«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

رواية نيوزيلندية مستوحاة من حياة الأميرة هيا بنت الحسين

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ
TT

«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ

كانت طفولة الأميرة هيا ثورة صامتة على معتقدات ترسخ التفرقة بين الجنسين. لم تحتج إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.
هي قصة أميرة تخلت عن تاجها وقصرها وكل ما أوتيت من جاه الملكية. أميرة أرادت أن تفخر بها «ماما»، تلك الملكة التي ما عرفتها إلا القليل من السنين، لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
رواية «الأميرة وبنت الريح» للكاتبة النيوزيلندية ستايسي غريغ، التي صدرت أخيرا عن دار «نوفل» التابعة لمجموعة «هاشيت أنطوان»، وبتوقيع المترجمة رنا حايك، تحكي فصولا من طفولة الأميرة هيا بنت الحسين، بنت الملكة علياء وشقيقة الملك عبد الله لأبيه! في الرواية، الموجهة للكبار كما الناشئة، تتوقف غريغ مطولا عند وصف هذه الأميرة التي هي غير كثير من الأميرات... لم تستهوها الفساتين، ولا المجوهرات ولا التيجان، ولا أي من تلك المظاهر المترفة.
كل ما عناها من ذلك القصر الملكي كانت عائلتها. أسرتها مصدر سعادتها. من كانت للآخرين جلالة الملكة كانت لها «ماما»، ومن كان بيمينه يهز عرش مملكته كان يمشط لها شعرها قبل أن تنام... ومن كان أميرا، وضعته في مصعد خدمة الغرف.
لقد علمتها أمها منذ نعومة أظافرها أن كل الأردنيين هم إخوتها وأخواتها وأن عليها أن تحبهم. لكن لم يكن مكتوبا لسعادتها أن تطول... هبت عاصفة «مشؤومة ووقعت المأساة»... وأخذت معها أحب الناس إلى قلب هيا: ماما لم تعد هنا! «لا على الفطور... لا لتمشط شعرها... قصرها الكبير أضحى موحشا وفارغا من دون ضحكة ماما...». كان ذلك في 9 فبراير (شباط) 1977.
كبرت هيا قبل أوانها. باكرا، وهي الطفلة، هدهدت أخاها علي ليتوقف عن البكاء، فهو «يبكي لأنه لا يفهم لماذا لا تأتي إليه ماما». وهي أيضا لا تفهم. ظنت أنها إذا ما أنهت طعامها، ستأتي ماما!
حفر الحزن في داخلها أخاديد عميقة لم تظهر للعلن إلا من خلال انزوائها، فما كان من والدها الملك إلا أن أهداها - لمناسبة عامها السادس - مهرة يتيمة الأم. أوكل الملك إلى ابنته حديثة اليتم مهمة تربية مهرة يتيمة هي أيضا. «من الآن، أنت أمها»، قالها والدها كما لو أنه أراد من هيا أن تسقط من خلال اهتمامها بمهرتها ما ينقصها من اهتمام تعانيه من جراء غياب ماما. فهمت هيا حينها صعوبة مهمة الأم... «أطعميها، اعتني بها ونظفيها، ربيها ودربيها، علميها حسن التصرف. علميها كيف تصبح فرسا». كيف تسأل هيا عن مهرة وهي لا تزال تستطيع الزحف تحت سريرها للقاء أمها؟ وهي احتفظت بكل أشيائها في علبة خبأتها تحت سريرها، فالعاصفة لن تجد لها مكانا تحت السرير، ولن تأخذ منها ما بقي من ماما.
هديتها هذه فتحت لها الباب على مصراعيه لمستقبل يختلف كل الاختلاف عن واقع كل أميرة. عادت الضحكة إلى وجهها وبات لحياتها معنى... «بنت الريح» أو «بري» كما سمت هيا مهرتها اليتيمة، هي سبب وجودها... عاطفة الأم التي حرمت منها، أغدقت بها على «بنت الريح». تفتحت غريزة هيا الأمومية باكرا، وكأن الحرمان العاطفي الذي عانته خط طريقه إلى فيض من العاطفة والاهتمام تجاه مخلوق صغير شكلت له هيا طوق النجاة... نموها العاطفي كان شأنه شأن النمو العاطفي لأي طفل فقد عزيزا... أصبح غياب ماما المحرك الأساسي لمهمة هيا الجديدة: أم بديلة لمهرة يتيمة.
اختبرت هيا اليتم قبل «بنت الريح» فأرادت أن تجنبها كل ما في ذلك من ألم ووجع. أدركت أنه عليها أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها الحزينة لغياب أمها، فالوقت الآن ليس لها؛ فهي ليست طفلة وعلى الآخرين أن يواسوها... قلبت الأدوار الآن، هي المسؤولة وعليها أن تواسي يتيمة أخرى... ورغم صغر سنها، أدركت أن المواساة ليست بتشبيه مأساة الآخرين بمآسينا. أدركت أن المواساة هي بتخفيف وقع الغياب. كيف لا تدرك ذلك وهي التي فقدت كل ما كانت تقدمه ماما.
