كسينيا سوبتشاك... منافسة بوتين على الكرملين

غيداء هيفاء... لسانها كحد السيف... وسليلة عائلة روسية عريقة

كسينيا سوبتشاك... منافسة بوتين على الكرملين
TT

كسينيا سوبتشاك... منافسة بوتين على الكرملين

كسينيا سوبتشاك... منافسة بوتين على الكرملين

غيداء هيفاء براقة، لكن لسانها كحد السيف. إن تكلمت أفصحت. لا تخاف لومة لائم في ما تقول عندما يتعلق الأمر بمواقفها، سواءً حيال قضايا اجتماعية عادية مقبولة كموضوع يمكن تناوله على الملأ، أو حساسة على درجة عالية من الخصوصية في العلاقات الاجتماعية والأسرية.
ولا يختلف الأمر حين تتحدث في القضايا السياسية، لدرجة أن البعض يتجنّبها ويخشى صراحتها التي صورتها على أنها «سليطة اللسان»، وهذا لأن لسانها ينطق بما في داخلها دون مواربة أو تملق لأي كان.
إنها الشقراء الروسية الجميلة، كسينيا سوبتشاك، سليلة العائلة التي خاضت وما زالت تخوض في عالم السياسة، وتشغل مكانة مرموقة في العالم الأكاديمي.
يرى البعض أن العلاقة بين والدها وبوتين مصدر شهرتها الواسعة، على الرغم من أنها تعارض نهج الكرملين. غير أن كسينيا، كما يرى البعض، حادت قليلاً عن التقاليد الأسرية المحافظة حين دخلت عالم «الشو بيزنس» كمقدمة برامج اجتماعية، جعلتها دوماً محط اهتمام ومثار جدل. ويبدو أن كسينيا قررت العودة إلى التقاليد الأسرية، لكن من دون أن تتخلى عن صفاتها الذاتية... وفجّرت قنبلة من العيار الثقيل حين أعلنت أخيراً نيتها الترشح للرئاسة الروسية، لتعود بذلك وتحتل العناوين الرئيسية في الإعلام، وتصبح الموضوع الرئيسي في مختلف الأوساط الاجتماعية والسياسية الروسية.
عادت كسينيا سوبتشاك إلى الواجهة سياسياً واجتماعياً في روسيا، بعدما أعلنت عن نيتها الترشح للانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة المتوقعة في مارس (آذار) عام 2018. وعلى الرغم من أنه لم يُعلن رسميا بعد عن فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، قرّرت سوبتشاك - كعادتها - القيام بخطوة غير تقليدية وبأسلوبها الخاص، فأطلت يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عبر مقطع فيديو على صفحتها الرسمية قالت فيه: «أنا، كسينيا سوبتشاك، البالغة من العمر 35 سنة، أعيش وأعمل في روسيا طول حياتي. وأنا قلقة جدا على مستقبل بلادي. أتعامل بمسؤولية مع أي خطط في المجال الاجتماعي، وبعدما كنتُ أدرس كل المخاطر المحتملة والمصاعب المتعلقة بهذه المهمة، قررتُ أن مشاركتي في الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون خطوة في الطريق المؤدية إلى التغيرات اللازمة التي تحتاجها بلادنا».
بطاقة هوية
كسينيا سوبتشاك إعلامية روسية شهيرة ومقدمة عدد كبير من البرامج الاجتماعية. وفي الحديث عنها بصورة أدق، اسمها كسينيا أناتوليفنا سوبتشاك.
ولدت في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1981 في مدينة لينينغراد (بطرسبرج حالياً). أما والدها فهو السياسي الروسي المعروف الراحل أناتولي سوبتشاك، عميد معهد الحقوق في جامعة لينينغراد، ثم عضو مجلس الشعب السوفياتي حتى عام 1996. وبعد ذلك أصبح عمدة مدينة بطرسبرج، وحينها كان الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين مساعداً له، ويقال إن سوبتشاك الأب لعب دوراً هاما في حياة بوتين السياسية. أما والدتها فاسمها لودميلا ناروسوفا، وهي أستاذة تاريخ، وهي حالياً سناتورة، أي أنها عضو في المجلس الفيدرالي (مجلس الاتحاد) الروسي، وهو أحد مجلسي البرلمان الروسي بجانب «الدوما» (مجلس النواب).
