روسيا تؤكد استعداداتها لسحب قواتها من سوريا

بالتزامن مع مفاوضات جنيف

TT

روسيا تؤكد استعداداتها لسحب قواتها من سوريا

أكد نيكولاي باتروشيف، سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، أمس، أن الاستعدادات جارية لسحب القوات الروسية من سوريا. وقال إن العملية ستتم فور الانتهاء من تلك الاستعدادات.
وكان الجنرال فاليري غيراسيموف، قائد أركان القوات الروسية، أكد في وقت سابق احتمال تقليص القوات الروسية في سوريا بشكل ملموس نهاية العام الحالي.
وجاءت تصريحات باتروشيف حول سحب القوات على هامش مشاركته في اجتماع تحضيري لقمة قادة دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي في العاصمة البلاروسية مينسك، بمشاركة أناتولي سيدروف، قائد الأركان العامة لقوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي، الذي أكد بدوره أن قوات حفظ السلام التابعة للمنظمة مستعدة لتنفيذ مهامها في أي نقطة في العالم. وأشار في إجابته عن سؤال حول إمكانية إرسال تلك القوات لروسيا، إلى أن الأمر رهن بالقرار السياسي. وأكد: «سننفذ القرارات التي يتخذها قادة دول المنظمة». ولفت إلى أن «استخدام تلك القوات على أراضي دولة أجنبية يتطلب على الأرجح قرارا من مجلس المنظمة وقرار الأمم المتحدة».
وكان الوضع في سوريا موضوعا رئيسيا على جدول أعمال قمة قادة دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي استضافتها أمس العاصمة البيلاروسية مينسك. وفي ختام القمة أصدر قادة الدول الأعضاء في المنظمة (روسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وأرمينيا، وقرغيزيا، وطاجيكستان) بيانا أشاد بدور روسيا الحاسم في القضاء على الإرهاب في سوريا، وتهيئة الأجواء للعملية السياسية. وأكد قادة دول المنظمة «دعمهم لسيادة واستقلال ووحدة سوريا»، ودعوتهم إلى «القضاء العاجل على التهديد الإرهابي، وإنهاء النزاع الداخلي عبر الوسائل السياسية الدبلوماسية، ومن خلال حوار سوري واسع دون شروط مسبقة»، وناشدوا الدول المهتمة الاستفادة من الظروف المتوفرة حاليا «لتفعيل المفاوضات في إطار عملية جنيف برعاية الأمم المتحدة». وعبروا عن قناعتهم بأهمية «الدعوة لمؤتمر الحوار السوري (في سوتشي)، ودفع كل المبادرات الرامية إلى المساعدة في التسوية السياسية للأزمة السورية».
ولم تسر المفاوضات في جنيف وفق ما قرر المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، إذ رفض وفد النظام بحث مواضيع الدستور والانتخابات. وأصر على «أولوية الحرب على الإرهاب». وقال أليكسي بورودافكين، مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف في تصريحات أمس لوكالة «ريا نوفوستي»، إن وفد النظام السوري أعرب عن رغبته بأن تكون الأولوية خلال «جنيف - 8» لموضوع الحرب على الإرهاب. ووصف موقف وفد النظام في «جنيف - 8» بأنه «بناء»، وقال إنهم «منفتحون على الحوار»، وأحال إصرارهم على منح الأولوية لموضوع الإرهاب إلى ورقة «12 بندا» التي طرحها دي مبستورا للنقاش خلال «جنيف - 4» في مطلع مارس (آذار) حول نظام الحكم في سوريا. ولا تشير تلك الورقة إلى «الحرب على الإرهاب» وإنما تنص على «رفض كل أشكال الإرهاب والتطرف» في سوريا. ولم يتجاوب وفد النظام السوري مع مساعي دي ميستورا لإطلاق مفاوضات مباشرة. غير أن بورودافكين قال إن «دمشق لديها موقف مبدئي يؤيد المفاوضات المباشرة»، لافتا إلى أن وفد المعارضة «أعلن أنه أتى ليناقش رحيل الأسد»، وشدد على أن «هذه القضية لا يمكن أن تكون مادة للمفاوضات، لا سيما المفاوضات المباشرة». وأكد أن وفد دمشق لن يناقش هذه القضية مع المعارضة تحت أي ظرف. وأكد إمكانية المفاوضات المباشرة بموجب القرار 2254، لكنه اشترط أن «يخوضها عن المعارضة وفد تمثيلي بمشاركة القوى السياسية السورية المعارضة ذات التوجه الوطني»، مشككا بهذا الشكل بتركيبة وتوجهات وفد المعارضة الحالي، الذي تم تشكيله في الرياض، بما في ذلك بدعم روسي لجهود تشكيل وفد موحد، وبحضور ألكسندر لافرينتيف المبعوث الرئاسي الروسي إلى الأزمة السورية. وكان بورودافكين شكك في تصريحات في اليوم الأول من «جنيف - 8» بالمفاوضات الجارية هناك، وقال: «تبقى لدينا حول ذلك بعض الشكوك، لجهة أنه ليس من الواضح ما هي القيمة المضافة من هذه الاجتماعات، وبخصوص الصيغة المختارة والمشاركين فيها. نحن نعتقد أن هناك صيغا أثبتت نفسها بشكل جيد التي تعمل بالفعل».
إلى ذلك دعا فاسيلي نيبينزيا، مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، إلى وقف إيصال المساعدات الإنسانية من دول الجوار السوري دون العودة في هذا الأمر إلى دمشق. وكان مجلس الأمن الدولي أصدر عام 2014 قرارا يسمح بإدخال المساعدات عبر الحدود دون مراجعة النظام، وينتهي العمل بموجب القرار المذكور في 18 يناير (كانون الثاني) 2018. وأكد نيبينزيا أن روسيا ستدعو إلى مشاورات بهذا الخصوص الأسبوع المقبل. وقال إن «آلية إيصال المساعدات لا يمكن أن تبقى على شكلها الحالي»، وفي إشارة إلى ضرورة أن يتم إرسال المساعدات عبر النظام، اعتبر نيبينزيا أن «إيصال المساعدات بهذا الشكل ينتهك السيادة السورية». وأضاف أن الأمم المتحدة تلعب دورا ثانويا في إيصال المساعدات عبر الحدود، وأن منظمات غير حكومية تقوم بهذا العمل حالياً، واتهم تلك المنظمات بتغذية المناطق الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة فقط، وعدم إيصالها إلى جميع الأراضي السورية، وفق ما ينص عليه قرار مجلس الأمن.
وترسل الأمم المتحدة مساعدات إنسانية إلى مختلف المناطق السورية، بما في ذلك الخاضعة لسيطرة النظام السوري. إلا أنها تواجه صعوبات في إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تفرض قوات النظام عليها حصاراً خانقاً. واستخدم النظام السوري «التجويع» عبر الحصار، بالتزامن مع القصف العنيف، سلاحا ضد معارضيه، لفرض تسويات عليهم، كما جرى في مناطق عدة في سوريا، مثل حي الوعر في حمص، والمعضمية وداريا في ريف دمشق، والزبداني ومناطق أخرى.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.