لم ترد لبنت الريح أن تحس بغياب أمها... لم ترد لها أن تعيش مأساتها، فبقيت بجانبها، أطعمتها، رافقتها في كل اكتشافاتها، سهرت جانبها ليلا فإذا ما صحت رأتها جنبها واطمأنت.
ولكن هذا الاهتمام بقي ضمن حدود المعقول. اهتمامها بـ«بنت الريح» أو «بري» كان إضافة إلى حياتها الاعتيادية. أصرت مربيتها على تلقينها كل الفنون الملكية: فنون المائدة، العزف والغناء... دون نسيان مهامها المدرسية... لكن هيا لم تكترث لكل هذه الأمور، إلا لكونها طريقا يمهد لها قضاء ساعات مع مهرتها... فالسماح لها بزيارة مهرتها أو منعها من إتمام هذه الزيارة كانا منوطين باجتهادها في فروضها المدرسية.
رافقها حبها للفروسية إلى «المدرسة الداخلية» إلى بادمينتون في بريطانيا. كانت تلميذة مجتهدة تبرع في مهامها المدرسية وكانت رياضية ماهرة - شأنها شأن أمها. حتى في بادمينتون، لاقى شغفها بالفروسية مكانا يتفجر به. شهد «شبرلاند كوبس» على فطرة هيا واكتسبت في ميدانه خبرة واسعة مكنتها من حصد أكثر من ميدالية في أكثر من سباق. لم تكن لترتاد هذا المكان لولا تدخل بابا الذي طلب إلى مدرسة هيا إعطاءها الإذن بذلك.
ولكن كل هذه النجاحات لم تكن لتضمد جراح انسلاخها عن عائلتها ولا لتوقف الحنين الذي ما انفك يكبر يوما بعد يوم رغم المراسلات الدائمة بينها وبين عائلتها. حتى بنت الريح كان لها حصة في هذه المراسلات. فقد كان زين - من أوكلت إليه هيا مهمة الاهتمام ببري - يخبرها بكل شاردة وواردة، طبعا بعد أن دربته على الاعتناء بها وشرحت له معاني كل حركة تقوم بها مهرتها.
مرت الأيام وعلي يعد أيام عودة أخته إلى القصر الملكي، أي عند انتهاء العام الدراسي. ولكنه لم يكن يعلم أن مصير أخته ارتبط ارتباطا وثيقا بالسماء والكواكب.
فكما كان لعاصفة ذلك العام المشؤوم وقع مدو في حياة الأميرة هيا، كذلك كان إطلاق المكوك تشالنجر. شاهدت هيا على التلفزيون حدث إطلاقه، وكان آخر ما رأته صورة لانفجاره... وجه أمها... مروحية هليكوبتر تسقط... وأصوات صراخ ونحيب!
كل هذه السنين التي حاولت فيها هيا كتم مشاعرها وإخفاء حزنها عادت وألقت بكل ثقلها، فأغمي عليها... وأعيدت إلى قصرها الأردني. هناك لاقت أخاها وأباها ومربيتها... عادت إلى تلك الحياة الرخامية التي لم ترد منها سوى إسطبلاتها.
رغم ضعفها ووهنها، أصرت هيا على زيارة المهرة التي باتت الآن فرسا. هنا، تعلمت أن الغياب لا يوقف الزمن. عادت لتلاقي زملاء لها يشاطرونها شغفها بالخيول.
عادت أميرة عربية تمتطي فرسا وتدربها على ما لم تعد من أجله، حسب العادات. بري، كما فارستها، كسرت القيود. فكما تمردت هيا على مصيرها وخلعت فساتينها وارتدت بنطالا، كذلك فرسها التي كانت معدة للجري دربتها هيا على تخطي الحواجز.
ثارت هيا على تقاليد مجتمعها، فما انفكت تمارس هوايتها وتصادق «السياس»، وأبدت اهتماما بالمشاركة في بطولة الكأس الملوكية للفروسية. تخطت هيا كل الحواجز. ورفضت فكرة أن كونها فتاة (أولا) وأميرة (ثانيا) سيمنعها من تحقيق حلمها.
لطالما حلمت هيا بتلك اللحظات، حين تتحد فيها مع فرسها، وتقودها لتكون غير كل الخيول. وثقت بها ثقة عمياء - ثقة أم بطفلها، فهي الأدرى بها وبكل ردود فعلها. علمت هيا أن «بنت الريح» لن تخذلها لعلمها أنها هي بنفسها لن تخذل الملكة علياء وستجعلها تفخر بها.
رغم كل هفواتها، ساندها الملك في قرارها المشاركة في البطولة. وكان لها خير معلم في أصول الشهامة واحترام الوعود حين عفا عن معاقبتها لتلتحق بالتمارين النهائية. كان يمرر لها بجرعات متفاوتة دروسا في الشهامة والعنفوان والعزم في كل قرار اتخذه بحقها. شاركت هيا في البطولة وهي بنت في الثانية عشرة من عمرها، كانت الأنثى الوحيدة والأصغر سنا بين جميع المشتركين.
بيد أنها كانت الأعلى رتبة بينهم، إلا أن ذلك لم يكن جواز عبورها لهذه المسابقة. استحقت المشاركة بجدارة؛ فهي فارسة ماهرة ومتمكنة. نجحت حينا وسقطت حينا آخر. ولكنها، بعزمها وبثقتها ببري وبنفسها، ووفاء لوالدتها، وطمعا منها بضحكة جديدة تعبق بالفخر على وجه أبيها الملك، قادت هيا فريقها إلى نصر أمام خصم عنيد. طفولة هيا كانت ثورة صامتة على معتقدات صماء ترسخ التفرقة الجنسية. لم تحتج هيا إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.

