«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

رواية نيوزيلندية مستوحاة من حياة الأميرة هيا بنت الحسين

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ
TT

«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ

كانت طفولة الأميرة هيا ثورة صامتة على معتقدات ترسخ التفرقة بين الجنسين. لم تحتج إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.
هي قصة أميرة تخلت عن تاجها وقصرها وكل ما أوتيت من جاه الملكية. أميرة أرادت أن تفخر بها «ماما»، تلك الملكة التي ما عرفتها إلا القليل من السنين، لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
رواية «الأميرة وبنت الريح» للكاتبة النيوزيلندية ستايسي غريغ، التي صدرت أخيرا عن دار «نوفل» التابعة لمجموعة «هاشيت أنطوان»، وبتوقيع المترجمة رنا حايك، تحكي فصولا من طفولة الأميرة هيا بنت الحسين، بنت الملكة علياء وشقيقة الملك عبد الله لأبيه! في الرواية، الموجهة للكبار كما الناشئة، تتوقف غريغ مطولا عند وصف هذه الأميرة التي هي غير كثير من الأميرات... لم تستهوها الفساتين، ولا المجوهرات ولا التيجان، ولا أي من تلك المظاهر المترفة.
كل ما عناها من ذلك القصر الملكي كانت عائلتها. أسرتها مصدر سعادتها. من كانت للآخرين جلالة الملكة كانت لها «ماما»، ومن كان بيمينه يهز عرش مملكته كان يمشط لها شعرها قبل أن تنام... ومن كان أميرا، وضعته في مصعد خدمة الغرف.
لقد علمتها أمها منذ نعومة أظافرها أن كل الأردنيين هم إخوتها وأخواتها وأن عليها أن تحبهم. لكن لم يكن مكتوبا لسعادتها أن تطول... هبت عاصفة «مشؤومة ووقعت المأساة»... وأخذت معها أحب الناس إلى قلب هيا: ماما لم تعد هنا! «لا على الفطور... لا لتمشط شعرها... قصرها الكبير أضحى موحشا وفارغا من دون ضحكة ماما...». كان ذلك في 9 فبراير (شباط) 1977.
كبرت هيا قبل أوانها. باكرا، وهي الطفلة، هدهدت أخاها علي ليتوقف عن البكاء، فهو «يبكي لأنه لا يفهم لماذا لا تأتي إليه ماما». وهي أيضا لا تفهم. ظنت أنها إذا ما أنهت طعامها، ستأتي ماما!
حفر الحزن في داخلها أخاديد عميقة لم تظهر للعلن إلا من خلال انزوائها، فما كان من والدها الملك إلا أن أهداها - لمناسبة عامها السادس - مهرة يتيمة الأم. أوكل الملك إلى ابنته حديثة اليتم مهمة تربية مهرة يتيمة هي أيضا. «من الآن، أنت أمها»، قالها والدها كما لو أنه أراد من هيا أن تسقط من خلال اهتمامها بمهرتها ما ينقصها من اهتمام تعانيه من جراء غياب ماما. فهمت هيا حينها صعوبة مهمة الأم... «أطعميها، اعتني بها ونظفيها، ربيها ودربيها، علميها حسن التصرف. علميها كيف تصبح فرسا». كيف تسأل هيا عن مهرة وهي لا تزال تستطيع الزحف تحت سريرها للقاء أمها؟ وهي احتفظت بكل أشيائها في علبة خبأتها تحت سريرها، فالعاصفة لن تجد لها مكانا تحت السرير، ولن تأخذ منها ما بقي من ماما.
هديتها هذه فتحت لها الباب على مصراعيه لمستقبل يختلف كل الاختلاف عن واقع كل أميرة. عادت الضحكة إلى وجهها وبات لحياتها معنى... «بنت الريح» أو «بري» كما سمت هيا مهرتها اليتيمة، هي سبب وجودها... عاطفة الأم التي حرمت منها، أغدقت بها على «بنت الريح». تفتحت غريزة هيا الأمومية باكرا، وكأن الحرمان العاطفي الذي عانته خط طريقه إلى فيض من العاطفة والاهتمام تجاه مخلوق صغير شكلت له هيا طوق النجاة... نموها العاطفي كان شأنه شأن النمو العاطفي لأي طفل فقد عزيزا... أصبح غياب ماما المحرك الأساسي لمهمة هيا الجديدة: أم بديلة لمهرة يتيمة.
اختبرت هيا اليتم قبل «بنت الريح» فأرادت أن تجنبها كل ما في ذلك من ألم ووجع. أدركت أنه عليها أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها الحزينة لغياب أمها، فالوقت الآن ليس لها؛ فهي ليست طفلة وعلى الآخرين أن يواسوها... قلبت الأدوار الآن، هي المسؤولة وعليها أن تواسي يتيمة أخرى... ورغم صغر سنها، أدركت أن المواساة ليست بتشبيه مأساة الآخرين بمآسينا. أدركت أن المواساة هي بتخفيف وقع الغياب. كيف لا تدرك ذلك وهي التي فقدت كل ما كانت تقدمه ماما.