أما بالنسبة للعلاقات القديمة بين عائلة سوبتشاك ومسؤولين كبار في روسيا حالياً، فإن الأمر هنا لا يقتصر على الرئيس بوتين، فهناك مثلا فيكتور زولوتوف، رئيس الحرس الوطني الروسي حالياً، الذي كان مسؤولا عن حراسات عائلة سوبتشاك عندما كانت كسينيا طفلة صغيرة، وروت في حوار نشر أخيراً كيف كانت تحاول بشتى السبل الفرار من الحراسة حول والدها، التي كان زولوتوف يرأسها.
درست كسينيا سوبتشاك منذ عام 1998 في معهد العلاقات الدولية في جامعة بطرسبرج، وانتقلت بعد ذلك لتتابع تحصيلها العلمي في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، الجامعة المرموقة التابعة لوزارة الخارجية الروسية، وتخرّجت عام 2004 بدرجة الماجستير من قسم العلوم السياسية. ولعل أحد أهم أسباب شهرتها في بداية مسيرتها المهنية، هو اختيارها العمل في برامج تلفزيونية اجتماعية مثيرة للجدل، مثل «البيت-2»، وهو من برامج «تلفزيون الواقع»، يستضيف مجموعة من الشبان والشابات، ويعرض يومياً تطورات العلاقات في ما بينهم، والكثير من التفاصيل الاجتماعية «المحرجة» حول العلاقات الغرامية التي تنشأ بين المشاركين من الجنسين في البرنامج.
ورأى البعض في اختيارها بداية هذا النوع من العمل خروجاً عن الطابع المحافظ الذي يعتبر كثيرون أن كسينيا، سليلة أسرة أناتولي سوبتشاك، كانت ملزمة بمراعاته في حياتها المهنية. غير أن هذه النظرة لم تؤثر على خطط الشابة الجميلة الجريئة، إذ واصلت عملها، وحازت على عقود لتقديم عدد كبير من البرامج الاجتماعية على عدد من القنوات التلفزيونية.
مع هذا، فإن عمل كسينيا في هذا النوع من البرامج مثل «توك شو» و«رياليتي شو» الاجتماعية، لم يعن أن سوبتشاك بعيدة عن عالم السياسة. بل يقول البعض إن مواقفها السياسية، تحديداً، هي التي لعبت دوراً في ظهور «سوبتشاك» بحلة أخرى، في موقع «الإعلامي السياسي المعارض».

عام مفصلي
لقد شكل عام 2011 نقطة تحول في مسيرة سوبتشاك المهنية، وانتقالها من الاجتماعي إلى السياسي، لكن دون أن تغيب الإثارة عن أدائها، إذ استمرت تطرح مواقف مثيرة للجدل في المجتمع، لا سيما تلك التي أبدت فيها معارضة لبوتين، على الرغم من العلاقات الطيبة القديمة التي تربطه بأسرتها.
وبدأ التحول في حياتها عندما أعلنت عن دعمها للاحتجاجات ضد تزوير النتائج عقب الانتخابات البرلمانية الروسية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011. وفي العام التالي، 2012. شاركت سوبتشاك في مظاهرة للمعارضة الروسية، بعد الانتخابات الرئاسية، وألقت كلمة في المتظاهرين الذين احتشدوا في شارع أرباط الجديد، وسط موسكو، تحت شعار «من أجل انتخابات نزيهة».
