تغول الفساد... داء ينخر أجهزة الدولة الليبية

يشمل التعيينات وتهريب أموال النفط وتبديد مخصصات لشراء السلع التموينية الضرورية

تغول الفساد... داء ينخر أجهزة الدولة الليبية
TT

تغول الفساد... داء ينخر أجهزة الدولة الليبية

تغول الفساد... داء ينخر أجهزة الدولة الليبية

في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، اصطف عشرات المواطنين أمام مجلس النواب الليبي بمدنية طبرق (شرق البلاد)، وهم يهتفون ضد مسؤول كبير في ديوان المحاسبة التابع لمجلس النواب، ويطالبون بمحاسبته وإقالته، بسبب ما وصفوه بـ«تورطه في قضايا فساد»، كما اتهموا بعض النواب بالتستر عليه؛ لكن هذه ليست المرة الأولى التي يحتج فيها مواطنون للتنديد بوجود فساد، كما أن هذا المسؤول في ديوان المحاسبة ليس أول من يشار إليه في مثل هذه «الاتهامات»، حيث سبق لهيئة الرقابة الإدارية التابعة للبرلمان أن أوقفت في سبتمبر (أيلول) الماضي رئيس هيئة مكافحة الفساد، وأربعة موظفين آخرين من موظفي الهيئة عن العمل، بعد «اكتشاف ارتكابهم عدة تجاوزات إدارية ومالية». وجاء قرار الإيقاف بعد تحقيقات أجرتها الهيئة بشأن «تجاوزات إدارية ومالية»، وشمل القرار رئيس هيئة مكافحة الفساد، ونائبه، ورئيس الشؤون الإدارية، والمراقب المالي، والمراجع الداخلي أيضاً.
ليس هذا فقط؛ بل حتى مصرف ليبيا المركزي في العاصمة طرابلس أحال هو أيضاً ملفات «فساد مالي وقضايا غسل أموال» في العاشر من سبتمبر الماضي، بما تزيد قيمته على 4 مليارات دينار ليبي (الدولار الأميركي يعادل 9.5 دينار ليبي) إلى مكتب النائب العام.
هكذا، وبمضي الوقت، بات حديث الليبيين عن «جرائم نهب المال العام» منذ الإطاحة بالرئيس الراحل معمر القذافي عام2011، هو الأعلى صوتاً، بداعي الخوف على مستقبل البلد الذي تضربه الفوضى وتقسمه الخلافات السياسية.
وأمام تبادل الاتهامات بين المسؤولين والسياسيين في شرق البلاد وغربها، حول المتسبب في «تغول الفساد»، انتعشت السوق السوداء، وزادت الضغوط على الفئات الأقل دخلاً، وتفاقم غلاء المعيشة، ما تسبب في ازدياد الأزمات المعيشية في أغلب المناطق الليبية؛ خاصة في ظل الاقتتال والانفلات الأمني، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ونقص الإمدادات الغذائية، وتأخر صرف رواتب العاملين، إلى جانب أزمة نقص السيولة في بعض المصارف.
وحسب متخصصين ليبيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، فإن «الفساد في ليبيا» لا يتوقف على قطاع بعينه، ولا يختلف في شرق البلاد عن غربها، معتبرين أنه يتمدد ابتداءً من نهب احتياطي العملة الصعبة عن طريق الاعتمادات والعمل بالسفارات، والتزوير وتهريب الأموال، وأنه تسبب في أوضاع «كارثية».
وفي أحدث تقرير له، وجّه ديوان المحاسبة الليبي في العاصمة اتهامات صريحة لأشخاص وجهات لم يسمها، بـ«الفساد والخيانة»، ورصد وقائع فساد في قطاعات عدة، وقال إن ليبيا «لا تزال تعاني من (دواعش) الاعتمادات والتحويلات الخارجية من مصرفيين فاسدين، وتجار خونة لم يراعوا حاجة المواطن البسيط في الغذاء، وهم حتى الآن يستمرون في نهش ما تبقى من مقدرات الوطن، مستغلين ما تمر به الدولة من تشتت وصراعات».
ودفعت وقائع الفساد هذه النائب البرلماني فوزي الطاهر النويري، عضو لجنة متابعة الأجهزة الرقابية، إلى التأكيد على أن «الفساد مستفحل في بلادي، وهذا الملف كبير وشائك؛ لكن لم نسمع أن مسؤولاً واحداً حُوكم في هذه الجريمة».
وأضاف النويري لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يختلف اثنان في بلادي على أن الوضع تحول إلى مأساة»، وأرجع ذلك إلى أسباب مختلفة، من بينها: «تحول الدولة من النظام الشمولي إلى التعددية دون تمهيد أو تدرج».

