العاهل المغربي يدعو إلى {مراجعة أولويات} الاتحاد الأفريقي

استعرض مع رئيس المفوضية التحديات التي تواجهها القارة

العاهل المغربي لدى استقباله رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي بالقصر الملكي بالرباط (ماب)
العاهل المغربي لدى استقباله رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي بالقصر الملكي بالرباط (ماب)
TT

العاهل المغربي يدعو إلى {مراجعة أولويات} الاتحاد الأفريقي

العاهل المغربي لدى استقباله رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي بالقصر الملكي بالرباط (ماب)
العاهل المغربي لدى استقباله رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي بالقصر الملكي بالرباط (ماب)

وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس الدعوة للمجتمع الدولي لإعادة رسم أولوياته الاستراتيجية، على ضوء ما أصبحت تقدمه القارة الأفريقية.
وقال الملك محمد السادس، في رسالة وجهها للمشاركين في الدورة العاشرة للاجتماع السنوي لمؤتمر السياسة العالمية، الذي افتتح أمس بمراكش، إنه «اعتباراً للتطورات الحديثة وللخطوات التي خطتها القارة الأفريقية نحو الأمام، والمعترف بها، أصبح من الضروري أن يسمع صوت قارتنا، وأن تصبح متمركزة في خريطة سياسية دولية، بعد إعادة تصميم معالمها».
وذكر العاهل المغربي أن أفريقيا انفتحت على شراكات متعددة الأبعاد، شملت المجالات المؤسساتية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وكذا المجالات المتعلقة بالتصدي للتطرف، ومكافحة الإرهاب، مبرزاً أنه بضم الرصيد الذي وفره التعاون شمال - جنوب إلى التجارب التي اكتسبتها مختلف الأطراف، يستطيع أصحاب القرار بناء تعاون أقوى وأكثر واقعية، وخصوصاً أكثر عدلاً وإنصافاً.
وشددت الرسالة الملكية، التي تلاها على المشاركين مستشار العاهل المغربي ياسر الزناكي، على أن تماسك وقوة وبراغماتية أفريقيا كلها عناصر ستمكنها من احتلال الموقع الأنسب داخل هذا المسار، مشيدة بـ«الإرادة المشتركة التي تحدونا من أجل تحقيق اندماج أكبر بين دول أفريقيا».
وأكد العاهل المغربي أن الزمن الذي كانت فيه أفريقيا قارة موصومة بالسلبية، وبأنها معقدة من محيطها، قد ولى، لتظهر كقارة واعدة متحفزة، تلتزم وتتعهد بالتزاماتها، لتحل محل قارة خاضعة مستكينة، مضيفاً أن القارة الأفريقية تتوجه بخطى ثابتة نحو الازدهار والرخاء، كما أنها تعيش تحولات حثيثة، وفق نموذج خاص بها، وتفتح أبوابها أمام شراكات جد متنوعة.
غير أن بناء مستقبل الأجيال الأفريقية الصاعدة والإعداد له، يضيف العاهل المغربي، يقتضي توجيه الجهود، والتحلي بالحزم من أجل تحقيق الأهداف المسطرة، موضحاً أن التطلع إلى الازدهار والرخاء يعد عملية معقدة تتطلب النفس الطويل. وفي هذا الصدد، أكدت الرسالة الملكية أن تحقيق التطلعات الكبرى للمواطنين، لا سيما الأفارقة، لن يتم إلا عبر برامج التنمية البشرية والاقتصادية الشاملة على الصعيدين الإقليمي والقاري. وجدد الملك محمد السادس الدعوة لمواكبة نهضة القارة الأفريقية، التي استطاعت أن تحدد مصيرها ومستقبلها بنفسها، مشيراً في هذا الصدد إلى أنه «من واجبنا بلورة استراتيجيات مبتكرة، ونهج سياسات طموحة تقوم على استثمار المنجزات التي تم تحقيقها لحد الآن، فضلاً عن الاستفادة من المبادرات العالمية الناجحة التي تتلاءم وتنوع واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي». وبالموازاة مع ذلك، يقول العاهل المغربي: «يتعين علينا كذلك تعزيز أداء المؤسسات، ودعم الحكامة الجيدة، وتحسين طرق استخدام الأموال العامة بصورة جوهرية».
وشددت الرسالة الملكية على أن الثروة الأفريقية، المتمثلة أساساً في رأسمالها البشري، تشكل فرصة فريدة للنمو، موضحاً أن اعتماد سياسات ناجعة وتنفيذها في مجالات التربية والتكوين المهني والصحة، سيساهم في تحقيق اندماج الشباب الأفريقي داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي لبلدان القارة.
وذكر العاهل المغربي بأن القارة الأفريقية تزخر بموارد طبيعية هائلة، ينبغي استثمارها وتثمينها على النحو الأمثل، واستحضر في هذا الإطار مفهوم «الثورة الخضراء» المنشودة التي «تهدف إلى التجديد العميق للتكنولوجيات وأساليب الإنتاج، آخذين بعين الاعتبار خصوصيات واقعنا الأفريقي، والتغيرات المناخية التي تواجهه».
