«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

رواية نيوزيلندية مستوحاة من حياة الأميرة هيا بنت الحسين

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ
TT

«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ

كانت طفولة الأميرة هيا ثورة صامتة على معتقدات ترسخ التفرقة بين الجنسين. لم تحتج إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.
هي قصة أميرة تخلت عن تاجها وقصرها وكل ما أوتيت من جاه الملكية. أميرة أرادت أن تفخر بها «ماما»، تلك الملكة التي ما عرفتها إلا القليل من السنين، لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
رواية «الأميرة وبنت الريح» للكاتبة النيوزيلندية ستايسي غريغ، التي صدرت أخيرا عن دار «نوفل» التابعة لمجموعة «هاشيت أنطوان»، وبتوقيع المترجمة رنا حايك، تحكي فصولا من طفولة الأميرة هيا بنت الحسين، بنت الملكة علياء وشقيقة الملك عبد الله لأبيه! في الرواية، الموجهة للكبار كما الناشئة، تتوقف غريغ مطولا عند وصف هذه الأميرة التي هي غير كثير من الأميرات... لم تستهوها الفساتين، ولا المجوهرات ولا التيجان، ولا أي من تلك المظاهر المترفة.
كل ما عناها من ذلك القصر الملكي كانت عائلتها. أسرتها مصدر سعادتها. من كانت للآخرين جلالة الملكة كانت لها «ماما»، ومن كان بيمينه يهز عرش مملكته كان يمشط لها شعرها قبل أن تنام... ومن كان أميرا، وضعته في مصعد خدمة الغرف.
لقد علمتها أمها منذ نعومة أظافرها أن كل الأردنيين هم إخوتها وأخواتها وأن عليها أن تحبهم. لكن لم يكن مكتوبا لسعادتها أن تطول... هبت عاصفة «مشؤومة ووقعت المأساة»... وأخذت معها أحب الناس إلى قلب هيا: ماما لم تعد هنا! «لا على الفطور... لا لتمشط شعرها... قصرها الكبير أضحى موحشا وفارغا من دون ضحكة ماما...». كان ذلك في 9 فبراير (شباط) 1977.
كبرت هيا قبل أوانها. باكرا، وهي الطفلة، هدهدت أخاها علي ليتوقف عن البكاء، فهو «يبكي لأنه لا يفهم لماذا لا تأتي إليه ماما». وهي أيضا لا تفهم. ظنت أنها إذا ما أنهت طعامها، ستأتي ماما!
حفر الحزن في داخلها أخاديد عميقة لم تظهر للعلن إلا من خلال انزوائها، فما كان من والدها الملك إلا أن أهداها - لمناسبة عامها السادس - مهرة يتيمة الأم. أوكل الملك إلى ابنته حديثة اليتم مهمة تربية مهرة يتيمة هي أيضا. «من الآن، أنت أمها»، قالها والدها كما لو أنه أراد من هيا أن تسقط من خلال اهتمامها بمهرتها ما ينقصها من اهتمام تعانيه من جراء غياب ماما. فهمت هيا حينها صعوبة مهمة الأم... «أطعميها، اعتني بها ونظفيها، ربيها ودربيها، علميها حسن التصرف. علميها كيف تصبح فرسا». كيف تسأل هيا عن مهرة وهي لا تزال تستطيع الزحف تحت سريرها للقاء أمها؟ وهي احتفظت بكل أشيائها في علبة خبأتها تحت سريرها، فالعاصفة لن تجد لها مكانا تحت السرير، ولن تأخذ منها ما بقي من ماما.