الفساد ثقافة متجذرة
وأمام شُح المعلومات في ليبيا، قدّم ديوان المحاسبة «كماً هائلاً من وقائع فساد»، وقال إن «ضعاف النفوس يستغلون حالة عدم الاستقرار التي تمر بها البلاد لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المجتمع»، مبرزا أن «ليبيا تعد وفقاً لمنظومة الشفافية الدولية من أكثر ست دول فساداً في العالم، حيث منحتها المنظمة 14 نقطة فقط من أصل 100 في النزاهة والشفافية، في مؤشر مدركات الفساد الصادر عام 2016».
وذهب ديوان المحاسبة إلى أن «الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن مستوى الفساد في المجتمع وصل إلى 86 في المائة، وهو ما يتطلب أولاً الاعتراف بأنه متجذر في العقول والأفكار، وأصبح ثقافة عامة، وعملاً يومياً تمارسه أغلب قطاعات المجتمع بقطاعيه العام والخاص، تشمل المسؤول، والموظف، والتاجر، والمقاول، والعامل، والمواطن، والطالب، والشرطي، والعسكري، وغيرهم، دون استثناء».
وقدم ديوان المحاسبة في تقريره نموذجاً لفساد المسؤول في الدولة، بقوله إن «إهدار المال والتقصير في حفظه وصيانته واستخدامه في غير الأغراض المخصص لها زاد عن الحد، إلى جانب إساءة البعض استخدام سلطاتهم قصد تحقيق منافع للغير دون وجه حق، بالإضافة إلى الاستحواذ على المناصب، رغم ضعف الكفاءة، فضلاً عن تبديد مخصصات بالعملة الصعبة لشراء السلع التموينية».
كما تحدث ديوان المحاسبة عن «فساد التعيينات، وعقود العمل التي تبرم للوساطة والمحسوبية بأعداد كبيرة دون حاجة لها، والتلاعب في العُهد التي تصرف بمبالغ كبيرة دون تسويتها، أو تسويتها بموجب مستندات ملفقة».
وحسب التقرير أيضاً، فقد تضمنت ملفات الفساد «إبرام اتفاقيات تعويض للمقاولين لا يستحقونها، وتغريم الدولة مبالغ طائلة، فضلاً عن التنازل عن الإدارة لصالح الشريك الأجنبي، إلى جانب التحايل والتلاعب في عقود التأمين الطبي، والتوسع في إبرام العقود وتكليفات العمل المباشرة، دون دراسة أو حاجة»، وضرب التقرير مثلاً لذلك، وقال إن «وزيراً سابقاً للتربية والتعليم أبرم 110 عقود بشكل مباشر».
كما رصد ديوان المحاسبة ما أسماه «ظواهر فساد الموظفين»، ومن بينها «تزوير الشهادات المهنية والجامعية للحصول على علاوات ومناصب، والاستحواذ على أصول المؤسسة لأغراض خاصة، وتسوية العهد بمستندات ملفقة، والحصول على مقابل عمل إضافي، ومزايا ومكافآت غير مستحقة، فضلاً عن التواطؤ مع مقاولين، أو المتعاقد معهم في اعتماد وتمرير أعمال غير منفذة، أو مواد غير موردة».

