عودة مهرجان قرطاج إلى ينبوعه الأصلي

تنطلق دورته الجديدة غداً

من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»
من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»
TT

عودة مهرجان قرطاج إلى ينبوعه الأصلي

من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»
من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»

يُحسب لمهرجان «أيام قرطاج السينمائية» أنّه ثابر على تقديم السينما العربية والسينما الأفريقية بمنوال فريد من نوعه عبر سنواته الماضية جميعاً. الدورة الـ28 التي تنطلق يوم غد السبت في تونس العاصمة، تؤكد على أنّ المتغيرات السياسية داخل تونس البلد وخارجها، لم تنل من عضد وأهمية هذا اللقاء المتخصص والفاعل.
صحيح أنّ المهرجان غطس في الأعوام السابقة في بعض تلك المتاهات وحولها والتي صاحبت السنوات القريبة الصعبة للبلاد وأنّ آثار ذلك بدت على محياه. وصحيح أيضاً أنّ بعض المتعاقبين عليه عملوا على أساس نفض كل تاريخه وتوجيهه ليخدم غايات وبدائل غير واقعية، إلا أنّ ذلك ما يجعل الدورة الحالية تعد بأن تكون أفضل دوراته في السنوات العشر الأخيرة على الأقل.
إن لم يكن ذلك الوعد مطروحاً بسبب يقين التونسيين بأهميته، فإنه بالتأكيد مرتبط، وعلى نحو وثيق، برئاسة السينمائي المثقف نجيب عياد له. ليس فقط لأنّه خَبِر جوانبه عندما عمل فيه سابقاً، قبل أن ينطلق ويؤسس مهرجانه الخاص لاحقاً، بل لأنّ منهجه المعلن هو إعادة المهرجان لما كان يمثله ويجسده من طموحات السنوات الذهبية له، تلك التي امتدت طوال السبعينات والثمانينات عندما كان الأهم هو حشد الأفلام ومخرجيها العرب والأفارقة على نحو متكافئ وتقديم المهرجان كحدث مزدوج الطابع: هو محلي بصفته تونسياً يهدف لتعزيز كل ما تنضح به الثقافة والسينما من محاور ونقاشات ولقاءات، ودولي كونه الوحيد من نوعه بين مهرجانات العالم لإقامته مسابقة آسيوية - أفريقية مع الأخذ بعين الاعتبار أفلام من أميركا اللاتينية تعرض خارج المسابقتين الطويلة والقصيرة.
آباء وأبناء

يبدو نجيب عياد حذراً حين ينتقي تعريفه للمهرجان. هو مهرجان يضم أفلاما عربية - أفريقية كما كان دأبه دوماً، لكنّ التقسيم الجغرافي واضح في دلالاته، فنصف السينما العربية هي أفريقية تضم المغرب وتونس والجزائر ومصر. أمّا النصف الآخر فهو شرق آسيوي يمتد من لبنان وسوريا والأردن إلى الكويت والإمارات والمملكة العربية السعودية وسواها. لذلك فإن التعبير الشائع بأنّ مهرجان «أيام قرطاجة السينمائي» (الذي تُشرف عليه وزارة الثقافة التونسية)، هو مهرجان - عربي أفريقي وهو نصف واقعي بسبب وقوع تلك البلدان العربية في شمال القارة الأفريقية.
هذا العام هناك ثمانية أفلام عربية وستة من أفريقيا الداخل.
بعض الأفلام العربية شوهد في مناسبات أخرى مثل «الشيخ جاكسون» (مصر)، و«في انتظار عودة الخطاطيف» (الجزائر)، و«ضربة في الرأس» (المغرب)، و«قضية رقم 23» (لبنان)، و«على كف عفريت» (تونس)؛ لكنّ المهرجان هو العرض العالمي الأول للفيلم السوري «مطر حمص» ولفيلمين تونسيين هما «شرش» و«مصطفى زاد».
بالنسبة للفيلم السوري الذي انتهى العمل منه مطلع هذه السنة، فإنّ ما حدا بالمنتجة رحاب أيوب لتأجيله إلى حيث يعرض هذا العام في تونس، قام على أساسين كما تقول. الأول أنّ عدداً من الموزّعين الأجانب أرادوا إلقاء نظرة على هذا العمل ما توجب الانتظار قبل الإقدام على بدء عروضه، والثاني أنّ الفيلم الذي صوّر في العام الماضي دخل المونتاج مرّة أخرى لاختيار نسخة من 100 دقيقة عوض نسخته الأولى التي زادت قليلاً عن الساعتين.
وكانت المنتجة استقلّت بفيلمها هذا عن الانتماءات المعهودة. في الواقع كانت بدأته بشراكة مع مؤسسة السينما السورية، وهي مؤسسة حكومية، ثم اشترت حصة المؤسسة لتنفرد به كما تريد. والفيلم هو أفضل ما أخرجه جود سعيد من أعمال ويتميّز بحس شعري واضح خلال طرح أحداثه التي تدور، كأفلام أخرى سوريا حديثة، عن الواقع المعاش.
الفيلمان التونسيان غير المعروضين سابقاً يتداولان قضيتين اجتماعيتين. في «شرش» لوليد مطّار حكاية أب وابنه عاطلين عن العمل (قدّم الأول استقالته والثاني لا يعمل)، ويشتركان في حب صيد السمك. في الفيلم الثاني «مصطفى زاد» لنضال شطا حكاية أب يعايش التغيرات السياسية التي حدثت في تونس خلال مطلع سنوات الأمس القريبة، لكنّه على انفصام مع المواقف المعلنة والتيارات المختلفة كما مع ابنه وزوجته التي تلومه بسبب ما تراه من شخصية انهزامية لا تسعى لكي تلعب دوراً ما.
والعلاقة بين الأب وابنه، وهي عادة ما تكون متدهورة وتتبع نظاماً من القطيعة، متوفرة كذلك في الفيلم الآتي من بوركينا فاسو بعنوان «ولاي» لبيرني دبلات بينما تنتشر المواضيع المختلفة في عموم الأفلام الأفريقية، فهي عن ثلاث نساء وسجين في «الأسلحة الخارقة» (الكاميرون)، وعن مغنية حانات وضيعة تحاول إنقاذ ابنها من الموت في «فيليسيتي» (السنغال)، ثمّ عن رحلة تركبها المخاطر في «قطار الملح والسكر» (موزمبيق).
لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ مخرجي الأفلام الأفريقية غير العربية، هم من ذوي البشرة الأفريقية، إذ أنّ ثلاثة منهم هم من البيض ولو كانوا يعيشون ويعملون في دول أفريقية: بيرني غولدبلات، مخرج «ولاي» سويسري الأصل وجون ترينغوف، صاحب فيلم بعنوان «المتعلمون» أبيض من جنوب أفريقيا ونجد أنّ مخرج «قطار الملح والسكر» من تحقيق البرازيلي ليسينيو أزيفيدو.
تظاهرات موازية