لم ترد لبنت الريح أن تحس بغياب أمها... لم ترد لها أن تعيش مأساتها، فبقيت بجانبها، أطعمتها، رافقتها في كل اكتشافاتها، سهرت جانبها ليلا فإذا ما صحت رأتها جنبها واطمأنت.
ولكن هذا الاهتمام بقي ضمن حدود المعقول. اهتمامها بـ«بنت الريح» أو «بري» كان إضافة إلى حياتها الاعتيادية. أصرت مربيتها على تلقينها كل الفنون الملكية: فنون المائدة، العزف والغناء... دون نسيان مهامها المدرسية... لكن هيا لم تكترث لكل هذه الأمور، إلا لكونها طريقا يمهد لها قضاء ساعات مع مهرتها... فالسماح لها بزيارة مهرتها أو منعها من إتمام هذه الزيارة كانا منوطين باجتهادها في فروضها المدرسية.
رافقها حبها للفروسية إلى «المدرسة الداخلية» إلى بادمينتون في بريطانيا. كانت تلميذة مجتهدة تبرع في مهامها المدرسية وكانت رياضية ماهرة - شأنها شأن أمها. حتى في بادمينتون، لاقى شغفها بالفروسية مكانا يتفجر به. شهد «شبرلاند كوبس» على فطرة هيا واكتسبت في ميدانه خبرة واسعة مكنتها من حصد أكثر من ميدالية في أكثر من سباق. لم تكن لترتاد هذا المكان لولا تدخل بابا الذي طلب إلى مدرسة هيا إعطاءها الإذن بذلك.
ولكن كل هذه النجاحات لم تكن لتضمد جراح انسلاخها عن عائلتها ولا لتوقف الحنين الذي ما انفك يكبر يوما بعد يوم رغم المراسلات الدائمة بينها وبين عائلتها. حتى بنت الريح كان لها حصة في هذه المراسلات. فقد كان زين - من أوكلت إليه هيا مهمة الاهتمام ببري - يخبرها بكل شاردة وواردة، طبعا بعد أن دربته على الاعتناء بها وشرحت له معاني كل حركة تقوم بها مهرتها.
مرت الأيام وعلي يعد أيام عودة أخته إلى القصر الملكي، أي عند انتهاء العام الدراسي. ولكنه لم يكن يعلم أن مصير أخته ارتبط ارتباطا وثيقا بالسماء والكواكب.
فكما كان لعاصفة ذلك العام المشؤوم وقع مدو في حياة الأميرة هيا، كذلك كان إطلاق المكوك تشالنجر. شاهدت هيا على التلفزيون حدث إطلاقه، وكان آخر ما رأته صورة لانفجاره... وجه أمها... مروحية هليكوبتر تسقط... وأصوات صراخ ونحيب!
كل هذه السنين التي حاولت فيها هيا كتم مشاعرها وإخفاء حزنها عادت وألقت بكل ثقلها، فأغمي عليها... وأعيدت إلى قصرها الأردني. هناك لاقت أخاها وأباها ومربيتها... عادت إلى تلك الحياة الرخامية التي لم ترد منها سوى إسطبلاتها.
رغم ضعفها ووهنها، أصرت هيا على زيارة المهرة التي باتت الآن فرسا. هنا، تعلمت أن الغياب لا يوقف الزمن. عادت لتلاقي زملاء لها يشاطرونها شغفها بالخيول.
عادت أميرة عربية تمتطي فرسا وتدربها على ما لم تعد من أجله، حسب العادات. بري، كما فارستها، كسرت القيود. فكما تمردت هيا على مصيرها وخلعت فساتينها وارتدت بنطالا، كذلك فرسها التي كانت معدة للجري دربتها هيا على تخطي الحواجز.
ثارت هيا على تقاليد مجتمعها، فما انفكت تمارس هوايتها وتصادق «السياس»، وأبدت اهتماما بالمشاركة في بطولة الكأس الملوكية للفروسية. تخطت هيا كل الحواجز. ورفضت فكرة أن كونها فتاة (أولا) وأميرة (ثانيا) سيمنعها من تحقيق حلمها.
لطالما حلمت هيا بتلك اللحظات، حين تتحد فيها مع فرسها، وتقودها لتكون غير كل الخيول. وثقت بها ثقة عمياء - ثقة أم بطفلها، فهي الأدرى بها وبكل ردود فعلها. علمت هيا أن «بنت الريح» لن تخذلها لعلمها أنها هي بنفسها لن تخذل الملكة علياء وستجعلها تفخر بها.
رغم كل هفواتها، ساندها الملك في قرارها المشاركة في البطولة. وكان لها خير معلم في أصول الشهامة واحترام الوعود حين عفا عن معاقبتها لتلتحق بالتمارين النهائية. كان يمرر لها بجرعات متفاوتة دروسا في الشهامة والعنفوان والعزم في كل قرار اتخذه بحقها. شاركت هيا في البطولة وهي بنت في الثانية عشرة من عمرها، كانت الأنثى الوحيدة والأصغر سنا بين جميع المشتركين.
بيد أنها كانت الأعلى رتبة بينهم، إلا أن ذلك لم يكن جواز عبورها لهذه المسابقة. استحقت المشاركة بجدارة؛ فهي فارسة ماهرة ومتمكنة. نجحت حينا وسقطت حينا آخر. ولكنها، بعزمها وبثقتها ببري وبنفسها، ووفاء لوالدتها، وطمعا منها بضحكة جديدة تعبق بالفخر على وجه أبيها الملك، قادت هيا فريقها إلى نصر أمام خصم عنيد. طفولة هيا كانت ثورة صامتة على معتقدات صماء ترسخ التفرقة الجنسية. لم تحتج هيا إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.