* نبذة عن المؤلفة ستايسي غريغ
* في طفولتها، شغفت ستايسي غريغ بالخيول، حتى إنها حاولت تدريب كلبها على قفز الحواجز في حديقة المنزل، إلى حين سمح لها والداها باقتناء مهرة.
غريغ لم تصبح فارسة، لكنها برعت في الكتابة عن الفروسية، إذ بيع أكثر من نصف مليون نسخة من السلسلتين اللتين أصدرتهما عن الخيول، Pony Club Secrets وPony Club Rivals، والموجهتين إلى الفتيات الصغيرات.
لتأليف «الأميرة وبنت الريح»، نزلت الكاتبة النيوزيلندية ضيفة على الأميرة هيا بنت الحسين في الأردن. زارت قصور العائلة المالكة، وجالت في الإسطبلات الملكية، وأدارت حوارات مطولة مع الأميرة ومحيطها، متتبعة ومتقصية، لنسج خيوط هذه القصة عن الأميرة ومهرتها، و«بمباركة» منها.



نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
TT

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)

تضمن العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (الخامس/ يناير «كانون الثاني» 2026) ملفّاً خاصاً عن «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل»، شارك فيه عدد من النقاد والأكاديميين العرب، بينهم المفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، الذي كتب مقالة، بعنوان: «السرد النسوي... حدود المفهوم وشروطه»، والناقدة والأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد، في مقال حمل عنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود»، وكذلك مقال للدكتور أنس النعيمي بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، والأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي عميدة كلية الفنون بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية.