وعبر الملك محمد السادس عن سروره لكون الالتزامات التي أخذها المغرب على عاتقه لتسريع وتيرة النمو الفلاحي، وتحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا، تساهم بشكل إيجابي في تغطية الحاجات الغذائية لمجموع المواطنين الأفارقة على الصعيد القاري.
وذكر العاهل المغربي أيضاً بأن الصناعة الأفريقية ما زالت تعاني من نقص في التنافسية، موضحاً أن عليها أن تواجه تحدياً مزدوجاً ذا أهمية كبرى، يكمن في تطوير أنشطة مبتكرة من جهة، وتكوين يد عاملة مؤهلة من جهة أخرى. كما يجب، وبموازاة مع الاستثمارات الخاصة، يؤكد العاهل المغربي، تطوير أنواع جديدة من التمويل والشراكات تدريجياً، قصد تشجيع وتكثيف المشاريع التنموية، مع الرفع من وتيرة تنفيذها، وعدم تجاهل النقص الذي تعاني منه أفريقيا عل مستوى البنيات التحتية، والعمل على إيجاد حل نهائي وواقعي لهذه الإشكالية.
من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن انفتاح المغرب على العالم، خصوصاً أفريقيا، يتعزز كل سنة، مضيفاً أن نهج الانفتاح الذي تبنته المملكة يعزز الجهود الفرنسية في خلق اندماج قوي بين أوروبا والقارة الأفريقية.
ودعا الرئيس الفرنسي، في كلمة موجهة للمشاركين في أشغال الاجتماع السنوي لمؤتمر السياسة العالمية بمراكش، تلاها سفير فرنسا لدى المغرب جون فرنسوا جيرولت، إلى «التفكير في الوسائل الكفيلة بإرساء حكامة دولية منفتحة قادرة على استيعاب الصدمات، من خلال تسهيل إحداث التغييرات المرغوب فيها».
وتحتضن مراكش الاجتماع السنوي لمؤتمر السياسة العالمية في دورته العاشرة، بمشاركة شخصيات مرموقة وخبراء من مختلف المجالات.
وعلى مدى 3 أيام، ستتناول أشغال الاجتماع، التي انطلقت أمس تحت رعاية العاهل المغربي، قضايا الرهانات الإقليمية والدولية الكبرى، من خلال مجموعة من الجلسات العامة والورشات حول مواضيع تهم «مستقبل جنوب شرقي أوروبا» و«الاستثمار في أفريقيا» و«الثقة والحقيقة في العهد الرقمي» و«الاقتصاد العالمي» و«مستقبل وسائل النقل: الربط والحكامة» و«أميركا والعالم... سنة بعد انتخاب ترمب» و«الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل البشري» و«مستقبل التجارة والاستثمارات العالمية» و«المالية والاقتصاد» و«الطاقة والمناخ» و«الاتحاد الأوروبي والعالم» و«التنمية بأفريقيا» و«الأمن بآسيا» و«الشباب الرواد» و«وضعية العالم».
يشار إلى أن مؤتمر السياسة العالمية، الذي تأسس سنة 2008، يعتبر منظمة مستقلة تهدف إلى المساهمة في تحسين الحكامة في كل تجلياتها، بغية النهوض بعالم أكثر انفتاحاً وازدهاراً وعدلاً، ويحترم تنوع الدول والأمم.
ومن جهة ثانية، استقبل العاهل المغربي الملك محمد السادس، أمس، بالقصر الملكي بالرباط، موسى فاكي محمد، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، حسب بيان للديوان الملكي.
وخلال هذا الاستقبال، أبرز مفوض الاتحاد الأفريقي الدعم المهم الذي تقدمه المملكة المغربية، منذ عودتها في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى حظيرة أسرتها المؤسساتية الأفريقية، لأجندة السلام والاستقرار والتنمية في القارة.
وأشاد فاكي، أيضاً، بعمل العاهل المغربي من أجل تعاون جنوب - جنوب بين الدول الأفريقية، والتزامه بصفته قائداً بخصوص قضية الهجرة داخل الاتحاد الأفريقي. كما تم خلال الاستقبال استعراض التحديات المتعددة التي تواجهها القارة الأفريقية، فضلاً عن الفرص التي يتعين اغتنامها من أجل وضع القارة، بشكل لا رجعة فيه، على طريق الإقلاع الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والاستقرار السياسي.
يذكر في هذا الصدد أنه تم خلال قمة العمل الأفريقي، المنعقدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بمراكش، على هامش مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب 22)، إحداث 3 لجان تحت الرئاسة الفعلية للملك محمد السادس، تهم منطقة الساحل ومنطقة حوض الكونغو والدول الجزرية. كما كانت الاستحقاقات القارية ضمن جدول أعمال هذا الاستقبال. وحضر الاستقبال فؤاد عالي الهمة مستشار العاهل المغربي، وناصر بوريطة وزير الخارجية والتعاون الدولي، ومحمد حسن اللبات كبير المستشارين الاستراتيجيين لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.



