رئيس كاتالونيا يتجنب الصدام مع مدريد

مؤيدو بوتشيمون يصفونه بـ«الخائن» لعدم إعلانه الاستقلال كما وعد سابقاً

رئيس كاتالونيا يتجنب الصدام مع مدريد
TT

رئيس كاتالونيا يتجنب الصدام مع مدريد

رئيس كاتالونيا يتجنب الصدام مع مدريد

اختار رئيس كاتالونيا، كارليس بوتشيمون، مساراً يجنبه الصدام المباشر مع مدريد، وقرر في خطابه المرتقب، أمس (الخميس)، ألا يدعو إلى انتخابات في الإقليم، لتجاوز الأزمة مع مدريد، بسبب عدم وجود ضمانات كافية من جانب الحكومة الإسبانية التي طلبت وضع الإقليم تحت وصايتها، وقال: «يعود إلى البرلمان (الكاتالوني) أن يحدد تداعيات تطبيق المادة 155 (من الدستور الإسباني) ضد كاتالونيا»، التي تتيح تعليق الحكم الذاتي الذي يتمتع به الإقليم.

وقال بوتشيمون، في مؤتمر صحافي، إنه لن يدعو إلى إجراء انتخابات جديدة في الإقليم. وكان قد أعلن عن عقد مؤتمر صحافي في وقت سابق من اليوم، وسط تكهنات واسعة النطاق بأنه سيدعو إلى إجراء انتخابات، ومن ثم تحقيق تنازل كبير في الأزمة الحالية، بشأن سعي كاتالونيا للانفصال عن إسبانيا. ولكن تم إلغاء المؤتمر. وبعد ذلك بساعات، ظهر بوتشيمون أمام صحافيين تجمعوا في القصر الحكومي ببرشلونة، وقال إنه «درس إمكانية» الدعوة لإجراء انتخابات من أجل نزع فتيل الأزمة السياسية الحالية، وسعى للحصول على تطمينات، لكن لم يصله من الحكومة المركزية الإسبانية ما يفيد بأن نتيجة الانتخابات ستحترم، وأنه لن يحدث تدخل مباشر في كاتالونيا.
وجاءت هذه التصريحات لرئيس إقليم كاتالونيا عشية التصويت في مجلس الشيوخ على إجراءات دستورية كان قد طالب بها قبل أيام رئيس الوزراء المحافظ ماريانو راخوي، تعطيه الحق في إقالة حكومة الإقليم، وتسلم زمام الأمور الإدارية، والدعوة لانتخابات محلية خلال 6 شهور. ورفض بوتشيمون أن يخاطب مجلس الشيوخ الإسباني، بعدما تلقى دعوة للقيام بذلك، وشرح موقفه قبل اتخاذ إجراءات فرض الوصاية على الإقليم.
وكان قد حذر في 19 أكتوبر (تشرين الأول) من أنه في حال واصلت الحكومة الإسبانية «منع الحوار، واستمرت في القمع، فإن برلمان كاتالونيا يمكن أن يصوت على إعلان رسمي للاستقلال، إذا رأى ذلك مناسباً».
وتظاهر آلاف الناشطين الكاتالونيين في برشلونة قبل أن يلقي بوتشيمون خطابه، وسط تكهنات باحتمال تراجعه عن إعلان الاستقلال. وهذا فعلاً ما حصل، إذ لم يعلن بوتشيمون انفصال الإقليم الغني في شمال شرقي البلاد بعد استفتاء حول الاستقلال حظرته مدريد.
وارتفع مؤشر البورصة الإسبانية «أبيكس 35» بأكثر من 2 في المائة جراء التقارير الإيجابية. وكان نائبان من حلفاء بوتشيمون قد أعلنا استقالتهما. وقال خوردي كومينال، وهو نائب عن حزب بوتشيمون: «لا أوافق على قرار الدعوة للانتخابات، سأستقيل كنائب».
وتجمع آلاف من الطلاب والناشطين من مؤيدي الاستقلال أمام مبنى الحكومة الإقليمية في برشلونة، مرددين هتافات «الاستقلال»، فيما كتب على لافتة «بوتشيمون خائن».
وفي الوقت نفسه، ستبدأ في مدريد لجنة تابعة لمجلس الشيوخ، تضم 27 عضواً، مناقشة تعليق الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع في كاتالونيا، حيث يقيم 16 في المائة من الإسبان، بطلب من حكومة ماريانو راخوي المحافظة.