هديتها هذه فتحت لها الباب على مصراعيه لمستقبل يختلف كل الاختلاف عن واقع كل أميرة. عادت الضحكة إلى وجهها وبات لحياتها معنى... «بنت الريح» أو «بري» كما سمت هيا مهرتها اليتيمة، هي سبب وجودها... عاطفة الأم التي حرمت منها، أغدقت بها على «بنت الريح». تفتحت غريزة هيا الأمومية باكرا، وكأن الحرمان العاطفي الذي عانته خط طريقه إلى فيض من العاطفة والاهتمام تجاه مخلوق صغير شكلت له هيا طوق النجاة... نموها العاطفي كان شأنه شأن النمو العاطفي لأي طفل فقد عزيزا... أصبح غياب ماما المحرك الأساسي لمهمة هيا الجديدة: أم بديلة لمهرة يتيمة.
اختبرت هيا اليتم قبل «بنت الريح» فأرادت أن تجنبها كل ما في ذلك من ألم ووجع. أدركت أنه عليها أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها الحزينة لغياب أمها، فالوقت الآن ليس لها؛ فهي ليست طفلة وعلى الآخرين أن يواسوها... قلبت الأدوار الآن، هي المسؤولة وعليها أن تواسي يتيمة أخرى... ورغم صغر سنها، أدركت أن المواساة ليست بتشبيه مأساة الآخرين بمآسينا. أدركت أن المواساة هي بتخفيف وقع الغياب. كيف لا تدرك ذلك وهي التي فقدت كل ما كانت تقدمه ماما.
لم ترد لبنت الريح أن تحس بغياب أمها... لم ترد لها أن تعيش مأساتها، فبقيت بجانبها، أطعمتها، رافقتها في كل اكتشافاتها، سهرت جانبها ليلا فإذا ما صحت رأتها جنبها واطمأنت.
ولكن هذا الاهتمام بقي ضمن حدود المعقول. اهتمامها بـ«بنت الريح» أو «بري» كان إضافة إلى حياتها الاعتيادية. أصرت مربيتها على تلقينها كل الفنون الملكية: فنون المائدة، العزف والغناء... دون نسيان مهامها المدرسية... لكن هيا لم تكترث لكل هذه الأمور، إلا لكونها طريقا يمهد لها قضاء ساعات مع مهرتها... فالسماح لها بزيارة مهرتها أو منعها من إتمام هذه الزيارة كانا منوطين باجتهادها في فروضها المدرسية.
رافقها حبها للفروسية إلى «المدرسة الداخلية» إلى بادمينتون في بريطانيا. كانت تلميذة مجتهدة تبرع في مهامها المدرسية وكانت رياضية ماهرة - شأنها شأن أمها. حتى في بادمينتون، لاقى شغفها بالفروسية مكانا يتفجر به. شهد «شبرلاند كوبس» على فطرة هيا واكتسبت في ميدانه خبرة واسعة مكنتها من حصد أكثر من ميدالية في أكثر من سباق. لم تكن لترتاد هذا المكان لولا تدخل بابا الذي طلب إلى مدرسة هيا إعطاءها الإذن بذلك.
ولكن كل هذه النجاحات لم تكن لتضمد جراح انسلاخها عن عائلتها ولا لتوقف الحنين الذي ما انفك يكبر يوما بعد يوم رغم المراسلات الدائمة بينها وبين عائلتها. حتى بنت الريح كان لها حصة في هذه المراسلات. فقد كان زين - من أوكلت إليه هيا مهمة الاهتمام ببري - يخبرها بكل شاردة وواردة، طبعا بعد أن دربته على الاعتناء بها وشرحت له معاني كل حركة تقوم بها مهرتها.
مرت الأيام وعلي يعد أيام عودة أخته إلى القصر الملكي، أي عند انتهاء العام الدراسي. ولكنه لم يكن يعلم أن مصير أخته ارتبط ارتباطا وثيقا بالسماء والكواكب.
فكما كان لعاصفة ذلك العام المشؤوم وقع مدو في حياة الأميرة هيا، كذلك كان إطلاق المكوك تشالنجر. شاهدت هيا على التلفزيون حدث إطلاقه، وكان آخر ما رأته صورة لانفجاره... وجه أمها... مروحية هليكوبتر تسقط... وأصوات صراخ ونحيب!
