آلان فيليبس: مميزات الإعلامي الناجح أن يكون لديه فضول الصبي الصغير

الصحافي البريطاني المخضرم تحدث لـ {الشرق الأوسط} عن مشوار طويل بدأ بتغطية الغزو الإسرائيلي لبيروت

آلان فيليبس: مميزات الإعلامي الناجح أن يكون لديه فضول الصبي الصغير
TT

آلان فيليبس: مميزات الإعلامي الناجح أن يكون لديه فضول الصبي الصغير

آلان فيليبس: مميزات الإعلامي الناجح أن يكون لديه فضول الصبي الصغير

بدأ آلان فيليبس، الصحافي المخضرم رئيس قسم الشؤون الخارجية في التلغراف البريطانية ورئيس تحرير مجلة «تشاتام هوس» حاليا، عمله موظفا تحت التدريب تابعا لوكالة «رويترز» في موسكو عام 1979. وبعد مرور عقد عصيب من العمل مع «رويترز»، عمل آلان مراسلا لدى صحيفة «صنداي» البريطانية الأسبوعية عام 1990، ثم انتقل للعمل مع صحيفة «ديلي تلغراف»، الصحيفة البريطانية الرائدة؛ حيث عمل مراسلا للصحيفة في موسكو (1994 - 1998)، ومراسلا خاصا بمنطقة الشرق الأوسط (1998 - 2003)، ثم عمل محررا خارجيا (2003 - 2006). وتحدث فيليبس لـ«الشرق الأوسط» عن مشاوره الإعلامي على النحو التالي:
* هل يمكن أن تحدثنا عن تجربتك مع اللغة العربية؟
- قواعدها تثير الإعجاب بشكل لا ينتهي؛ وعدم إجادتها كان مسار إحباط لي لفترة طويلة من الزمن. يرجع الفضل إلى اللغة العربية في الكثير من الوظائف التي شغلتها؛ فقد كان أول عمل لي في مجال الصحافة بلندن مع وكالة أنباء «جانا» الليبية، ثم حصلت بعد ذلك على منحة تدريبية مع وكالة «رويترز»، لأنني كنت أتحدث الروسية والعربية، ويعود ذلك الأمر إلى السبعينات، فقط، بعد ارتفاع أسعار النفط، وحدثت طفرة مفاجأة في الأنباء والمال في العالم العربي.
لقد درست اللغة العربية في الجامعة، ولكن تعلمت الكثير في دمشق، عندما اعتمدت على نفسي في ترجمة العقود التجارية (التي كانت متشابهة إلى حد كبير) إلى الإنجليزية، ورأى رئيس قسم الترجمة أنه يمكن الاستفادة من عملي، وسمح لي بتعلم كيفية الضرب على الآلة الكاتبة هناك.
وكان المترجمون الآخرون موهوبين ومتعلمين بشكل كبير، وكان من الممكن أن يكونوا أساتذة أو وزراء، ولكن نظرا لسياستهم (التي لا يجرؤ أحد على التحدث عنها بالطبع)، لم يتحقق ذلك الأمر، ولكنى أعتقد أن ميولهم كانت أقرب إلى أفكار حزب البعث.
* كيف استفدت من ذلك الأمر في حياتك المهنية؟
- أعتقد أن أي شخص يمكن أن يتواصل مع الآخرين بأي لغة في العالم، إذا كانت طبيعة حياته ووظيفته تعتمد على تلك اللغة. وهذا هو السبب وراء صعوبة اللغة العربية؛ حيث إن صعوبتها لا تكمن في نطقها، أو أن بها الكثير من المستويات بدءا من العادية إلى مرحلة التحدث بها وإجادتها، أو في وجود الكثير من اللهجات الأخرى، ولكن تكمن المشكلة في أن الكثير من الأشخاص بالعالم العربي يتلقون تعليمهم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وذلك في سن مبكرة في كثير من الأحيان، ويفضلون الحديث بتلك اللغات. ولا ينطبق الأمر ذاته على روسيا؛ حيث نجد القليل من الأشخاص يتحدثون الإنجليزية، ويتعين عليك أن تتواصل معهم بلغتهم (اللغة الروسية)، وكذلك الحال بالنسبة لفرنسا، ولذا اعتمدت، في الواقع، كثيرا على اللغة الروسية والفرنسية في مهنتي.