* نبذة عن المؤلفة ستايسي غريغ
* في طفولتها، شغفت ستايسي غريغ بالخيول، حتى إنها حاولت تدريب كلبها على قفز الحواجز في حديقة المنزل، إلى حين سمح لها والداها باقتناء مهرة.
غريغ لم تصبح فارسة، لكنها برعت في الكتابة عن الفروسية، إذ بيع أكثر من نصف مليون نسخة من السلسلتين اللتين أصدرتهما عن الخيول، Pony Club Secrets وPony Club Rivals، والموجهتين إلى الفتيات الصغيرات.
لتأليف «الأميرة وبنت الريح»، نزلت الكاتبة النيوزيلندية ضيفة على الأميرة هيا بنت الحسين في الأردن. زارت قصور العائلة المالكة، وجالت في الإسطبلات الملكية، وأدارت حوارات مطولة مع الأميرة ومحيطها، متتبعة ومتقصية، لنسج خيوط هذه القصة عن الأميرة ومهرتها، و«بمباركة» منها.



يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي
TT

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها. ويعتقد أن الرواية المغربية مطالبة باكتشاف عوالم اجتماعية وثقافية لم تنل نصيبها من الاهتمام، وتجاوز الموضوعات التي هيمنت على الكتابة الروائية لعقود.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، ينتقد أوعلي ما يصفه بـ«الشللية» وشبكات المصالح في المشهد الثقافي المغربي، معتبراً أن الاغتراب قد يعيشه الكاتب داخل وطنه. كما يرى أن الجوائز الأدبية، رغم دورها في التعريف بالكتّاب، لا تصنع القيمة الفنية للأعمال ولا تضمن بقاءها.