واقع الحال أنّ السينما الأفريقية لا تعيش فترة مزدهرة على صعيد الأفلام الفنية. تلك التي من شأنها إعلاء اسم المخرج والبلد المنتِـج. وما نسمعه من نيجيريا مثلاً هو أنّ نتاجها السينمائي عبارة عن كتل من أفلام الفيديو السريعة التي تشبه، في أفضل حالاتها، موضة سينما المقاولات في الثمانينات في مصر.
الحال أفضل بالنسبة للسينما العربية في مختلف أرجائها واختيارات نجيب عياد تدل على وعيه الفني الجيد. لجانب الأفلام التونسية الثلاثة والفيلم السوري، فإنّ نطاق الفيلم المصري محدود بفيلم واحد هو «الشيخ جاكسون» لعمرو سلامة، واللبناني واحد أيضا («القضية 23»)، وهناك فيلمان مغربيان هما «ضربة في الرأس» لهشام العسري، و«ليلي» لفوزي بن سعيد.
فيلم الافتتاح هو للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي. جديده بعنوان «كتابة على الثلج» ويتناول أحداث الحرب في غزة قبل بضع سنوات مبيناً في اتجاهات الفلسطينيين المتناقضة. إنّه المشروع الذي كتبه المخرج متأنياً. عجنه وخبزه ثم أعاد عجنه وخبزه حتى حققه على النحو الذي يرضيه. وهو الفيلم الذي، بناءً على حوار سابق، يريد عبره فتح صفحة جديدة من صفحات مهنته.
هناك فيلم فلسطيني آخر عنوانه «خارج الإطار أو ثورة حتى النصر» لمهند اليعقوبي، وهو تسجيلي كحال الفيلم اللبناني خارج المسابقة «ميل يا غزيل» لإيليان الراهب. كلاهما يتحدث عن التاريخ. فيلم اليعقوبي هو أرشيفي عن الفترة الثورجية التي صاحبت العمل الفلسطيني في السبعينات. «ميل يا غزيل» هو عن لبنان المرتبط بالحرب الأهلية في الذاكرة وبالحرب السورية في الواقع الحاضر.
فيلم مصري آخر في هذه العروض هو «أخضر يابس» لمحمد حماد، كما يعرض فيلم مغربي (ثالث) هو «عرق الشتا» لحكيم بلعباس.
في هذه الدورة الـ28. العدد الكافي من التظاهرات الأخرى. هناك ثلاث مسابقات أخرى: مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة (14 فيلماً)، ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة (15 فيلماً)، ومسابقة الأفلام الروائية المتوسطة (ثمانية أفلام).
كذلك يزدان المهرجان بعروض أخرى في تظاهرات موازية أهمّها، كما يبدو، تظاهرة «السينما الواعدة» المخصصة للأعمال الأولى لمخرجيها. هنا نجد فيلماً للعراقي أمير البصري بعنوان «كابتن عادل»، و«رحلة سيئة» للبناني جورج حازم، و«ندى» للمصري عادل يحيى، والمغربي «يوميات السفاح» لوليد أيوب، وثلاثة أفلام تونسية هي «أكواريوم» ليوسف صنهاجي، و«كاتم الصمت» لأسامة عزي، و«1999» لهيثم سكوحي.


مقالات ذات صلة

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

سينما تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)

«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن مواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى التماسك الجماعي، وأن قوة أي مؤسسة أو مجتمع تكمن في القدرة على البقاء والاتحاد في مواجهة الأزمات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشروع هيل ماري يكتسح عالمياً ويحتل المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي (imdb)

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

دخلت صالات السينما في السعودية موسم عيد الفطر بإيقاع مرتفع، انعكس مباشرة على أرقام شباك التذاكر في أول أسبوع بعد شهر رمضان

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً


بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز