5 فنانين يخلِّدون ذاكرة المدن السورية

ينتمون إلى تيارات وأجيال مختلفة وبعضهم لا يزال يقيم في البلد

حلب... لوحة للفنان منهل عيسى
حلب... لوحة للفنان منهل عيسى
TT

5 فنانين يخلِّدون ذاكرة المدن السورية

حلب... لوحة للفنان منهل عيسى
حلب... لوحة للفنان منهل عيسى

افتتح في «غاليري ويلِزدن» بلندن معرض مشترك لخمسة فنانين سوريين ينتمون إلى تيارات وأجيال مختلفة، بعضهم لا يزال يقيم في سوريا مثل غسان جَديد ونزار صابور، وبعضهم الآخر انتقل للعيش في المنافي العربية والأوروبية، حيث رحل خالد الساعي إلى الإمارات العربية المتحدة، بينما التجأ منهل عيسى إلى فرنسا، أما فيرجيني أراكيليان فقد يمّمت وجهها شطر الولايات المتحدة الأميركية. وقد انضوى المعرض تحت عنوان «ذكريات المدن» وسوف يستمر لغاية الحادي والعشرين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
تتمحور ثيمة المعرض الرئيسية على 3 أسئلة جوهرية مفادها: ما علاقة الفنان بالمدينة؟ وما رؤيته الفنية لها؟ وكيف يمكن التعاطي معها إذا ابتعد عنها أو ظلّ مُرابطاً ضمن حدودها الجغرافية المُتعارَف عليها؟
أكبر الفنانين الخمسة سناً هو غسّان جَديد من مواليد طرطوس عام 1946، درس الرسم في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وتخرج فيها عام 1971، وقد اشترك في هذا المعرض بخمس لوحات أنجزها العام الماضي وتحمل كلها اسم «طرطوس»، لكن المتأمل في هذه الأعمال الفنية سيكتشف من دون عناء أن الفنان لم يرسم ما تراه العين المجرّدة، وإنما رسم فقط ما سرّبته ذاكرته الفردية البصرية، وما تسلل من لا وعيه الخاص لحظة قيلولة الرقيب، فبدت أعماله الفنية كأنها لوحات حُلُمية وجدت طريقها إلى السطح التصويري في غفلة من الزمن حتى أن تقنيتها التعبيرية التي تميل إلى المنحى التجريدي بدت بخطوطها الليّنة المطواعة كأنها مُنفّذة بجرأة طفل فنان لكنه يعرف ماذا يريد. تُذكِّر لوحاته بأعمال كارل أبل وكورنيه لكنها لا تحيل إليهما مباشرة. لا يمكن إغفال تقنية التضاد اللوني في مجمل أعماله، حيث تتجاور الألوان الحارّة والباردة، الصريحة والممزوجة التي يتسيّد فيها الفرح والحيوية والتوهج. ومن بين أطيافه الحُلُمية تبرز معالم المدينة التي استقرت في ذاكرته مثل الكاتدرائية، وبرج طرطوس، وسورها القديم وسواها من المعالم المحبّبة إلى نفسه.
اشترك الفنان نزار صابور بخمس لوحات صغيرة لكنها معبِّرة جداً وتحمل جميعها اسم «ذاكرة المدينة». فقد ولد في اللاذقية عام 1958 وأحبّ كل المدن والمواقع الأثرية سواء في مسقط رأسه أو في بقية المدن السورية، فلا غرابة أن تتسلل إلى أعماله الفنية التي يُحضِّر لها سلفاً قبل أن يشرع في تنفيذها على الكانفاس أو الخشب أو الورق أو أي سطح تصويري آخر. عُرف صابور برسومه للأيقونات التدمرية التي تعود إلى 1800 سنة، لكنه استدار بكل شغفه ليجسِّد مدينتي معلولا وصيدنايا المعروفتين برمزيتهما المسيحية اللتين لم يجرؤ أحد على حرقهما أو تدميرهما على مرّ التاريخ، لكن ألسنة الحرب والنيران امتدت إليهما عام 2014 وأخذت منهما مأخذاً كبيراً.
تتميز أعمال صابور بتقنيتها الحزينة المرهفة التي يحاول بواسطتها أن يخلّد الأبدية من خلال إحياء الماضي في الحاضر، ويسعى في مصغّراته أن يقدم صوراً بصرية سهلة القراءة، وجميلة التكوين. ومَن يتمعن في بعض لوحاته سيجد أنها منفّذة بطريقة التطريس Palimpsest)) كأنه يوحي بتماهي الماضي بالحاضر. لا بد من الإشارة إلى أن لوحاته الخمس في هذا المعرض مريحة بصرياً، فثمة مربع صغير مرسوم بألوان هادئة داخل مربع أكبر منفّذ بالرماد، وهي المادة التي يستعملها كثيراً في أعماله الفنية التي يعالج فيها فكرة الموت والتآكل والانحلال.