وإذ لا يوجد أي دليل مادي يؤكد تأثير مواقفها السياسية على عملها في برامج تلفزيونية، فإن كثيرين ذهبوا إلى الربط بين وقوفها إلى جانب المعارضة الروسية، وظهورها على الفور كشخصية بارزة في المعارضة، وخسارتها لعملها إثر ذلك. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى إغلاق برنامج حواري كانت تديره، عنوانه «الخارجية مع كسينيا سوبتشاك» في فبراير (شباط) عام 2012، وذلك بعد عرض الحلقة الأولى منه على قناة «م ت ف روسيا». ومن ثم، أبعدت سوبتشاك في مايو (أيار) 2012 عن تقديم الجوائز في المسابقة السنوية «موز تي في»، وتقول صحيفة «فيدموستي» الروسية إن المسؤولين برّروا لها قرارهم حينها بـ«اتصال من الأعلى». ثم بعد شهرين انسحبت سوبتشاك من تقديم البرنامج الأكثر إثارة للجدل من بين كل ما قدمته وهو برنامج «المنزل-2». وبعد ذلك ألغت قناة «موز تي في» عقدها لتقديم برنامج «توب موديل بالروسي». وبعد هذه التغيرات الجذرية على عملها في القنوات الرسمية و«قرب الرسمية» انتقلت سوبتشاك للعمل في قناة «دوجد» المعارضة، وبدأت كذلك تبث برامج عبر قنوات «أونلاين» على الإنترنت.
بطلة رئيسية
بيد أن الجميلة سوبتشاك، مقدمة برنامج «شقراء في الشوكولاته»، وبعد غياب نحو خمس سنوات عن شاشات القنوات الرسمية الحكومية، عادت وفرضت نفسها «بطلة رئيسية»... وليس على تلك القنوات فحسب، بل وفي الإعلام الروسي ككل ومعه العالمي أيضاً، وذلك حين أعلنت عن نيتها الترشح للرئاسة الروسية في أكتوبر الماضي.
وبعد غياب عن القنوات الفيدرالية الحكومية الروسية، طال خمس سنوات ونيفا، استضاف الإعلامي الروسي الشهير أندريه مالاخوف سوبتشاك في برنامجه «على الهواء مباشرة» الذي تبثه القناة الروسية الأولى «روسيا - 1». وتأخرت سوبتشاك عن الظهور في بداية البرنامج بسبب الازدحام المروري، لذلك دار الحديث بداية مع والدتها السيناتورة لودميلا ناروسوفا، التي قالت إنها شعرت بالدهشة حين سمعت بقرار ابنتها، قبل أن تؤكد «لكنني سأدعمها، هذا ما يمليه علي واجب الأمومة». كذلك، أصبحت سوبتشاك موضوعا رئيسا تتناوله أهم البرامج الحوارية السياسية على القنوات الروسية الفيدرالية والمحلية، الحكومية والخاصة، وموضوعا لقصص صحافية كبيرة ضمن العناوين الرئيسية.
ومن خلال إعلانها نيتها الترشح للرئاسة فرضت سوبتشاك نفسها على النقاشات التي دارت في «منتدى فالداي» الدولي للحوار، نهاية أكتوبر، بمشاركة الرئيس بوتين، الذي قال في إجابته على سؤال حول إمكانية مشاركة امرأة في الانتخابات الرئاسية «لدينا، كل شيء ممكن». وكان بوتين علق على ترشح سوبتشاك في تصريحات في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، فقال حينها «ليس علي أن أحدد من هو الأفضل للشعب الروسي»، وأضاف: «لكن لكل إنسان بموجب القانون الحق في الترشح، وكسينيا سوبتشاك ليست استثناءً. نظرت وأنظر باحترام إلى والدها أناتولي سوبتشاك، وأرى أنه شخصية مميزة في تاريخ روسيا الحديث، إنسان نزيه جدا ولعب دوراً في مصيري. لكن عندما يدور الحديث عن الترشح للرئاسة، فإن المسائل الشخصية لا يمكن أن تلعب أي دور».
شبهة دور للكرملين؟
يتهم البعض كسينيا سوبتشاك بأنها قررت الترشح للرئاسة باتفاق مع الكرملين. وكانت صحيفة «فيدموستي» كتبت في الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي أن الإدارة الرئاسية تبحث عن سيدة للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، وأنه هناك أكثر من مرشحة لهذا الدور بينهن سوبتشاك. وأضافت الصحيفة نقلا عن مصدر مقرب من الإدارة الرئاسية إن «سوبتشاك خيار جيد لأنها تمثل المرأة الروسية الحديثة العصرية، فهي ذكية، وبارزة، ومثيرة للاهتمام».