* ما أفضل قصة صحافية قمت بتغطيتها؟
- لقد كنت في بيروت في الفترة ما بين 1982 - 1983 من أجل الغزو الإسرائيلي؛ حيث قال لي رئيس التحرير: «اذهب إلى بيروت لمدة ثلاثة أشهر أو نحو ذلك، لحين انسحاب الإسرائيليين»، فلم يتنبأ المحرر بالأمر بشكل جيد؛ حيث إن الإسرائيليين لم يغادروا بيروت حتى عام 2000. ونظرا لأن غرب بيروت كان محاطا بالإسرائيليين، كان إعداد المادة الصحافية والانتهاء منها يعدان بمثابة مهمة حقيقية، وذلك في ظل انقطاع التيار الكهربي والمياه. وكان مولد الكهرباء لدينا عليه لافتة كبيرة تقول إنه تحت حماية الثورة الفلسطينية، ويجب ألا يقوم أحد بسرقته. وبهذا الشكل واصلنا عملنا.
وفي ذلك الحين، كان ينظر إلى الصحافة الدولية بمزيد من الاحترام. وأتذكر أنه في أحد الأيام صباحا، وأنا في طريقي إلى العمل وأقود سيارتي (فيات ريتمو)، أوقفني خمسة رجال معهم آر بي جي (قذائف صاروخية)، وكانوا يريدون مني أن أقوم بتوصيلهم إلى الخط الأمامي، حيث يتقدم الإسرائيليون. وبينما كنت أقوم بتوصيلهم، كانوا يناقشون مسألة الاستيلاء على السيارة لاستخدامها في الدفاع عن المدينة، ولكنهم اتفقوا على ألا يستولوا عليها ويتركوها لي، لأنهم يدركون أهمية الصحافة بالنسبة لقضيتهم. هذه الأيام، من الممكن أن أتعرض للاختطاف مقابل الحصول على فدية في الحال.
* هل تعمل الآن على تأليف كتاب؟
- أكتب حاليا كتابا يدور موضوعه حول روسيا، ولكنه ليس سياسيا وإنما يتحدث عن حالة نظام الأيتام في روسيا. ويسألني الناس عن السبب وراء عدم تأليفي كتابا عن منطقة الشرق الأوسط. فبموجب وظيفتي كمحرر، أتلقى الكثير من الكتب الجديدة التي تدور حول المنطقة، ولكن يبدو أن هذه الكتب في معظمها يكون قد عفى عليها الزمن بحلول الوقت الذي تطرق فيه باب المكتبات، ولا تحقق مبيعات جيدة.
إذا كنت تريد تأليف كتاب ناجح حول منطقة الشرق الأوسط، عليك أن تدرس مثال توماس فريدمان (الذي كان يشاركنا مكتب «رويترز» ببيروت في عام 1982)؛ حيث إن كتابه المعنون «من بيروت إلى القدس»، ما زال تجري طباعته منذ عام 1989، ويجري إجراء تحديثات له بشكل منتظم، وما زال يباع في الأسواق. فبوضوح، القصة الجيدة تعد أكثر أهمية من أن تكون مطلعا على آخر المستجدات. وهذا الأمر يكون صعبا على المراسل الصحافي.
* هل قمت بتغطية أي قصة كانت تحتل الصدارة، أخبر القراء العرب عن تجربتك من فضلك؟
- هناك الكثير من المراسلين ممن يقومون بتغطية قضايا الحروب من وقت لآخر، وكنت واحدا منهم. المراسلون الحقيقيون الذين يقومون بتغطية الحروب قلة، والذي يميزهم هو ما لديهم من معرفة وقدرتهم التي تشبه قدرة الجندي؛ ففي معظم الوقت، عليهم توخي الحذر والتحلي بالشجاعة في بعض الأحيان. إنهم يمكنهم تقييم درجة الخطر، والإعداد لخطط احتياطية، ويمكنهم ذلك، في الغالب، من البقاء على قيد الحياة. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة إلى أنتوني لويد، التابع لصحيفة «التايمز»، الذي كان قد أوشك على الموت مرتين في سوريا، وكذلك ديدييه فرنسوا، مراسل الإذاعة الفرنسي، الذي جرى إطلاق سراحه أخيرا من الأسر في سوريا، والذي لعب دورا بارزا في تغطية حروب الشيشان بروسيا. فالناس، أمثال ديدييه، يقومون بتوجيه الجهلاء الذين لا يعرفون الفرق بين الدبابة ومركبة مدرعة ناقلة للأفراد. يمكنني القيام بذلك، ولكنني لم أكن على الإطلاق عضوا في رابطة المراسلين المختصين بتغطية الحروب، التي تتضمن أيضا بعض الزميلات، أمثال الراحلة ماري كولفين. ونصيحة واحدة: لا تستمر وقتا طويلا مع طواقم التلفزيون، حتى وإن كانوا سيوفرون لك أفضل وسائل النقل؛ حيث إنهم يقضون وقتا طويلا في مكان واحد، ويجذبون اهتماما أكثر مما ينبغي.