في كل مجموعة أشجار ثمة شجرة شاهقة لا تُخطئها العين ولوحات الفنان منهل عيسى تشبه الأشجار المتسامقة التي تتميّز بحضورها الاحتفائي الباذخ الذي يجذب المتلقي ويُرغمه على الغوص في متون الثيمات وهوامش الأفكار الثانوية التي تتشظى تباعاً مثل الألعاب النارية التي تضيء عتمة السماء. وعلى الرغم من سمو الموضوعات التي يطرحها في أعماله الفنية، وحسّاسية خطابها البصَري، فإن تقنيته الصادمة هي التي تجبر المُشاهِد على أن يتسمّر أمام لوحاته مدهوشاً، وهو يرى أن عجلات السيارات قد استعملت أداة من أدوات الرسم لغاية مُحددة تعكس رأي الفنان في الحرب الكونية التي تدور رحاها في المدن والقرى السورية. اشترك منهل بثلاث لوحات كبيرة الحجم كي تضمّ فضاءاتها التصويرية جبل «قاسيون» على وجه التحديد وجانباً من الأحياء الدمشقية التي تلوذ بسفح هذا الجبل الخالد المحفور في الذاكرة، لكن الفنان قدّم هذه الفكرة بمعالجتين لونيتين مختلفتين؛ الأولى يتزاوج فيها الأسود مع الأزرق بدرجاته اللونية المختلفة ليعبِّر عن رؤيته الشخصية التي تمثلت في لوحة «قاسيون 1»، أما اللوحة الثانية «قاسيون 2» فيتسيّد فيها الأحمر الدموي الذي يتخفّف شيئاً فشيئاً إلى البنفسجي الأقل وطأة ويستقر في خاتمة المطاف إلى درجاته الزهرية التي تهيمن على المدينة برمتها. كما تخضع لوحة «حلب» إلى الثيمة ذاتها والتقنية التي يؤكد من خلالها الفنان منهل عيسى أن المدن السورية منقوشة في ذاكرته، ومحفورة في عصب القلب، وأنها لن تغيب، فهي على حد قوله: «تشبه الفن والحب والأحلام التي لا تنطفئ أبداً».
يبدو وجود الخطاط خالد الساعي في هذا المعرض شاذاً، لأن الخط يقترن بالزخرفة الإسلامية ولا يرتبط بالتشكيل كثيراً، ولعل صلة الخطاط الوحيدة في هذا المعرض هي ثيمة «ذاكرة المدن» التي جمعت أعمال الفنانين الخمسة في صالة واحدة. اشترك خالد الساعي بأربعة أعمال فنية تتناول 4 مدن، وهي أصيلة ودمشق والميادين والمدينة السماوية، لكن المتأمل في هذه الأعمال لا يجد أثراً ملموساً للمدن المشار إليها سلفاً، وذلك لغلبة المنحى التجريدي على أعماله الفنية. ولنفترض أن هناك ملامح متوارية للمدن الثلاث قد تصطادها العين المدربة على معرفة مَشاهد المدن ومعالمها الأثرية، لكن الأعمال نفسها خالية من أي معْلمٍ شاخص باستثناء بعض العمارات الشاهقة وواجهة البيوت في خلفية لوحة «دمشق» التي قد يتعرّف عليها المُشاهِد السوري الذي يتوفر على ذاكرة بصرية قوية وحسّاسة في الوقت ذاته.
إذا كانت ثمة مفاجأة أخرى في هذا المعرض فهي لوحات الفنانة السورية من أصل أرمني فيرجيني أراكيليان التي قدِمت من أورلاندو الأميركية لتعرض 12 عملاً فنياً؛ 9 منها بقياس 25 X25سم، والثلاث الباقيات بقياس 50 X50 سم، وهي تشتمل على لوحات لبلدات سورية وأماكن دمشقية كانت تتردد عليها فيرجيني مثل «حديقة التجارة»، و«مركز المدينة»، و«البزورية»، و«كسب»، و«صلفنة»، إضافة إلى مَشاهِد أحبّتها مثل النافورة، وشرفة دمشقية، والنارنجة، ومجنونة وما إلى ذلك.
ما يميز أعمال هذه الفنانة الشابة هو ثيماتها المكانية، وتقنيتها العفوية السلسة، وتفجّر ألوانها الشرقية الصريحة التي تخطف القلوب قبل الأبصار، وهي تذكِّر ببعض أقطاب حركة «كوبرا» أيضاً وآخرين يتصفون بنزعتهم الطفولية الجريئة في الخطوط والتكوينات والألوان، مثل فنان البوب ارت ديفيد هوكني الذي تكتظ لوحاته بالألوان الصارخة التي تغيّر مزاج المتلقي وتبعث في نفسه الفرح والنشوة القصوى.
تحتاج أعمال الفنانَين منهل عيسى ونزار صابور إلى قراءة نفسية للعمل الفني، فقد بذل الاثنان جهوداً مضنية في إنجاز أعمالهما الفنية التي تحتاج إلى بعض المفاتيح لسبر أغوار الموضوعات التي يجسّدانها على السطوح التصويرية، فثمة رؤى وأفكار عميقة في كل عمل فني وثمة تخطيط مدروس يسبق تنفيذ هذه الأعمال الفنية التي سيترسخ بعضها في ذاكرة المتلقين حتماً.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.