يرى الناقد د. عبد الله إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء والكتابة النسوية»

شروط السرد النسوي

يرى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، في حديثه عن مفهوم «السرد النسوي»، أنه «ذلك الضرب من السرد (الذي) قد صاغ هويته استناداً إلى حضور أحد المكونات الثلاثة: أو اندماجها معاً فيه، وهي: نقد الثقافة الأبوية الذكورية، واقتراح رؤية أنثوية للعالم، وتم الاحتفاء بالجسد الأنثوي، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به، فإن تحققت فيه تلك الأركان أو أحدها، فستندرج الكتابة في إطار مفهوم السرد النسوي».

وفيما يخص نوع الكتابة، يرى إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية؛ فالأولى تتم بمنأى عن فرضية الرؤية الأنثوية للعالم والذات، إلا بما يتسرب منها دون قصد وهي تماثل كتابة الرجال، معالِجَةً القضايا العالية، أما الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة، استناداً إلى تلك الرؤية في معاينتها الذات والعالم، ثمّ نقد الثقافة الأبوية، وأخيراً اعتبار جسد المرأة مكوناً جوهرياً في الكتابة، بحيث يتم كل ذلك في إطار الفكر النسوي ويستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ويسعى إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد وتفكيك النظام الأبويّ بفضح عجزه عن الوفاء بحاجات المرأة».

في هذا المقال، يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: «من وجهة نظري، أدرج معظم السرود النسوية في مدار نصوص المتعة، وأقصد بها تلك النصوص التي تزعزع معتقدات المتلقي التقليدي وربما تخرّبها؛ لأنه لم يعتد عليها، فتُخلّف لديه إحساساً بأنه يقرأ نصوصاً لا تنسجم وما عهده من تخيلات موروثة عن العالم الذي يعيش فيه، فتلك النصوص تضمر نقداً له، وتبرمّاً بما يعرف وحتى بما يتخيل».

وفي سياق تحليل مفهوم السرد النسوي، يرى إبراهيم أنه «يلزم التأكيد على قضية مهمة، فمع الإقرار بأن التمثيلات السردية للعالم هي نتاج وعي الأفراد؛ نساءً ورجالاً، بأحوال العالم ووجودهم فيه، فلا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الرؤى الفردية ليست منقطعة عن خلفياتها الاجتماعية والثقافية التي تتسرب إلى تضاعيفها، وتتفاعل فيما بينها، لتضمر في داخلها كثيراً من التجارب العامة والخاصة، فالرؤى التي تصوع العوالم السردية التخيلية لا تنفصل عن مرجعياتها انفصالاً تامّاً، ولكنها في الوقت نفسه لا تعبّر عنها تعبيراً مباشراً».

وهو يرى أن «العلاقة بين الرؤى السردية وخلفياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، علاقة مركبة ومتعددة المستويات ومتداخلة، ويتعذر وضع قانون لضبطها وتفسيرها وكشف أواصرها، ولكنها علاقة قائمة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها».

د. أماني فؤاد: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة شعرتُ بأنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية»

صرخات سردية

في مقالها بعنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود» تتساءل الأكاديمية المصرية الدكتورة اماني فؤاد: «هل هناك سمات خاصة بأدب النساء؟ بمعنى: هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضموناً وشكلاً عما يكتبه الرجل؟».

وفي إجابتها، تقول: «على الرغم من أن هذا الطرح وهذا التساؤل قد يعودان بنا لثنائيات من المفترض أنه قد تم تجاوزها فلسفياً ونقدياً؛ ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الشكل والمضمون، فإنني رحت أرصد تلك الخصائص التي تصف وتميز منظومة انصهار الفكر مع بنية وتشكيل العمل الروائي مكتملاً لدى الكاتبة المرأة لتنضج تلك المنظومة في الخطابات المرسلة التي تسيطر على المشهد الإبداعي».

تقول الكاتبة: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة، شعرتُ أنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية لكن يبقى هناك الشعور بخصوصية ما؛ لذا رحتُ أبحث عن إجابة لسؤال يؤرق الباحثين في الرواية وفي طبيعة منتج المرأة الأدبي: ما الخصائص التي تميّز الرواية التي تكتبها المرأة؟».

