تشي وماو في مكانة صينية واحدة

الحزب الشيوعي يؤكد زعامته و«فكره» في الدستور

الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)
الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)
TT

تشي وماو في مكانة صينية واحدة

الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)
الأعضاء يصوتون برفع الأيدي خلال الجلسة الأخيرة في المؤتمر أمس (إ.ب.أ)

في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني، الذي ينعقد مرة كل خمس سنوات، تتمكن النخبة السياسية الحاكمة من اختيار قيادات للبلاد. في هذه الدورة هيمنت شخصية الرئيس تشي على أعمال المؤتمر الذي استمرت فعالياته لمدة أسبوع، حيث كان من المتوقع ما حدث، وهو أن يرفع الرئيس من مكانته عن طريق تضمين فلسفته السياسية المعروفة باسم «فكر تشي جينبينغ» في دستور الحزب في ختام اجتماعات الحزب أمس الثلاثاء.
ولا تعد تفاصيل الفلسفة السياسية للرئيس تشي جديدة، غير أن الخبراء يقولون: إن محتوى «فكر الرئيس» لا يمثل أهمية كبرى مثل تلك التي تولى لها، وإنما الحقيقة هي أنه عندما قرر إطلاق اسم «عصر جديد» على هذه الفلسفة كان بذلك يظهر مدى قوته وسلطاته.

وعلى سبيل المثال، قال زهانغ مينغ، وهو أستاذ سابق بجامعة رنمين ببكين، في تصريحات أوردتها الوكالة الألمانية: «إن هذه الفترة من التاريخ هي عصر الرئيس تشي جينبينغ، والأهمية هنا تتمثل في أنه دشن عصرا جديدا، العصر الخاص به». وأضاف، أن حقيقة أن فلسفة الرئيس تشي قد أدمجت في دستور الحزب «فكراً» وليس «نظريةً»، تبين أنه قد يصبح على القدر نفسه من المكانة التي شغلها ماو تسي تونغ، مؤسس الصين الحديثة، بل يفوق دينغ الذي نفذ سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم. ويوضح المعلق السياسي دينغ يوين قائلا للوكالة الألمانية «في نظام الخطاب الصيني، يعد الفكر أكثر قوة من النظرية».
من ناحية أخرى، قال روري تروكس، الأستاذ المساعد المتخصص في الشؤون السياسية والدولية بجامعة برينستون الأميركية، في تصريحات أوردتها وكالة «رويترز» «في النهاية إنني أنظر إلى فكر الرئيس تشي باعتباره دعامة لاستمرار سيطرة الحزب على المجتمع، إلى جانب مزيد من التأكيد على تعزيز وضع بلاده على الساحة الدولية، وأيضا التأكيد على مكافحة الفساد، وكل هذه الاتجاهات تسهم في مساعدة تشي نفسه».
ويتضمن «فكر» الرئيس تشي رؤية ذات أبعاد شاملة حددها خلال خطاب مهم ألقاه في افتتاح المؤتمر، ويشمل الارتقاء بدور الصين على الساحة العالمية، ووضع جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت سيطرة الحزب.
وتم توجيه النقد إلى الرئيس تشي خلال الفترة الأولى من رئاسته التي استمرت خمسة أعوام، بأنه كان بطيئا في تنفيذ الإصلاحات الضرورية، وفي تدعيم المشروعات التي تمتلكها الدولة وتعاني قصورا في الأداء ووضع قيود على نشاط القطاع الخاص.
وبلا شك، سيصبح تشي البالغ من العمر 64 عاما ويقود الحزب منذ 2012، الأربعاء من جديد الأمين العام للحزب، أعلى منصب في البلاد، لولاية جديدة مدتها خمس سنوات.
واختار المؤتمر التاسع عشر لجنته المركزية، وهي الهيئة العليا للحكم، ولجنة انضباط مركزية جديدة. ووافق المندوبون، البالغ عددهم أكثر من 2300 شخص، على أن يدرج في ميثاق الحزب «فكر شي جينبينغ عن الاشتراكية بسمات صينية للعصر الجديد».
وبات هذا المفهوم يشكل «دليل عمل» لأكبر حزب في العالم، البالغ عدد أعضائه 89 مليونا. وأثبت تشي جينبينغ أنه أقوى القادة الذين حكموا الصين منذ أربعين عاما.
وقال الخبير السياسي في جامعة هونغ كونغ الصينية ويلي لام، في تصريحات أوردتها الصحافة الفرنسية إن «هذا الأمر سيمنح تشي سلطة استثنائية... سيكون له موقع مشابه لموقع القائد العظيم الذي كان يتمتع به ماو». وأضاف، أنه «قد يصبح مثله: قائدا مدى الحياة طالما أنه يتمتع بصحة جيدة».
ومنذ ماو (1893 - 1976) لم يلق أي مسؤول تقديرا لمساهمته النظرية في عقيدة الحزب عندما كان في منصبه. وكان فكر دينغ سياو بينغ مهندس الإصلاحات في نهاية سبعينات القرن الماضي التي جعلت الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم، أدرجت في الميثاق في 1997، وكذلك الأمر بالنسبة لجيانغ زيمين، وهو جينتاو اللذين أدرجا في الميثاق بعد تقاعدهما.
ورسم تشي جينبينغ الخطوط العريضة لـ«فكره» في الخطاب الافتتاحي، في حديث طويل استغرق أكثر من ثلاث ساعات. وفي المرتبة الأولى، تحدث عن «النهضة الكبيرة للأمة»، أي إعادة تأكيد مكانة الصين كقوة مزدهرة ومحترمة بعد أكثر من قرن ونصف القرن من التقلبات والتراجعات. ولذلك؛ يعد تشي ببناء جيش «في المرتبة الأولى عالميا» بحلول 2050، وتحسين الضمان الاجتماعي والطبي، وبدولة قانون «اشتراكية» أو ضمان «تعايش منسجم بين الإنسان والطبيعة».
لكن، كل ذلك لا يمر عبر تحرير سياسي. فقد أكد أن «كل شيء يجب أن يكون بقيادة الحزب الشيوعي الصيني: منظمات الحزب الشيوعي الصيني والحكومة والجيش والمجتمع المدني أيا كان المكان الذي نتواجد فيه». ويتوقع أن يتم التأكيد على تعزيز سيطرة تشي على السلطة اليوم الأربعاء؛ إذ يفترض أن يعلن الحزب الشيوعي تجديد اللجنة الدائمة لمكتبه السياسي، الهيئة التي تضم سبعة أعضاء وتقود الصين. ويفترض أن يبقى تشي، الذي يشغل منصب رئيس الجمهورية أيضا، ورئيس الوزراء لي كع تشيانغ في هذه اللجنة. لكن الأعضاء الخمسة الآخرين سيغادرون السلطة لبلوغهم سن التقاعد غير الرسمي وهو 68 عاما. وما زال الغموض يلف أسماء الأعضاء الذين سينتخبون رسميا خلفا لهم، وكذلك أعمارهم وتوجهاتهم السياسية. وأشار ويلي لام إلى أن تعيين مقربين من تشي سيعني أنه «سيمتلك السيطرة الكاملة على اللجنة الدائمة للمكتب السياسي». ورأى بيل بيشوب، الذي يحرر النشرة الإعلامية، كما ورد في تقرير الوكالة الفرنسية: «سينوسيسم تشاينا»، أن تعديلات الأربعاء ستكون أمرا شكليا بالنسبة لتشي. وأضاف: «مع إدراج اسمه في ميثاق الحزب، لم تعد مسألة الخلافة مطروحة عمليا؛ لأنه طالما بقي على قيد الحياة فسيكون الرجل الذي يتخذ القرار الأخير». وتابع، أن «إدراجه (في ميثاق الحزب) هدفه إبلاغ كل الحزب الشيوعي بتفوق تشي جينبينغ».