وينتمي أوعلي إلى جيل الروائيين المغاربة الشباب، وقد برز اسمه بعد فوز روايته «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2021، في دورتها السابعة، ضمن فئة الروايات غير المنشورة. وفي روايته الأحدث «حقيبة علي اليونسي»، يواصل انشغاله بأسئلة الهوية والذاكرة وقيمة الإنسان، متناولاً علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع، وصور التمييز والانتماء.

وفيما يلي نص الحوار:

* تنتمي إلى جيل لم يعِش التحولات الكبرى التي صنعت أدب الأجيال السابقة، لكنه ورث نتائجها. من أين يستمد جيلك مادته الروائية، من ذاكرته الخاصة أم من ذاكرة لم يعشها؟

- أظن أن الكاتب يستمد مادته الروائية مما عاشه بنفسه، ومما سمعه وقرأه، ومن الآثار التي خلّفتها الأحداث في حياة الآخرين. فنحن نرث نتائج تحولات لم نعشها، لكننا نتأثر بها، ونحاول من خلال الكتابة أن نمنح صوتاً لأناس بسطاء لم يلتفت التاريخ إلى حكاياتهم.

لذلك تتشكل مادتي الروائية من تفاعل ذاكرتي الشخصية مع ذاكرة أوسع، تبدأ من ذاكرة المغاربة وتمتد إلى ذاكرة الإنسان عموماً، وما عرفه من حروب ومآسٍ ومعاناة.

وأعتقد أن روايتي «حقيبة علي اليونسي»، الصادرة حديثاً، تجسّد هذا الامتداد، إذ تنطلق من سؤال قيمة الإنسان المغربي في نظر المسؤول، وتتسع لتطرح قيمة الإنسان الأفريقي في نظر الإنسان الغربي. ومن خلال ذلك، أحاول الدفاع عن الإنسان لذاته، بعيداً عن جنسيته أو انتمائه أو موقعه في ميزان القوة.

* في روايتك «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» حضور للتاريخ والمكان والذاكرة. هل تكتب الرواية لاستعادة ما غاب من الحكايات، أم لمساءلة الروايات التي استقرت في وعينا عن الماضي؟

- أكتب انطلاقاً من الرغبة في إعادة النظر في الذاكرة واكتشاف ما تركه الماضي في حياة الإنسان، أكثر من اهتمامي باستعادة الحكايات كما وقعت، أو مساءلة الروايات المستقرة عن الماضي لذاتها.

ومن قرأ روايتي الأولى «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» سيلاحظ انشغالي بما يتركه الماضي في الإنسان، خصوصاً مرحلة الطفولة، لأن الإنسان امتداد لطفولته. وقد حاولت تعقّب الطريقة التي تستمر بها بعض التجارب في التأثير في حياته، حتى حين يعتقد أنه تجاوزها. فالحدث قد ينتهي في الزمن، لكنه يظل حاضراً في قرارات الإنسان واختياراته.

* ما الذي تستطيع الرواية أن تقوله عن المجتمع المغربي ولا تستطيع الصحافة أو الكتابة التاريخية قوله؟

- تستطيع الرواية الاقتراب من المناطق الداخلية في حياة الإنسان، ومن التناقضات والمشاعر التي يصعب اختزالها في الوقائع والمعلومات. فالصحافة تنشغل بنقل الأحداث وتفسيرها، وتشتغل الكتابة التاريخية على الوثائق والسياقات، بينما يتيح التخييل استكشاف ما يجري داخل الشخصيات، وكيف تعيش الأحداث وتتأثر بها، وكيف تتغير مصائرها.

ولا يعني ذلك أن الرواية أقدر من غيرها على قول الحقيقة، وإنما لكل شكل من أشكال الكتابة أدواته وحدوده، والرواية تفتح إمكانات مختلفة لفهم المجتمع والإنسان.