كل هذه السنين التي حاولت فيها هيا كتم مشاعرها وإخفاء حزنها عادت وألقت بكل ثقلها، فأغمي عليها... وأعيدت إلى قصرها الأردني. هناك لاقت أخاها وأباها ومربيتها... عادت إلى تلك الحياة الرخامية التي لم ترد منها سوى إسطبلاتها.
رغم ضعفها ووهنها، أصرت هيا على زيارة المهرة التي باتت الآن فرسا. هنا، تعلمت أن الغياب لا يوقف الزمن. عادت لتلاقي زملاء لها يشاطرونها شغفها بالخيول.
عادت أميرة عربية تمتطي فرسا وتدربها على ما لم تعد من أجله، حسب العادات. بري، كما فارستها، كسرت القيود. فكما تمردت هيا على مصيرها وخلعت فساتينها وارتدت بنطالا، كذلك فرسها التي كانت معدة للجري دربتها هيا على تخطي الحواجز.
ثارت هيا على تقاليد مجتمعها، فما انفكت تمارس هوايتها وتصادق «السياس»، وأبدت اهتماما بالمشاركة في بطولة الكأس الملوكية للفروسية. تخطت هيا كل الحواجز. ورفضت فكرة أن كونها فتاة (أولا) وأميرة (ثانيا) سيمنعها من تحقيق حلمها.
لطالما حلمت هيا بتلك اللحظات، حين تتحد فيها مع فرسها، وتقودها لتكون غير كل الخيول. وثقت بها ثقة عمياء - ثقة أم بطفلها، فهي الأدرى بها وبكل ردود فعلها. علمت هيا أن «بنت الريح» لن تخذلها لعلمها أنها هي بنفسها لن تخذل الملكة علياء وستجعلها تفخر بها.
رغم كل هفواتها، ساندها الملك في قرارها المشاركة في البطولة. وكان لها خير معلم في أصول الشهامة واحترام الوعود حين عفا عن معاقبتها لتلتحق بالتمارين النهائية. كان يمرر لها بجرعات متفاوتة دروسا في الشهامة والعنفوان والعزم في كل قرار اتخذه بحقها. شاركت هيا في البطولة وهي بنت في الثانية عشرة من عمرها، كانت الأنثى الوحيدة والأصغر سنا بين جميع المشتركين.
بيد أنها كانت الأعلى رتبة بينهم، إلا أن ذلك لم يكن جواز عبورها لهذه المسابقة. استحقت المشاركة بجدارة؛ فهي فارسة ماهرة ومتمكنة. نجحت حينا وسقطت حينا آخر. ولكنها، بعزمها وبثقتها ببري وبنفسها، ووفاء لوالدتها، وطمعا منها بضحكة جديدة تعبق بالفخر على وجه أبيها الملك، قادت هيا فريقها إلى نصر أمام خصم عنيد. طفولة هيا كانت ثورة صامتة على معتقدات صماء ترسخ التفرقة الجنسية. لم تحتج هيا إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.

* نبذة عن المؤلفة ستايسي غريغ
* في طفولتها، شغفت ستايسي غريغ بالخيول، حتى إنها حاولت تدريب كلبها على قفز الحواجز في حديقة المنزل، إلى حين سمح لها والداها باقتناء مهرة.
غريغ لم تصبح فارسة، لكنها برعت في الكتابة عن الفروسية، إذ بيع أكثر من نصف مليون نسخة من السلسلتين اللتين أصدرتهما عن الخيول، Pony Club Secrets وPony Club Rivals، والموجهتين إلى الفتيات الصغيرات.
لتأليف «الأميرة وبنت الريح»، نزلت الكاتبة النيوزيلندية ضيفة على الأميرة هيا بنت الحسين في الأردن. زارت قصور العائلة المالكة، وجالت في الإسطبلات الملكية، وأدارت حوارات مطولة مع الأميرة ومحيطها، متتبعة ومتقصية، لنسج خيوط هذه القصة عن الأميرة ومهرتها، و«بمباركة» منها.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.