وسيقرر مجلس الشيوخ الإسباني، في جلسة عامة الجمعة، ما إذا كان سيمنح رئيس الحكومة بموجب المادة 155 من الدستور سلطة إقالة الحكومة الانفصالية الكاتالونية، ووضع شرطتها وبرلمانها ووسائل إعلامها الرسمية تحت وصاية مدريد لمدة 6 أشهر، إلى أن يتم تنظيم انتخابات في الإقليم مطلع 2018.
وهذا التصويت يعتبر محسوماً مبدئياً لأن المحافظين يشغلون غالبية مريحة في مجلس الشيوخ، وسيتمكنون من الاعتماد على دعم الحزب الاشتراكي والليبراليين من حزب المواطنة الذي تأسس في كاتالونيا ضد الاستقلال.
ولا يزال من غير الواضح إذا ما كانت الحكومة المركزية في مدريد ستتراجع عن خططها إذا ما تنازل بوتشيمون عن خيار الاستقلال. وشدد بوتشيمون، الخميس، على أن تولي مدريد لسلطات كاتالونيا يشكل «مساساً» بالدستور الإسباني.
ومساء الأربعاء، دعا إلى جلسة طارئة لحكومته التي اجتمعت حتى وقت متأخر ليل الأربعاء، بحسب إذاعة كادينا سير. وذكرت صحيفة «لافانغوارديا» أنه يميل نحو الانفصال، في حين أن الحكومة الإقليمية مقسومة. وإذا كانت الحال كذلك، فإن بوتشيمون سيعطي حينئذ الضوء الأخضر لبرلمان كاتالونيا الذي يهيمن عليه الانفصاليون للتصويت على الاستقلال.
وكاتالونيا التي تدهورت علاقاتها مع مدريد باستمرار منذ مطلع سنوات 2010، تشهد أخطر أزمة سياسية عرفتها إسبانيا منذ عودة الديمقراطية في 1977، منذ تنظيم استفتاء حول الاستقلال لم تعترف به مدريد وحظره القضاء. ويبدو أن احتمالات التقريب بين الطرفين بعيدة جداً.
فماريانو راخوي يأمل في أن يقاطع الكاتالونيون المنقسمون حول الاستقلال الانفصاليين الذين لا يحظون بدعم دولي، وتسببوا برحيل كثير من الشركات، وتراجع عدد السياح والوظائف. فحتى الخميس، أعلنت 1600 شركة عن نقل مقارها خارج الإقليم المضطرب، فيما تراجعت بالفعل الحجوزات السياحية في الإقليم، بحسب هيئات تنشط في هذه الصناعة الرائحة في الإقليم. ويراهن الانفصاليون الحاكمون في كاتالونيا على دعم كثير من المواطنين الذين يشعرون بأن مدريد تعاملهم بازدراء منذ عدة سنوات، ولا يزالون غاضبين من أعمال العنف التي مارستها الشرطة خلال الاستفتاء في 1 أكتوبر، حيث صوت 90 في المائة لصالح الاستقلال، مع نسبة مشاركة بلغت 43 في المائة، وفق أرقام يصعب تأكيد صحتها.
وبدا فرض الوصاية على الإقليم حتمياً، الأربعاء، حين بدد راخوي كل الآمال بإجراء حوار مع رئيس كاتالونيا، وقال لنائب انفصالي كاتالوني: «تقولون لي إن المؤسسات الكاتالونية طلبت الحوار، وإن ردي كان المادة 155» من الدستور، التي تتيح فرض وصاية على الإقليم «وهذا الأمر صحيح»، مضيفاً: «هذا الرد الوحيد الممكن».
ويؤدي تطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني، في حال قرر مجلس الشيوخ ذلك بالتصويت الجمعة، إلى تعليق الحكم الذاتي في كاتالونيا، الذي كان قد أعيد إثر نهاية حكم الديكتاتور فرانثيسكو فرانكو (1939 - 1975)، والذي يتمسك به الكاتالونيون بقوة. وكل هذه التطورات يمكن أن تؤدي إلى انعكاسات سلبية على اقتصاد هذه المنطقة التي تمثل 19 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي الإسباني.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».