إلا أن سوبتشاك نفت حينذاك نيتها خوض المعركة الانتخابية الرئاسية. ولكن بعدما أعلنت قرارها سارع كثيرون إلى القول إنه قرار من الكرملين، وأشاروا إلى لقاء جمع سوبتشاك في الفترة الأخيرة مع الرئيس بوتين، بما في ذلك خلوة لساعة ونيف. من جانبها، قالت سوبتشاك إنها التقت بوتين بالفعل، إلا أنها كانت تسجل معه حوارا لفيلم تعده عن والدها أناتولي سوبتشاك. كذلك نفى الكرملين أي علاقة له بقرار ترشحها للرئاسة.
في المقابل، رأت سوبتشاك الشائعات «يد السلطات الروسية»، قائلة: «السلطات قررت إغراقي بتوددها لي. إنه تكتيك ذكي جداً. إنهم يفعلون كل شيء ليبدو الأمر وكأننا معاً». رغم ذلك ما زالت «العلاقة» بين ترشح سوبتشاك والكرملين تهمين على الأنباء حول المرشحة الجميلة.
موضوع القرم
وأثارت سوبتشاك نفسها موضوعاً آخر، زاد من الجدل حول ترشحها للرئاسة، وذلك حين أعلنت في أول مؤتمر صحافي لها بعد الكشف عن قرار الترشح، أن شبه جزيرة القرم أراضٍ أوكرانية من وجهة نظر القانون الدولي. ولاحقاً قالت إن الحل يكون بإجراء استفتاء عام جديد هناك، يأخذ بالحسبان جميع وجهات النظر، مضيفة أن القضية بحاجة للنقاش.
هذا الموقف أثار ردود فعل عارمة في البلاد، لا سيما أن استعادة القرم أحد أركان السياسة «القومية» التي اعتمدها الكرملين. وجاء رد الفعل الأشد لهجة من فلاديمير جيرينوفسكي، زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي (القومي المتطرف)، الذي رأى في كلام سوبتشاك حول القرم «جريمة» وطالب بفتح قضية جنائية بحقها، وسجنها خمس سنوات. ووعد بتوجيه شكوى للجنة المركزية للانتخابات ضد سوبتشاك، لمنعها مما تقوم به حالياً، واعتبر أنها أطلقت الحملة الانتخابية قبل السماح بذلك رسمياً.
على صعيد آخر، خلال أقل من أسبوعين بعد إعلان كسينيا سوبتشاك نيتها الترشح للرئاسة، كانت وسائل إعلام محلية وعالمية، أجرت معها حوارات بمعدل حوارين يومياً، وأطلقت خلالها سوبتشاك مواقف، تبدو من خلالها كمن «يصب الزيت على النار» لجهة زيادة الاهتمام الإعلامي بها، ما يعني زيادة الترويج لها «دون قصد». فعلى سبيل المثال وعدت سوبتشاك بأن أول ما ستفعله في حال فازت بالرئاسة أنها ستدفن جثمان لينين، الذي ما زال محنطاً في متحف صغير قرب الكرملين. وقالت أيضاً إن الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين «بنى منظومة حكم لم يتمكن لا غورباشتوف ولا يلتسين من تحطيمها»، ولمحت إلى أن المنظومة الحالية استمرار لما صنعه ستالين.
ترشح سوبتشاك للرئاسة، وما تلا ذلك من تصريحات حول قضايا خلافية في روسيا، جعل منها هذه الشخصية المثيرة للجدل «المرشحة ضد الجميع» والمادة الدسمة لمراكز استطلاع الرأي. إذ أجرى «مركز عموم روسيا لمسح الرأي العام» استطلاعا في اليوم الثاني بعد إعلان سوبتشاك نيتها الترشح، وأظهرت النتائج أن 60 في المائة من المواطنين المشاركين في استطلاع الرأي ينظرون بسلبية إليها. وفي 1 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري أعلن المركز ذاته، التابع للسلطات الروسية، عن نتائج استطلاع آخر للرأي أجراه حول سوبتشاك، قال إن نتائجه أظهرت أن 98 في المائة من المواطنين يعرفون اسمها، ولكن يرى 69 في المائة أنها لا تملك أي آفاق سياسية، مقابل قول 8 في المائة إنهم سيمنحونها أصواتهم في حال شاركت في الانتخابات الرئاسية.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.