الإفراج بكفالة عن زعيمي احتجاجات «المظلة» في هونغ كونغ
أطلقت السلطات في هونج كونج سراح زعيمي احتجاجات «المظلة» المناديين بالديمقراطية، جوشوا وونغ وناثان لو، بكفالة أمس (الثلاثاء) عقب جلسة استماع بمحكمة، حسبما أعلن حزبهما «ديموسيستو». وكان الاثنان قد اعتقلا في أغسطس (آب) الماضي لدورهما في الاحتجاجات المناهضة للصين في 2014 التي عرفت باسم احتجاجات «المظلة» والتي احتل خلالها المتظاهرون ثلاثا من أكثر مناطق هونغ كونغ ازدحاما، كما تم إغلاق وسط المدينة لأكثر من شهرين. وقد استأنف الرجلان عقوبتهما التي أثارت احتجاجات في هونج كونج ولقيت انتقادات دولية.

الصين تطلق سراح سويدياً نشر كتباً عن زعماء الحزب
قالت وزارة الخارجية السويدية أمس (الثلاثاء)، إن الصين أبلغت السويد أنها أطلقت سراح بائع كتب احتجز لنشره كتبا عن الحياة الشخصية للرئيس تشي جينبينغ وغيره من زعماء الحزب الشيوعي. وكان كوي مين هاي، وهو سويدي مولود في الصين، قد اختطف في تايلاند أثناء عطلة في عام 2015، وكان ضمن خمسة من بائعي الكتب من هونغ كونغ اختفوا في 2015 وظهروا فيما بعد قيد الاحتجاز في الصين. وعاد الأربعة الآخرون إلى هونغ كونغ. وقالت صوفيا كارلبرج، المتحدثة باسم وزارة الخارجية «أبلغتنا السلطات الصينية أنه جرى إطلاق سراح كوي مين هاي في الصين».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».