* لقد قمت بتغطية الأخبار في كثير من الصراعات والبلدان المختلفة، وبالطبع، شاهدت الكثير من الأمور المثيرة للقلق. فهل ما زالت تواجه مثل تلك الأمور أو هل تتجاهل هذه الأمور عندما تنتهي مهمتك؟
- أحلم دائما بأنني عدت مرة أخرى إلى بيروت في عام 1983، وأنا أجري باتجاه سحابة من الدخان على الواجهة البحرية، وقد دمرت السفارة الأميركية جراء انفجار شاحنة ملغومة. كانت هذه نقطة تحول حاسمة في التاريخ، مع تنامي دور الجماعات الشيعية المستوحاة من إيران في منطقة الشرق الأوسط. لم يكن لدي المزيد من الوقت للتفكير في التاريخ. إنني بحاجة إلى هاتف، وكان هذا قبل سنوات من اختراع الهاتف الجوال، فكنت أجري في جميع الشوارع الجانبية للتواصل مع مكتبنا، وإيفادهم بالأخبار. كنت أذهب إلى المحلات التجارية، ولكن لم تكن هناك إشارة صوتية، وبينما كنت أعود مرة أخرى وأسير جريا في الشارع، وأستفسر عن الطريق، رأيت تيري أندرسون، مراسل وكالة «أسوشييتد برس» المنافس لي - الذي احتجز كرهينة لأكثر من خمس سنوات في بيروت - خلال المهمة ذاتها. وفي ذلك الوقت، نظر بعضنا إلى بعض، وسرنا مسرعين كل منا في طريقه. وأخيرا، عثرت على هاتف في مكتب تأجير سيارات، وقمت بإفادة مكتبنا ببعض المعلومات، ثم ذهبت إلى المستشفى الأميركية لتحديد عدد الإصابات، حيث كان هذا الأمر جزءا من المعلومات التي يتعين الحصول عليها. لم تكن هذه بمثابة المهمة الصعبة البشعة الراسخة في ذاكرتي، ولكن كانت مثل هذه المنافسة بين مراسلين تابعين لوكالتين للأنباء بمثابة أمر مضحك في وقت الكارثة. فهذا الأمر يبدو أكثر تفاهة في ضوء ما حدث لـتيري في وقت لاحق.
* هل لديك أي نصيحة يمكن أن تقدمها للصحافيين العرب على وجه الخصوص؟
- لا أستطيع تقديم نصيحة للصحافيين العرب؛ حيث إن كل دولة لديها الثقافة الإعلامية الخاصة بها، فالثقافة الإعلامية لبريطانيا تعد صارمة للغاية، كما هو الحال بالنسبة للخصومة القائمة بين المجالات السياسية والقضاء لدينا، وهذا الأمر لا نجده في جميع الثقافات الأخرى في مراحل تطورها كافة.
* ما اللحظة التي كنت على يقين فيها بأنك اخترت المهنة الصحيحة؟
- لم يكن بذهني إجابة حاضرة عن هذا السؤال. فكل مادة صحافية أعمل عليها، أنظر إليها في البداية بصفتها عملا كاملا خاليا من العيوب، ولكن عندما تجري طباعتها، تبدو لي كأنها فقدت كل بريقها.