تهريب الأموال إلى الخارج
وانتقل التقرير للحديث عن «تفشي الفساد في القطاع المصرفي»، ورصد «تنامي تهريب الأموال للخارج، من خلال عمليات التلاعب بالاعتمادات والتحويلات الخارجية، وإتمام معاملات التوريدات الوهمية، بالإضافة إلى عملية غسل أموال متحصل عليها من التلاعب بالاعتمادات، والخداع في البطاقات الإلكترونية، والإيداعات الوهمية من خلال التحايل على نظام المقاصة بتدوير الصكوك، فضلاً عن التواطؤ في قبول صكوك وخصمها من حسابات الجهات العامة».
واللافت في الأمر، طبقاً لما قاله النائب فوزي الطاهر النويري، عضو لجنة متابعة الأجهزة الرقابية، هو عدم صدور أي قرار إدانة للمتورطين في تلك القضايا، حتى بعد إحالتها إلى جهات التحقيق منذ نحو سنتين، وقال بهذا الخصوص إنه «لا يوجد أي رادع لمن يمارسون الفساد في البلاد».
في مقابل هذه الاتهامات، دافع خالد شكشك، رئيس ديوان المحاسبة، عن الحكومة في طرابلس، وقال إن «الفساد غير مسموح به في بلادنا، فنحن نسير في الإصلاح، ووزارة الاقتصاد أخذت كل ملاحظات ديوان المحاسبة بعين الاعتبار، وبدأت في اتخاذ إجراءاتها»، في وقت كشف فيه تقرير أخير لهيئة الرقابة الإدارية عن تلقيها 963 قضية بمخالفات فساد خلال 2015، أُحيل منها 13 في المائة فقط للنيابة العامة، وهو رقم «ضئيل جداً» وفقاً لبعض المراقبين.
ويرى الدكتور البدري الشريف، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي، أن كل ما ورد في تقرير ديوان المحاسبة هو مجرد «جزء قليل جداً» مما يجري في بلاده، وقال في هذا الصدد: «لا أبالغ إن قلت إن أحد أسباب انهيار الوضع الاقتصادي في ليبيا يرجع إلى جرائم الفساد»، مبرزاً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «غياب الدولة ومؤسساتها تسبب في كل ما نعانيه... فعندما تنهار الدولة يستلم المغامرون زمام الأمور، وهذا هو الحاصل في ليبيا، حيث تتم استباحة المال العام، والاستيلاء عليه دون رادع... وهو أمر مؤسف. هناك عملية نهب ممنهجة للأموال الليبية، والأمر لا يتعلق فقط بالحكومة؛ لكنه أصاب كل الأجهزة الرسمية وغير الرسمية».
أضاف الشريف موضحاً: «أنا لا أتحدث تحديداً عن الحكومة؛ لكن عمّن يحكمون في الواقع، وهم الذين يملكون السلاح ولا يخضعون لمؤسسة حقيقية، فيفرضون إرادتهم بالقوة، ويسيطرون على مقاليد الأمور ويرتبطون بمصالح كبيرة».

حفتر وميناء طبرق
امتداداً لرؤية الشريف، أغلق رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمواصلات والنقل، ميناء طبرق البحري (أقصى شرق البلاد) أمام حركة الملاحة الدولية، منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بسبب «ضعف سيطرة الأجهزة الأمنية في الميناء، وانتشار الفساد المالي». وجاء قرار إغلاق الميناء استجابة لطلب القائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر، الذي أكد في رسالة وجهها إلى رئيس الهيئة، أن انتشار «التهريب المالي عن طريق ميناء طبرق البحري، وتحويله إلى مصدر فساد يؤثر على الاستيراد والتصدير، بالإضافة إلى عدم الانضباط، الأمر الذي بات يؤثر على الاقتصاد الليبي».
ودعا حفتر إلى «إغلاق الميناء أمام الملاحة الدولية، وإيقاف التصدير والاستيراد منه وإليه، وتحويل حركة مسار السفن إلى ميناء بنغازي البحري».
واستكمل النويري حديثه بسؤال: «هل تعلم أن كل قيادات الأجهزة بالدولة، وهي معنية ومختصة بالرقابة والمتابعة، انتهت مدة ولايتها، أو تمت إقالتها، ومع ذلك لا يزالون يمارسون أعمالهم ويرتكبون تجاوزات؟... هذا يرجع إلى الانقسام السياسي، والصراعات الجهوية الكبيرة»، مضيفاً أن «السلطة التنفيذية، سواء المتمثّلة في حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس، أو المؤقتة في مدينة البيضاء (شرق البلاد) يُمارس كل منهما فساداً دون وجود من يراقبهما».
وضرب النويري مثلاً على ذلك بقوله، إن «أغلب؛ بل كل التعيينات في الوظائف السيادية والإدارية العليا في البلاد، لا تتم وفق معايير الكفاءة؛ بل حسب الوساطة والمحسوبية والمحاصصة، والقوة المؤثرة على الأرض؛ بل إن بعض الوظائف تضم أناساً غير متخصصين أصلاً في مجال العمل الموكل لهم».
النويري لم يستثن المصرف المركزي، وديوان المحاسبة من ارتكاب تجاوزات، وقال إن «الأول مهمته رسم السياسيات النقدية؛ لكننا نجده يمارس السياسات المالية والاقتصادية معها، وهذا يعتبر تدخلاً قد يفسح المجال للفساد وعدم القدرة على مراقبته، والثاني يمارس بعض أعمال الرقابة السابقة، في حين أن المقصود هو الرقابة اللاحقة».
وفي الحادي عشر من سبتمبر الماضي، أحال مصرف ليبيا المركزي في طرابلس ملفات فساد مالي وقضايا غسل أموال، بما تزيد قيمته على أربعة مليارات دينار إلى مكتب النائب العام. والمدهش واللافت في الوقت ذاته، أن شكشك انضم لجبهة المنددين بالفساد، واتهم «عسكريين وسياسيين، (دون تسميتهم)، بالتورط في وقائع فساد تتعلق بالاعتمادات المستندية»، وقال إن «كل الناس تورطت في الفساد؛ لكن شرعنته أمر غير مسموح به».
ونقل «المرصد الليبي» عن رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، أنه «اكتشف وجود أسماء شركات مدرجة بشكل وهمي، على القوائم التي تحيلها البلديات إلى المصرف المركزي كي يتم منحها اعتمادات كبيرة»، وتابع موضحاً أن «هذا دليل على وجود شبهات كبيرة جداً، ولو مرّرت هذه الحالات فلن أحترم مهنتي».