وتضيف: «بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجم العالمي، عبر سنوات كثيرة، وتضمّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية، وجدتُ أن هناك بعض الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود إلى خصوصية فضاء المرأة الذهني الذي يتفق مع الرجل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة ثم يختلف نسبياً نظراً للسياقات الثقافية التي تحكم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخص المرأة وما يترسّب من عادات وتقاليد وأساطير وأديان ومعارف وهيمنة مواضعات ومقالات وضعها الرجل لتدعم تفوقه وترسّخ له دائماً، ثم نشر تلك المقولات وتكرارها حتى يتصور الجميع - الرجل والمرأة كلاهما - أنها حقائق ولا سبيل لتغييرها».

وحين تتحدث الكاتبة عن الخصائص والسمات التي تميز الكتابة النسوية (المصرية والعربية)، تسرد من بينها: الصراع داخل النص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها، فـ«عادة حيث تعالج الكاتبات موضوعات مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق والأمومة والإنجاب ورعاية المنزل العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرض أيضاً لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمنة».

كما تتطرق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير وتأويل السلف للنصوص الدينية... كما ناقشت نصوص المرأة أيضاً توازناً مع رغبتها في الحصول على حريتها، وحرية أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخص إبداعاتها ثم مساواتها بالرجل في الحياة السياسية والنيابية ومجالات العمل كافة.

وتضيف: «يُعّدُ طرح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبر فيها النص الأدبي عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط التي صورت بها المرأة طويلاً، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقلتها ورشحت لها كتابة الرجل مثل المرأة التي تغوي أو التقليدية ربة المنزل، التي تتقبل ما يفرض عليها فقط في إطار كونها مستقبلاً لما يفرضه الواقع والرجل».

تلاحظ الكاتبة أنه في أواخر ستينات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنح المرأة دوراً أكثر تأثيراً في النتاج الأدبي كتابة وقراءة ووعياً؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمّد للنساء، وحصرهن في مناطق محددة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية (...) ولقد رافق هذا التوجه إبراز التراث النسوي وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.

ومن هنا، تضيف: «اهتم النقد أيضاً (وخاصة الأنغلو - أميركي) بدراسة إبداع النساء وفحص ما ألصق به والتأكيد على خلوه من خصائص روّجت لها بعض التوجهات من قبيل: عرضيته وسطحيته وهامشيته، وبعده عن الجوهري، وغرقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجل والمجتمع، وتكرار التجارب نفسها التي تطرح فيه، وعدم قدرته على الخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفق رؤية مغايرة تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات».

د. أنس النعيمي: «نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أياً كان موضوعه من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميّز طرف على حساب طرف آخر»

خصوصية الشعر النسائي

وضمن هذا الملف، كتب الدكتور أنس النعيمي مقالاً بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، قال فيه: «يمكننا أن نعدّ الشق الذي تكتبه المرأة في مجال الأدب النسائي رافداً من روافد الشعر النسائي الذي يتناول قضايا المرأة والرجل والمجتمع، فضلاً عن المجالات الإنسانية الأخرى، فعلاقة الأول بالثاني علاقة جزء بكل، أو علاقة فرع بأصل، وقد تبنى هذه التسمية مجموعة من الباحثين».

وأضاف أنه «لا مانع من أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أيّاً كان موضوعه من منطلق الخصوصية، التي لا تعني بأي حال من الأحوال تميّز طرف على حساب طرف آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، كما أن الرجل يكون أقدر على التعبير عن موضوعات الرجولة وترجمتها إلى أدب من المرأة، وذلك بحكم الطبيعة الجنسية لكل منهما».

د. منى المالكي: «الأدب النسوي تشكّل استجابةً معرفية وجمالية لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟»

سؤال الوجود

وكتبت في هذا الملف، الأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي، مقالاً مطولاً حمل عنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة... في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، أكدت فيه أن الأدب النسوي لم ينبثق بوصفه ظاهرة عابرة أو نزعة ظرفية في تاريخ الكتابة، بل تشكّل استجابة معرفية وجمالية لسؤال وجودي مركزي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكّل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟

وأضافت: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة؛ فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة، ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي، سواء على مستوى التمثيل أو التخييل أو إنتاج المعنى».