الرواد وأسئلة الشباب

* عرفت الرواية المغربية أسماء أسست حضورها العربي، مثل محمد شكري والطاهر بن جلون ومحمد برادة. هل يشعر الروائي المغربي الشاب بأنه امتداد لهذا الإرث أم أنه يسعى إلى القطيعة معه؟

- أرى أن العلاقة مع التجارب السابقة لا تستلزم الاختيار بين الامتداد والقطيعة. فنحن نقرأ ما كتبه السابقون، ونتأثر، بوعي أو من دونه، ببعض أسئلتهم واختياراتهم، لكن لكل جيل ظروفه وأسئلته الخاصة.

المهم ألا تتحول أسماء الرواد إلى قوالب جاهزة للكتابة، وألا تتحول الرغبة في الاختلاف إلى قطيعة مع إرث أدبي أسهم في تشكيل ذائقتنا.

* هل يمكن الحديث اليوم عن جيل روائي مغربي يمتلك أسئلته الجمالية والفكرية، أم أننا أمام تجارب فردية لا يجمعها سوى التقارب العمري؟

- أميل إلى النظر إلى المشهد الروائي المغربي باعتباره فضاءً تتجاور فيه تجارب متعددة، أكثر من كونه جيلاً متجانساً. صحيح أن هناك أسئلة مشتركة تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب ويشهدها، لكن طرق التعامل معها تختلف من كاتب إلى آخر.

وقد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري. فما يمنح التجارب قيمتها هو ما تقترحه من موضوعات وأسئلة، لا انتماؤها إلى فئة عمرية بعينها.

* نشأ جيلك في زمن الإنترنت والهجرة وتحولات الهوية. كيف انعكست هذه التجارب على بناء الشخصيات الروائية، وعلى تصور الشباب المغربي لذاته وللعالم؟

- وسّع الإنترنت آفاق الاطلاع على العالم، وأتاح الاحتكاك بثقافات وتجارب مختلفة، بينما جعلت الهجرة والسعي إلى الفردوس المفقود أسئلة الانتماء أكثر تعقيداً، خصوصاً في المجتمع المغربي.

وقد حاولت تجسيد هذا التعقيد من خلال إحدى شخصيات «حقيبة علي اليونسي»، التي وجدت نفسها، بعد حياة أمضتها في التعصب والدفاع عن قيم الجمهورية الفرنسية، تنتمي إلى الفئة التي طالما حاربتها.

أردت من خلال هذه الشخصية مساءلة تصوراتنا الجاهزة عن الهوية والانتماء، وكيف يمكن أن تنقلب علاقة الإنسان بالآخر حين يكتشف أنه أقرب إليه مما كان يظن، وأن الحدود التي نرسمها بيننا وبين الآخرين قد تكون أقل صلابة مما نعتقد.

عموماً، لم يعد الإنسان يعيش هويته بالضرورة داخل حدود مكان واحد أو ذاكرة واحدة. فقد ينتمي إلى أمكنة متعددة، ويشعر بالغربة في بعضها رغم معرفته بها. وأعتقد أن هذه التحولات جعلت سؤال الهوية أقل ارتباطاً بالبحث عن تعريف ثابت، وأكثر اتصالاً بالتفاوض المستمر بين الذات والعالم.

عوالم على الهامش

* يعيش المجتمع المغربي بين تعدد لغوي وثقافي وتحولات اجتماعية. هل استطاعت الرواية المغربية الجديدة التعبير عن هذا التعقيد، أم أنها ما زالت أسيرة صور مألوفة عن المجتمع؟

- قدمت الرواية المغربية أعمالاً متنوعة في تعاملها مع التعدد الثقافي واللغوي والتحولات الاجتماعية، لكنني لا أعتقد أن أي مشهد أدبي يستطيع الإحاطة بكل تعقيدات المجتمع.

ما يزال هناك مجال واسع لاستكشاف تجارب تعيش على الهامش، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو وضعها الاجتماعي أو خصوصيتها الثقافية.

وأظن أن من رهانات الرواية المقبلة، بعد تجاوز موضوع «سنوات الجمر والرصاص» الذي هيمن على الرواية المغربية لوقت طويل، الاقتراب من هذه العوالم، وتجاوز الصور الجاهزة، وإتاحة المجال لأصوات لا تحظى بالظهور الكافي.

