
الدبلوماسي والمحامي المغربي محمد بنونة، ولد يوم 29 أبريل 1943 في مدينة مراكش المغربية.
درس الفقه والعلوم السياسية في جامعة نانسي (شمال فرنسا) وفي جامعة باريس، حيث حاز درجة الدكتوراه في القانون الدولي، كما تخرّج في أكاديمية القانون الدولي بمدينة لاهاي الهولندية عام 1970. وهو عضو في معهد القانون الدولي.
وعمل أستاذاً وعميداً لكلية الحقوق في العاصمة المغربية الرباط بين 1972 و1984. وأسس عام 1976 المجلة القانونية والسياسية والاقتصادية للمغرب وعمل مديراً لها. وبين عامي 1985 و1989 تولى منصب المدير العام لمعهد العالم العربي بالعاصمة الفرنسية باريس، وعمل سفيراً ممثلاً دائماً مساعداً لدى الأمم المتحدة. كما كان أستاذاً زائراً في الكثير من الجامعات في كل من تونس، والجزائر، وفرنسا (نيس وباريس) والولايات المتحدة (نيويورك).
عُيِن بنونة سفيراً وممثلاً دائماً للمغرب لدى الأمم المتحدة خلال الفترة بين 2001 و2006. وأصبح بعدها قاضياً في محكمة العدل الدولية.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.