* ماذا كانت أول قصة قمت بتغطيتها؟ ومتى جرى بثها أو نشرها؟
- كانت مقالة في مجلة تدور حول الأسلحة النووية الإسرائيلية. وظلت بعض الأمور على حالها.
* كم عدد الساعات التي تقضيها في العمل في الأسبوع الواحد؟
- أعمل أربعة أيام في الأسبوع الواحد في مؤسسة «تشاتام هاوس»، مسؤول تحرير لمجلتهم (مجلة العالم اليوم)، وفي يوم آخر أكتب من أجل صحيفة «ذا ناشونال»، التي يقع مقرها في أبوظبي. وردا على سؤالك، لقد اعتاد والدي القول: «أنت من يستطيع تحديد أولوياتك»، لذا إن لم يكن لدي ما يكفي من الوقت، فهذه غلطتي.
* ما رأيك في النقاش حول الإعلام المطبوع والإلكتروني؟ هل تعتقد أن الأنماط الجديدة من الإعلام ستضع نهاية لأشكاله القديمة؟
- مما لا شك فيه، بددت الثورة الرقمية من نموذج الصحف، بصفتها عملا تجاريا. فهذه الصحف إما أن يكون لديها مصدر غير تجاري للدخل، مثل شركة سكوت تراست، التي تدعم صحيفة «الغارديان»، وإما أنهم يقعون في قبضة جهابذة الرقمية، الذين يدعون أنهم يملكون سر جلب المال من الإنترنت، الذي أصبح يمكنه التحكم في مصير عناوين صحيفة «التلغراف». كما أن صحيفة «الإندبندنت» تقوم بعمل كبير فيما يتعلق بإنتاج صحيفة دون وجود موارد، ولكن إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
ولذا، لن أندهش عند رؤية الصحف اليومية مدفوعة الثمن لم تصدر من يوم الاثنين إلى الجمعة، ولكنها ستستمر في الصدور في عطلة نهاية الأسبوع. إن الصحف تكافح من أجل تغطية تكاليفها من خلال الإيرادات التي يمكن أن تحصل عليها عبر الإنترنت، وكذلك تكاليف النسخ المطبوعة، نظرا لما تحتاج إليه من نفقات ثابتة كثيرة، مثل تلك النفقات التي تحتاج إليها دار الطباعة وكذلك شبكات التوزيع.
وبالنسبة للمحتوى، فإن المدونة في العمل الصحافي تعد أمرا جذابا، ولكن تكمن صعوبته في أنه يتعين على المدون أن تكون له سمة مميزة وسط سوق مزدحمة، بما يمكنك من التعرف على سياستهم، وما هم بصدد قوله. إن جوهر عمل الصحف يكمن في العمل على إثارة الدهشة لدى القراء. ويجب أن تقدم لك الصحيفة شيئا لم تكن تتوقع وجوده على الإنترنت.
* ما المدونة أو الموقع الإخباري المفضل لديك؟
- يعد موقع «تويتر» هو الوكالة الإخبارية المفضلة لدي.
* ما النصيحة التي يمكنك تقديمها للصحافيين من الشباب الذين يوشكون على البدء في العمل الصحافي؟
- بالنسبة للبريطانيين الذين يريدون العمل في الصحف، أقول لهم: لا تفعل ذلك. لقد ولت أفضل السنوات. إذا كنت تريد بالفعل العمل في الصحافة، عليك أن تسأل نفسك ما إذا كنت تريد العمل بصحيفة «ديلي ميل».
وأعني بذلك السؤال، هل توافق على التنازلات اللازمة لإنتاج عمل ناجح تجاريا؟ إذا كان بمقدورك القيام بذلك، فعلى الأرجح أنك ستواصل الحياة تحت أنقاض تجارة الحبر.
* ما الصفات التي تعتقد أنها يجب أن تتوافر في الصحافي الناجح؟
- أن يتمتع بعقلية فضولية، ويكون لديه فضول الصبي الصغير. فهذه هي السمة الفريدة لـجون سنو، المذيع في قناة «4 نيوز» البريطانية. فلم يسبق له أن شعر بالملل، أيا كانت الشخصية التي يجري حوارا معها، بدءا من الملك إلى عامل النظافة في الشارع، فهو يعتقد أن لديهم شيئا ذا أهمية يمكنهم قوله، وهو يصر على التوصل لذلك الشيء.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».