سرقة النفط الليبي
حالات الاعتداء على المال العام في البلاد لم تقف عند تبديد مخصصات السلع التموينية، وتزوير المستندات، أو حتى تفشي الفساد في القطاع المصرفي؛ بل وصلت إلى سرقة النفط الذي يعد قُوت الليبيين، ومصدر ثروتهم، وتهريبه إلى الخارج، وغسل أمواله بطرق مختلفة، وهو ما كُشف عنه في أعقاب اغتيال الصحافية المالطية دافني كروانا غاليتزيا، على أيدي ما عرف بـ«مافيا تهريب الوقود الليبي في مالطا».
ففي 22 أكتوبر الماضي، قالت قناة «بي بي سي» البريطانية: «إن النائب العام الإيطالي أصدر مذكرات توقيف بحق تسعة أشخاص، وتمكنت الشرطة الإيطالية من اعتقال ستة منهم، هم ليبيان وإيطاليان ومالطيان، على خلفية تهريب وقود ليبي بقيمة 35 مليون دولار، من مصفاة الزاوية لتكرير النفط (غرب العاصمة)، وبيعه في أسواق دول أوروبية».
وقالت الشرطة الإيطالية إنها «رصدت 30 رحلة من ليبيا إلى صقلية، وقد وصلت كميات من الديزل المهرب إلى إسبانيا وفرنسا». فيما كشف الرئيس السابق لوكالة مكافحة الفساد في المملكة المتحدة، جوناثان بينتون، في حوار لراديو «بي بي سي»، أنه رأى مئات الملايين من اليوروات تنقل من ليبيا إلى حسابات شركات خاصة في مالطا... وفي إحدى المرات «تم نقل 100 مليون يورو إلى شركة خاصة في مدينة فاليتا، ووضعت في حسابات ببنوك خاصة، وتم تجهيزها لغسلها في بريطانيا».
وكشف اعتقال هذه المجموعة إلى أي مدى تمددت رقعة الفساد، لتضم أيضاً قطاع النفط، في البلد الذي تضربه الفوضى منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، ما دفع السفير البريطاني لدى ليبيا بيتر ميليت إلى القول إن «هذه إحدى أشهر الجرائم في ليبيا، فجزء كبير من موازنة البلاد الخاصة بالدعم يصرف على الجريمة المنظمة».
وأوضح ميليت في مقالة نشرها على مدونة الخارجية البريطانية، في الثامن من نوفمبر الجاري، أن «الليبيين يتمتعون بأرخص وقود في العالم، بفضل دعم حكومي بلغت قيمته هذا العام فقط 4.3 مليار دينار ليبي؛ لكن معظم هذا الوقود يجري تهريبه خارج البلاد عبر شاحنات ليباع في أماكن أخرى من أجل الربح». كما ذكر السفير أن «الفساد هو الوباء الذي سقطت ضحية له دول تحاول النهوض من الفقر، وهناك سياسيون ومسؤولون حول العالم يضعون أيديهم في خزائن المال العام لسرقة ثروات بلدانهم، وتصرفاتهم هذه تعود بالنفع فقط على نخبة ضيقة ومتنفذة، عبر السماح لهم بالحصول على الأموال والمزايا، وتقديم مصالح أصدقائهم وأسرهم وزملائهم في الجريمة».
كما أوضح ميليت أن «ليبيا أضحت في المرتبة 170 من أصل 175 دولة في التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2016. والفساد ظاهرة ممنهجة في كثير من الدول، ولا يقتصر فقط على ليبيا»، مشددا على أن «الدول التي احتلت المراتب الدنيا في التقرير ينتشر فيها انعدام الثقة، وسوء الأداء في القطاعات العمومية، كالشرطة والقضاء».