8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض «مجمع مطار بغداد الدولي»، الذي يضمّ «مركزاً للدعم اللوجيستي» يتبع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت - الأحد، وفق ما قال مسؤول في «قيادة العمليات المشتركة العراقية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث مسؤول أمني عن «8 هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني بمنطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني آخر عن وقوع 6 هجمات على الأقلّ. وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر الأحد، على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على «مركز الدعم اللوجيستي»، وفق مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الأحد، أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

وقال السوداني ، خلال زيارة أجراها اليوم إلى مقر جهاز المخابرات الوطني في العاصمة بغداد حيث اطلع ميدانياً على تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له مقر الجهاز يوم أمس وأدى الى إرتقاء أحد المنتسبين، إن «من ارتكب هذه الجريمة الغادرة، هم مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي، وتجاوزت على مؤسسات الدولة».

وأضاف أن «من يتجرأ على الدم العراقي لا يمثل العراق، ولا تبرر أي عقيدة هذه الجريمة، ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدامة»، مؤكداً أن الحكومة تتصرف وفق منطق الحكمة والمسؤولية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

ودعا القوى السياسية الوطنية إلى الاضطلاع بدورها، واتخاذ موقف واضح وصريح مما يحصل من اعتداءات تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد ، مشيراً إلى أن «هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها، وهي من تحدد وتحمي مصالح العراق».
ووفق بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزارء، «أمر السوداني الجهات المعنية في الجهاز وبالتعاون مع باقي الجهات الأمنية بالاستمرار في
التحقيق الدقيق بملابسات الاعتداء، والكشف عن النتائج والإعلان للشعب العراقي عن الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإرهابي المشين، وعدم التردد في فضحها وتقديمها الى العدالة».

كما اجتمع السوداني برئيس الجهاز والكادر المتقدم والمسؤولين، واستمع إلى عرض أمني شامل، تضمن معطيات العمل المعلوماتية والميدانية، في إطار المهام والواجبات المناطة.

ومنذ الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح العراق إحدى الدول التي امتدت إليها الحرب، إذ تتوالى غارات على مقار لفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران، فيما تستهدف هجمات المصالح الأميركية، كما تنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد. وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يومياً هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد يوم 20 مارس 2026 (رويترز)

وفي بيانها اليومي، قالت «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر الأحد، إنها نفذت خلال 24 ساعة «21 عملية بواسطة عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ». في المقابل، أقرّ البنتاغون، الخميس الماضي، لأول مرة بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لطهران.

ومنذ بدء الحرب، هاجمت فصائل مسلحة موالية لإيران السفارة الأميركية في بغداد و«مركز الدعم اللوجيستي» التابع لها في المطار. واعترضت الدفاعات الجوية معظم تلك الهجمات التي نُفّذت بصواريخ أو مسيّرات.

كذلك تعترض منذ بدء الحرب الدفاعاتُ الجوية في أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، مسيّرات في أجواء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014، وقنصلية أميركية ضخمة.

وكانت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران تعهّدت فجر الخميس وقف استهداف سفارة واشنطن «لمدة 5 أيام» بموجب شروط، هي «كفّ يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية (الجنوبية) في بيروت، والالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA) من محطاتهم وإيقافهم داخل السفارة».

وأكّدت أنه «في حال عدم التزام العدو، فسيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة». ومنذ ذاك الإعلان، لم ترصد «وكالة الصحافة الفرنسية» أي هجوم على السفارة الأميركية.

Your Premium trial has ended


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.