وترى المالكي أن إشكالية المصطلح تكمن في التباسه بين كونه توصيفاً جنسانياً للكاتب/ة، وكونه مفهوماً نقدياً يتجاوز حدود الهوية البيولوجية ليطول موقفاً فكريّاً وجماليّاً من العالم واللغة والسلطة. لذلك لا يمكن اختزال الأدب النسوي في كونه أدباً تكتبه النساء، بل هو ممارسة كتابية واعية تسعى إلى زعزعة البنى الرمزية التي كرست الهيمنة الذكورية داخل المتخيل الثقافي.

وفي تعريفها للأدب النسوي (Feminist Literature) قالت إنه تيار أدبي ونقدي يتخذ من التجربة النسوية منطلقاً لتحليل الواقع وإعادة تمثيله، ويسعى إلى تفكيك البنى الأبوية المهيمنة في اللغة والسرد والخيال الثقافي مع العمل على إعادة صياغة مفاهيم الذات والهوية والعلاقة بالآخر.

وهو بهذا المعنى مشروع ثقافي ومعرفي يتقاطع فيه الأدبي بالسياسي والجمالي بالآيديولوجي، دون أن يختزل في خطاب احتجاجي مباشر، بل يراهن على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد وإعادة تعريف الممكن.

المالكي: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي»

وفي حديثها عن السياق التاريخي لبروز الأدب النسوي، قالت المالكي: «تعود البدايات الأولى للأدب النسوي، في السياق الغربي إلى القرن التاسع عشر، متزامنة مع صعود الحركات المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتمثيل الثقافي، وقد مثلت كتابات (جين أوستن) و(الأخوات برونتي) مرحلة تأسيسية عبّرت فيها المرأة عن ذاتها داخل شروط اجتماعية صارمة، لكنها استطاعت عبر التخيل، تمرير نقد اجتماعي حاد للعلاقات الطبقية والجندرية. ومع القرن العشرين انتقل الأدب النسوي إلى مرحلة أكثر وعياً بذاته، خاصة مع كتابات (فرجينيا وولف) التي ربطت الإبداع بالاستقلال الاقتصادي والذهني»، مؤكدة أن الكتابة ليست فعلاً جمالياً محضاً، بل ممارسة مشروطة ببنى السلطة. ثم تطور هذا الأدب مع الموجات النسوية المتعاقبة، لتغدو موضوعات الجسد والذاكرة والهوية واللاوعي مركزية في السرد والشعر.

أما في السياق العربي فقد تداخل تشكل الأدب النسوي مع مشاريع النهضة والتحرير الوطني حيث وجدت المرأة نفسها داخل فضاء مزدوج من المقاومة؛ مقاومة الاستعمار الخارجي، ومقاومة البنى الأبوية الداخلية، وهكذا أصبحت الكتابة النسوية فعل وعي وممانعة، وسعياً لإعادة امتلاك الذات عبر اللغة.

حفل العدد الجديد بجملة من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية

مقالات ثقافية

وفي صلة قريبة من هذا الملف، وضمن حوارات العدد، أجرت رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، حواراً مع الشاعرة مليكة العاصمي، التي تعدّ رائدة الشعر النسوي في المغرب، سلّط الضوء على تجربتها الشعرية، وعلى مسيرة الشعر النسوي بالمغرب بشكل عام.

أما الحوار الثاني فقد أُجري مع الدكتور حسين الجزائري، وهو شخصية فريدة وعالم من علماء الطب بالعالم الإسلامي، أسس أول كلية للطب بالمملكة العربية السعودية، وكان أول من نادى بإلحاق الفتيات بكلية الطب، تولى وزارة الصحة ثم أصبح مديراً لمكتب الصحة العالمي لإقليم شرق المتوسط لثلاثين عاماً... أجرى الحوار السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بـ«الإيسيسكو».

كما احتفى العدد الجديد بافتتاح المكتب الإقليمي لـ«الإيسيسكو» بالشارقة، بحضور الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، ومدير عام «الإيسيسكو» الدكتور سالم بن محمد المالك، ليصبح هذا المركز منارة إشعاع ثقافي وحضاري لكل محيطه.

ومن بين مواد العدد، مقال عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خطاباً سلطوياً، وجهود «الإيسيسكو» في مجال التراث والأدب الصوفي، ومقال عن السفر عبر الزمن، وآخر عن شاعرة الهند كملا ثريا، كما يتضمن العدد مقالاً في الصفحة الأخيرة، للدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.


«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.