اغتيال صحافية
غير أن فوزي النويري، عضو لجنة متابعة الأجهزة الرقابية، كشف في حديثه مع «الشرق الأوسط» أنه التقى أحد أعضاء المجلس الرئاسي، في اجتماع ضم عدداً من النواب، لمناقشة كيفية التصدي لعمليات تهريب الوقود إلى دول أوروبية، وقال مستغرباً: «لقد فوجئنا بالعضو الرئاسي يقول: هذا ملف كبير، ومن يتحدث فيه فقد يدفع حياته ثمناً لذلك، هذا الموضوع متورطة فيه مافيا وشبكات للجريمة المنظمة بخارج البلاد وداخلها، وخير دليل اغتيال الصحافية المالطية دافني كروانا غاليتزيا، فور كتابتها عن هذا الأمر».
وتحدث النويري عن أن فروق أسعار المحروقات بين ليبيا ومالطا تشجع مافيا التهريب، وقال إن سعر لتر البنزين المدعم 15 قرشاً، ومع ذلك يباع للمواطن في جنوب وغرب البلاد بـ50 إلى 75 قرشاً، كاشفاً عن أن المؤسسة الوطنية للنفط كانت تدرس رفع الدعم عن الوقود أو زيادة سعره، ومنح المواطن دعماً نقدياً للحد من عملية تهريبه؛ لكن بعد هبوط سعر الدينار الليبي فإن هذه المقترحات لم تعد مجدية.
وتابع النويري موضحاً أن «اللتر يباع في مالطا تقريبا بيورو واحد، وهذا يعادل 10 دنانير ليبية، مما يشجع المهربين في مدن مثل زوارة (شمال غربي البلاد) على نقل ثروة البلاد عبر السفن التي تتجمع في نقطة بعرض البحر المتوسط خارج مياهنا الإقليمية».
واستكمالاً لما طرحه النويري، قال عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، البدري الشريف، إن «عصابات المجرمين المحليين تتحالف مع نظرائها خارج البلاد لتهريب كل شيء في البلاد، من المواد الغذائية المدعومة، والأدوية، والسيارات، حتى معدات البناء... لا توجد شرطة أو جيش يمكنه التصدي لهم».
وأنهى الشريف حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «حكومتي السراج والثني لا تسيطران على الأوضاع في البلاد، ولا تمتلكان أدوات إنفاذ القانون، فضلاً عن وجود برلمان في طبرق غير فعال، ويعاني حالة تشظٍ وانقسام... لهذا يجد الفساد مساحة واسعة للانتشار والاستشراء في كل مفاصل الدولة».



مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.


ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)

رحّبت الحكومة اليمنية بالقرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي القاضي بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمةً إرهابية، وعدّت القرار خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح لمواجهة أحد أخطر مصادر زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وللحد من التهديدات المباشرة التي يُمثلها هذا الكيان للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.

وأكدت الحكومة اليمنية، في بيان رسمي، أن هذا القرار يعكس إدراكاً أوروبياً متقدماً لطبيعة الدور التخريبي الذي اضطلع به «الحرس الثوري الإيراني» على مدى سنوات، من خلال تغذية النزاعات المسلحة، ودعمه المنهجي للجماعات والميليشيات الخارجة عن مؤسسات الدولة الوطنية، وتهديده المتكرر للممرات المائية الدولية، وتقويضه المستمر لأسس الاستقرار والأمن العالميين.

وشدد البيان على أن تصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية يُمثل تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لسلوكيات إيران، وينهي مرحلة طويلة من التساهل السياسي مع أنشطة باتت تُشكل تهديداً مباشراً للأمن الجماعي، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه.

وأكّد البيان أن الجماعة الحوثية ليست سوى إحدى الأذرع العسكرية المباشرة لـ«الحرس الثوري الإيراني»، وأن مشروعها القائم على العنف والانقلاب وفرض الأمر الواقع بالقوة يُمثل امتداداً صريحاً للدور التخريبي الذي يقوده هذا الجهاز العسكري خارج حدود إيران.

