ليبيا: جرائم قتل تتوالى... و«الفاعل مجهول»

«جثث الأبيار» وقصف درنة يفتحان «الدفاتر القديمة»

جنود من الجيش الليبي خلال معارك في بنغازي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الليبي خلال معارك في بنغازي (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: جرائم قتل تتوالى... و«الفاعل مجهول»

جنود من الجيش الليبي خلال معارك في بنغازي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الليبي خلال معارك في بنغازي (أ.ف.ب)

لا تنقص ليبيا جرائم قتل خفية. يكفي أهلها الخطف والابتزاز والقتل العمد في وضح النهار. لكن على رغم ذلك تستيقظ مدن عدة في شرق البلاد وغربها من آن إلى آخر على قصف جوي من «جهة غير معلومة» يقضي فيه العشرات، أو يصفى غيرهم جسدياً، و«الفاعل مجهول».
وتعد جريمتا العثور على 36 جثة على طريق الكسارات بين مدينتي الأبيار وبنغازي (شرق البلاد)، أوائل الأسبوع الماضي، ومقتل 17 مواطناً بينهم أطفال ونساء في قصف جوي على مدينة درنة نهاية الشهر الماضي، من طيران وصف بـ«الـمجهول»، الأحدث في إثارة مشاعر الغضب لدى جموع المواطنين، ما دفع قانونيين وسياسيين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، إلى المطالبة بالمسارعة بفتح تحقيقات عاجلة في الجرائم الحالية والسابقة التي راح ضحيتها مئات الأبرياء من المدنيين.
وطالب رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب الليبي طلال الميهوب، النائب العام بـ«إظهار نتائج التحقيقات في مجازر غرغور، وبراك الشاطئ، والقربولي، وترهونة، وجريمة حرق مطار طرابلس الدولي». وأضاف في تصريح أمس: «يجب محاكمة كل من يعمل على تهديد الأمن القومي للبلاد»، مندداً بـ«تسارع وتيرة القتل من الجماعات الإرهابية لليبيين، ووقوع مجازر في أماكن عدة من البلاد».
وفي 20 مايو (أيار) الماضي، استهدف هجوم إرهابي مقر قيادة اللواء 12 التابع للجيش الوطني الليبي في قاعدة براك الشاطئ (جنوب البلاد) وأسفر عن مقتل أكثر من 140 شخصاً، ولاحقت الاتهامات ميليشيات «القوة الثالثة» في المنطقة، لكنها نفت أن تكون قد أقدمت على ذلك.
ووصفت «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان» في حينها، الواقعة، بأنها «مجزرة بشعة وجريمة حرب مكتملة الأركان، شارك فيها مقاتلون أجانب من المعارضة التشادية وقوات سرايا الدفاع عن بنغازي التابعة لتنظيم القاعدة والمتحالفة مع تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي في ليبيا»، محملة المسؤولية لحكومة الوفاق الوطني وحكومة الإنقاذ غير المعترف بها دولياً بقيادة خليفة الغويل والمفتي السابق الصادق الغرياني.
ورأى عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور ضو المنصوري أن «الأحداث المروعة التي ترتكب في ليبيا، ترقى إلى مستوى كونها جرائم ضد الإنسانية»، مشيراً إلى أن «ما شهدته البلاد مؤخراً، وتضاربت الأنباء حوله من قصف وقتل، سيكشف قادم الأيام عن المتورطين فيه».
وأضاف المنصوري لـ«الشرق الأوسط» أن «التحقيقات الخجولة التي تجرى في مثل هذه الجرائم تنتهج سياسة إسدال الستار، ولا تهدف إلى كشف الحقيقة، وتقديم الجناة إلى العدالة». وذهب إلى أن المحاكمات «لن تكون فاعلة ومجدية، في ظل سيطرة قوى سياسية لا يهمها الحقيقة. ومن ثم سيكون مصير التحقيقات في قصف درنة (وجثث الأبيار)، مثل جرائم سابقة كقتل المتظاهرين السلميين في منطقتي غرغور والرويمي».
وأدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وائتلاف جمعيات المجتمع المدني الليبي «المنصة» جريمتي الأبيار وقصف درنة الذي قتل فيه 17 شخصاً، أغلبهم من عائلة واحدة. ونفى العقيد أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الليبي في شرق البلاد أي علاقة لسلاح الجو الليبي بتلك الغارات التي وصفها بـ«الحادث الإرهابي».