* تبدو الهجرة والاغتراب والبحث عن الانتماء موضوعات حاضرة في الأدب المغربي. هل تغير معنى الاغتراب لدى جيلكم، بحيث أصبح ممكناً أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه؟

- بالتأكيد، فالاغتراب لا يرتبط بالمسافة الجغرافية وحدها. قد يعيش الإنسان في المكان الذي وُلد فيه، لكنه يشعر بأنه بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عاجز عن العثور على موقع ينسجم فيه مع ذاته وتطلعاته.

وقد يكون الاغتراب نتيجة التهميش أو غياب الفرص، أو الشعور بأن العالم الذي يعيش فيه لا يتيح له تحقيق إمكاناته. وهذا ما يحدث مع كثير من الروائيين الشباب في المغرب، خصوصاً أولئك الذين يرفضون منطق الشللية، ويتمسكون باستقلاليتهم بعيداً عن مشهد ثقافي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة.

قد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري

يونس أوعلي

الجوائز لا تصنع الأدب

* بعد فوزك بجائزة كتارا، هل شعرت بأن الجوائز العربية تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى القراء، أم أنها تضعه أمام توقعات قد تؤثر في حريته الإبداعية؟

- بالنسبة إلى كاتب في بداية تجربته، يشكل الفوز بجائزة كتارا فرصة للتعريف به عربياً، والوصول إلى قراء يصعب بلوغهم في بداية الطريق. كما تؤدي الجوائز دوراً في لفت الانتباه إلى أعمال أدبية قد لا تحظى بالانتشار نفسه في غيابها.

لكنني، باعتباري قارئاً أولاً، أرى أن القيمة الفنية للعمل لا يحسمها التتويج، وإنما قدرته على الصمود أمام الزمن، ومواصلة إثارة الأسئلة والقراءات.

فالجوائز لا تصنع الأدب، ولا تضمن خلود الأعمال. ولذلك أكتب من دون توقعات مسبقة، ولا أريد أن تتحكم التوقعات التي قد تخلقها الجائزة في رواياتي اللاحقة، لأن ما يهمني هو ما تفرضه عليّ أسئلتي ومشروعي الروائي.

الرواية والحرية

* هل تكتب الرواية انطلاقاً من قضية تريد الدفاع عنها، أم من أسئلة لا تملك إجابات عنها؟ وأين تضع الحدود بين التزام الروائي بقضايا مجتمعه وحريته في تخيل العالم؟

- أكتب انطلاقاً من أسئلة أكثر مما أكتب دفاعاً عن أجوبة جاهزة، وأعتقد أن هذه هي مهمة الرواية.

تشغلني قضايا الظلم والهوية وقيمة الإنسان والحب والحزن، لكنني لا أريد تحويل رواياتي إلى خطاب يلقّن القارئ موقفاً محدداً، لأن العالم معقد، ولا مجال فيه لتقديم إجابات جاهزة عن كل شيء.

أفضل أن أضع الشخصيات في مواقف تكشف تناقضاتها، وأن أترك للحكاية فرصة اختبار الأفكار بدلاً من الاكتفاء بتأكيدها.

أما التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، فلا أراه متعارضاً مع حريته في التخييل. يمكن للروائي أن ينشغل بواقعه من دون أن يصبح أسيراً له، وأن يستلهم أسئلته من المجتمع من دون أن يتحول عمله إلى بيان.

بالنسبة إليّ، أعتبر الكتابة مساحة للحرية والاكتشاف، ومحاولة لفهم بؤس العالم وتعقيداته. لا أملك إجابات حاسمة عن القضايا التي أكتب فيها، لكنني أملك أسئلة كثيرة تدفعني إلى الكتابة.

 


الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل
TT

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعراك المارة. وكذا، تبدو القضايا الكبرى والأسئلة الوجودية قارة في أدق التفاصيل، متشظية ومنثورة في ما هو مهمل ومعيش. إن ما نتصوره جليلاً، نجده منبثاً في كل ما نظنه مبتذلاً وعابراً. هذا ما تومئ به قصائد ديوان «أقشِّر الاستعارات لكي أكوّن النص»، للشاعر المصري أمجد ريان؛ لذا تبدو مهمة الشاعر، هنا، كي يكتب قصيدته، وعلى عكس الشائع، هي أن يقشر الاستعارات، حتى يصنعها ويبتكرها، ويزيل طبقات من ركام اللغة والمجازات، ليكتشف الشعر المختبئ كلؤلؤة، في دهاليز العالم والحكايات وفي ممارسات البشر، محاولاً الإمساك بما يمور به العالم من سيولة واندياح.

الديوان الذي صدر في القاهرة عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» لا يتبنى منطق الثنائيات الضدية بصبغته البنيوية الحداثية، ويميل أكثر إلى مفهوم ينتمي إلى استراتيجيات ما بعد الحداثة وهو «التكملة»، بمعناها لدى الفيلسوف الأميركي، المصري الأصل إيهاب حسن، أو ربما مفهوم «الحلول»، بحمولاته الصوفية، فاليومي ليس مناقضاً للفلسفي، والعابر المعيش ليس متعارضاً مع الوجودي؛ فكل طرف من أطراف الثنائي يكمل نقيضه، ويحل فيه، حتى يصعب الفصل بينهما، بل إن غياب طرف يعني غياب الآخر المقابل له. يتجلى هذا التضافر في قوله:

«سيقان هزيلة تملأ الشارع

بطوله وعرضه،

وأنا أمشي تحت جدران الفقراء

ممتلئاً بالحنين

لمعرفة بدايات الإنسان

وأسراره التاريخية»

فالانتقال يأتي سلساً وطبيعياً، من وصف ما يحدث في الشارع ومرور الناس فيه، بوصفه حدثاً عادياً ويومياً، هذا الوصف يبدو محايداً وتسجيلياً للوهلة الأولى، لكنه مسكون بموقف آيديولوجي وإنساني متعاطف معهم، ومع ما يعانونه من هزال، ومن هنا ينتقل الشاعر من وصف الخارج إلى وصف نفسه كواحد وسط هذه الجموع، لكنه منحاز سياسياً واجتماعياً إلى طبقة الفقراء، الذين يسير تحت جدرانهم وفي ظلالها، لتبرز الحمولة السياسية والقناعات الآيديولوجية، ومن هذين المستويين - اليومي والسياسي - ينتقل إلى مستوى ثالث أكثر اختلافاً، وهو المستوى الوجودي، الذي تبحث فيه الذات الشاعرة في أسئلة الوجود، ومعرفة بدايات الإنسان وأسراره وتاريخه. هكذا يبدو العالم لدى الشاعر كلاً ملتبساً، لا يمكن تجزئته، ولا فصل أحد مناحيه عن الأخرى.

هذا الخلط والتداخل المركزي في الديوان، وفي رؤية الشاعر، يجعل معظم القصائد تنبثق مكانياً داخل البيت، وفي غرفة المعيشة، حيث يكون متكئاً على الكنبة، أو يشاهد التلفاز، أو يشاهد العالم من شرفته، هذه الشرفة التي يلجأ إليها كثيراً، فهي نافذته على الحياة وصخبها وتفاعلاتها، وتعد وسيلة تواصله مع العالم في مرحلة الشيخوخة، مدققاً في أصغر تفاصيل البشر من موقعه المتأمل، دون أن يملك القدرة على تغيير الواقع، أو حتى تفسيره؛ فكل ما في جعبته هو مجموعة تساؤلات كبرى، ومن ثم لا يميز نفسه عن الناس العاديين «وما زلت على المنضدة المنخفضة أقول لنفسي: «أنا مثل بقية الناس، خالي الوفاض... لا أملك أي شيء... سوى تلك البؤرة في القلب»؛ فالشاعر هنا يفقد كل ما يمكن أن يجعله في مكانة أعلى، ليس له سلطة، وليس «زرقاء اليمامة»، بل واحد من الناس، فقط يملك بؤرة صغيرة في القلب، تجعله يستشعر ما يدور حوله بشكل أكثر رهافة، ويمسك بما هو أصيل وجوهري في الوجود الإنساني، حتى لو كان متشظياً ومتناثراً في زحام الحياة.