حريق على متن سفينة شحن بريطانية جراء هجوم حوثي في خليج عدن (إ.ب.أ)

وأوضحت الحكومة أن سجل الحوثيين الحافل باستهداف المدنيين، وقصف الأعيان المدنية، وشن الهجمات العابرة للحدود، وتهديد سفن الشحن والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، يعكس بوضوح طبيعة الارتباط العضوي والعملياتي بين الجماعة و«الحرس الثوري»، سواء على مستوى العقيدة أو التمويل أو التسليح أو التخطيط العسكري.

وأضاف البيان أن تعطيل جهود السلام الإقليمية والدولية في اليمن، وعرقلة المسارات السياسية، واستخدام العنف المنظم بوصفه أداة تفاوض، كلها ممارسات تتسق مع النموذج الذي اعتمده «الحرس الثوري» في إدارة وكلائه في المنطقة، وتحويلهم إلى أدوات ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي.

ودعت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي إلى استكمال هذه الخطوة المهمة باتخاذ قرار مماثل وحاسم بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، انسجاماً مع القوانين والتشريعات الأوروبية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يُسهم في تجفيف مصادر تمويل هذه المليشيات، وردع سلوكها العدواني، وتعزيز فرص السلام العادل والمستدام في اليمن والمنطقة.

إجراءات عملية

في سياق هذا الترحيب اليمني، قال وزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة تصريف الأعمال، معمر الإرياني، إن قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية يُمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع أحد أخطر مصادر زعزعة الاستقرار في المنطقة، بعد سنوات من التغاضي عن أدواره العسكرية والأمنية العابرة للحدود».

وأضاف الإرياني، في تصريح رسمي، أن أهمية القرار لا تكمن في رمزيته السياسية فحسب، بل فيما يجب أن يتبعه من إجراءات تنفيذية عملية، تشمل تجفيف منابع التمويل، وتجميد الأصول، وملاحقة الشبكات والواجهات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقطع قنوات الدعم والتهريب والتسليح التي يديرها عبر دول ومناطق متعددة.

تعنت الحوثيين أدى إلى تعطيل مسار السلام في اليمن (أ.ب)

وأشار الوزير اليمني إلى أن «الحرس الثوري» لعب في الملف اليمني دوراً مباشراً ومنظماً في إدارة مشروع الانقلاب الحوثي، ولم يقتصر تدخله على إمداد الميليشيات بالأسلحة والخبراء والتقنيات والتمويل، بل امتد إلى الإشراف العملياتي وإدارة الشبكات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن ذلك تثبته الأدلة الميدانية والأدوار التي اضطلع بها عناصره، ومنهم حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي، بوصفها أدوات تشغيل ميداني للمشروع الإيراني.

ولفت الإرياني إلى أن ما جرى في اليمن لا يُمثل حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط إقليمي ثابت يعتمد على بناء ميليشيات مسلحة موازية للدولة، وتغذية الصراعات، ونشر الفوضى والإرهاب، واستخدام الوكلاء فرض وقائع بالقوة وابتزاز المجتمع الدولي.

قرار تاريخي

يأتي هذا الموقف اليمني في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 29 يناير (كانون الثاني) 2026، بإدراج «الحرس الثوري الإيراني» على قائمة التكتل للمنظمات الإرهابية، في تحول وُصف بأنه نهاية مرحلة «الحذر الدبلوماسي»، وبداية عهد جديد من المواجهة الاقتصادية والقانونية مع العمود الفقري للنظام الإيراني.

وجاء القرار استجابةً مباشرة للقمع العنيف الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر 2025 ومطلع 2026، وأسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وفق تقديرات منظمات حقوقية، إضافة إلى الدور الإقليمي المتصاعد لـ«الحرس الثوري»، بما في ذلك تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة، وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

عناصر حوثيون في صنعاء خلال تجمع حاشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

ويترتب على هذا التصنيف حزمة من التداعيات القانونية والسياسية الصارمة، تشمل تجميد الأصول، وحظر السفر، وتجريم أي شكل من أشكال التعاون أو الدعم، إلى جانب تشديد العزلة الدبلوماسية، بما يحد من قدرة «الحرس الثوري» على العمل تحت أغطية سياسية أو اقتصادية داخل أوروبا.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الطريق إلى أمن المنطقة واستقرارها يبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق الجهات التي ترعى وتدير الميليشيات المسلحة العابرة للحدود، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، واحترام وحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها.

وجددت الحكومة اليمنية التزامها الكامل بالعمل الوثيق مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، من أجل إحلال السلام، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، وبناء مستقبل آمن ومستقر لشعوب المنطقة.

عاجل مسؤولون: انفصاليون يشنون هجمات منسّقة في جنوب غربي باكستان