وفتحت وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة، تحقيقاً في واقعة الجثث. وقالت مصادر حكومية إن «ملابسات قتل هؤلاء الأشخاص لا تزال مجهولة، ولم يتم التعرف على هوياتهم»، مرجحة أن تكون الجريمة تستهدف «خلط الأوراق» في المنطقة الشرقية. لكن رئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي ذكر في تصريح سابق أن قصف درنة «محطة فاصلة تطلب التجرد من الحسابات السياسية، وإدانة ما يُسمى القيادة العامة المسيطرة على المنطقة الشرقية»، في إشارة إلى قائد الجيش الليبي خليفة حفتر.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي عُثر فيها على جثث لمدنيين أو عسكريين ملقاة على جانبي شوارع بنغازي. وسبق أن عُثر في يوليو (تموز) من العام الماضي، على 14 جثة لأشخاص مقيدي الأيدي في مكبّ للقمامة، بمحيط مقر صندوق الضمان الاجتماعي ببنغازي، كما عثرت دوريات السجون العسكرية في المدينة الشهر الماضي على 10 جثث مجهولة الهوية، عليها آثار تعذيب ورصاص في منطقة أخرى من المدينة.
ويستدرك عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، قائلاً: «رغم أن المحكمة الجنائية الدولية فتحت تحقيقاً في جرائم قتل سابقة، فإن المجرمين يحتمون بقوى عسكرية توفر لهم الحماية وتمنعهم من المحاكمة». وأرجع ذلك إلى «عدم وجود سلطة في البلاد، وعجز حكومة الوفاق الوطني عن بسط سيطرتها على كل الأراضي الليبية، فضلاً عن ظهور سلطات واقعية موازية تمارس تحت أجنحتها جميع الجرائم»، في إشارة إلى الميليشيات.
وذهب المنصوري إلى أن «الأوضاع في ليبيا مرشحة للتأزم أكثر، بعد أن شنت الوفاق حرباً قذرة على منطقة ورشفانة، التي تبعد ثلاثين كيلومتراً عن العاصمة، مساء أول من أمس، بواسطة ميليشيا الزنتان ونتج عنها تهديم البيوت على رؤوس قاطنيها الأبرياء». ورأى أن «مثل هذه العمليات تترك انطباعاً أولياً بأن السلطات ترتكب جرائم كثيرة مباشرة أو عن طريق شراء ذمم الميليشيات لاستخدامها في تنفيذ الجرائم ضد الآمنين، في منهجية تستدعي ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته التي نص عليها قرارا مجلس الأمن رقم 1970 و1973 بشأن حماية المدنيين».
ودعت منظمات «المنصة» المحكمة الجنائية الدولية إلى «تحقيقات عاجلة مع المشتبه بتورطهم في جرائم جسيمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة، والبدء في إجراء تحقيقات داخل ليبيا، كلما كان ذلك ممكناً». وقالت في بيان إنه «يجب عدم الالتفات لأي وعود من السلطات الليبية الرسمية أو الفعلية في الشرق والغرب بإجراء تحقيقات على المستوى المحلي، بعدما ثبت عجزها الكامل عن التعامل مع الانتهاكات الجسيمة في ليبيا».
وأضافت المنظمات التي من بينها «المنظمة المستقلة لحقوق الإنسان»، و«شباب من أجل تاورغاء» و«مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان»، أن «السلطات التنفيذية الرسمية والفعلية في الشرق والغرب تقاعست عن اتخاذ أي تدابير فعلية، ما يزعزع الثقة في جدية قيادات المجموعات المسلحة والعسكرية في القيام بتحقيقات ضد أحد أفرادها النافذين».
وانتهت إلى أن «القيادة العامة للجيش الليبي لم تتخذ إجراءات ملموسة ضد عمليات القتل خارج نطاق القانون التي ارتكبها النقيب محمود الورفلي، والتي ترتقي لجريمة حرب، ضمن عمليات قتل شملت 33 مواطناً في الفترة بين 3 يونيو (حزيران) 2016 و17 يوليو 2017. رغم إعلان القيادة العامة بدء التحقيق مع الورفلي في 2 أغسطس (آب) 2017، فإنه تمكن لاحقاً من استصدار قرار رسمي في 14 أغسطس بصفته آمر محاور القوات الخاصة».
وذكّر نائب رئيس «الهيئة العليا لتحالف القوى المدنية في ليبيا» أسماء سريبة بالحكم الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية في 2016 بسجن الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة رادوفان كرادزيتش 40 عاماً بسبب إدانته بالمسؤولية عن عمليات الإبادة الجماعية في سربرينيتشا عام 1995 و9 جرائم حرب أخرى. وقالت سريبة إن «ما يحدث في ليبيا من جرائم لن يسقط بالتقادم... وعندما تستقر الأمور في بلادي ويكون هناك قانون، سيحق لأصحاب الدم مقاضاة المجرمين على أفعالهم».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.