هذا الشاعر، الإنسان العادي، وفي خضم مراوحته بين الثنائيات، كثيراً ما يستحضر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، ومتداخلة معها، فهو في شيخوخته ما زال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش. وتتجاور لديه الأزمنة، كما تتجاور الأمكنة، فتبرز «عزبة الصفيح» في عشوائيات القاهرة، التي تمثل مكان الطفولة وسط الفقراء المعدمين، مع مدينة «ست» الفرنسية التي زارها شاعراً، فلا أفضلية لمكان على آخر، ولا زمن على غيره؛ «فالزمان دائرة يصب آخرها في أولها، ولا يوجد في الأصل شيء قابل للفهم». إنه ينظر للعالم بوصفه سرديات متجاورة، لكل منها الحق في الوجود، يقول بشكل لافت:

«الماضي حكايات، والمستقبل حكايات

والأحداث متناثرة في كل اتجاه

وخلف الجدران والنوافذ:

ولدت حكايات لا أول لها ولا آخر

وولدت الأسرار والنكات والخزعبلات

ولولا هذا ما استمر الواقع الآدمي

الحزن حكاية، والجسد حكاية

الزمن حكاية، والأبواب حكاية

وكل شيء حاضر وغائب».

ينشغل الشاعر في كثير من قصائد الديوان بتقديم مفهومه للكتابة، ومفهومه للشعر، بما يجعل كثيراً من النصوص تقترب من «الميتا شعر»، هذا المفهوم يمزج بين المصادفة والعبثية والفوضى، فهي غير محكومة بخطة مسبقة، ولا بتصورات جاهزة عن ما هو الشعر، بل كل ما يبتغيه هو التعبير عن الذات، وتتكرر التعريفات كثيراً بنفس المعنى في أكثر من موضع داخل كثير من القصائد، فمرة يقول: «حين أبدأ الكتابة، لا أعلم ما الذي سأكتبه»، ومرة أخرى: «لا أعرف كيف أكتب... والكتابة عندي محض مصادفات»، ومرة ثالثة: «ليس للكتابة أي شروط لدي، بل أبدأ بالتعبير عن نفسي بشكل مباشر، وأريد أن أنطلق من المحلية إلى الكون». وليس من المصادفة أنه لم يقل من المحلية إلى العالمية، فهو ليس منشغلاً بهذا الوهم الاستهلاكي الذي يستنزف كثيراً من الشعراء والمثقفين.

 يستحضر الشاعر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، وهو لا يزال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش

ما يهم الذات الشاعرة هنا هو الكون؛ وفهم أسراره وخباياه، والوصول إلى معنى الوجود الإنساني، وهو ما يؤكد على الحمولة الفلسفية لمفردة الكون، التي تؤرق الشاعر حقاً، وليس الحمولة الدعائية عن الشاعر العالمي التي لا ينشغل بأوهامها. هذا التوق لفهم فلسفة الوجود نرى ترجمته الأسلوبية في التكرار المدهش لمفردات مثل «الناس»، و«الوجود»، و«الإنسان»، وهذه الأخيرة تحتل الصدارة في عدد التكرارات داخل متن الديوان، فالإنسان وسعادته هما المرتكز والمبتغى من رؤية الشاعر، لكنه في النهاية مغلوب على أمره، ذات ضئيلة، تعيش على حافة كل شيء «أقف أمام العدسة التي تكبر وجهي عشرات المرات، بينما أنا صغير... للدرجة التي قد أذوب فيها وأتلاشى». وككل الشعراء، لا يملك سوى الشعور بالحسرة، على ما آل إليه العالم من توحش:

«أكتفي بالحسرة التي حصلتها اليوم،

فلا مكان لحسرة أخرى

أنا الشاعر الغني بالأحاسيس السيالة،

ولكنني - مثل أقراني الشعراء -

مفلس لدرجة الفضيحة.

والإنسان دائماً على حافة التوهج

وعلى حافة الانطفاء».


جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.