الرقة تتحرر من «داعش»... وتنتظر «فيدرالية الشمال»

«قوات سوريا الديمقراطية» تسلمها لمجلس مدني

الرقة بعد طرد «داعش» منها (أ.ف.ب)
الرقة بعد طرد «داعش» منها (أ.ف.ب)
TT

الرقة تتحرر من «داعش»... وتنتظر «فيدرالية الشمال»

الرقة بعد طرد «داعش» منها (أ.ف.ب)
الرقة بعد طرد «داعش» منها (أ.ف.ب)

أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» أمس رسمياً تحرير مدينة الرقة، ووصفت هذا التقدم العسكري المهم بـ«النصر التاريخي»، في وقت أكدت أنها ستسلم مقاليد المدينة إلى مجلس مدني ليدير شؤونها على أن تُضَم إلى سوريا اللامركزية ضمن نظام فيدرالي يبدأ من شمال البلاد.
وبعد ثلاثة أيام من سيطرتها على المدينة بالكامل، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم تحالفاً من فصائل كردية وعربية مدعومة بقوة من واشنطن، في مؤتمر صحافي عقدته في الملعب البلدي في وسط المدينة رسمياً «تحرير (...) عروس الفرات، مدينة الرقة»، التي كانت طوال ثلاث سنوات المعقل الأبرز لـ«داعش». وقال الناطق باسم «قوات سوريا الديمقراطية» طلال سلو خلال المؤتمر: «نهدي هذا النصر التاريخي للإنسانية جمعاء، ونخص بالذكر ذوي ضحايا الإرهاب ممن كابدوا ظلم وإرهاب (داعش) في سوريا والعالم».
وأعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» الثلاثاء سيطرتها على كامل مدينة الرقة إثر معارك ضارية دامت أكثر من أربعة أشهر، وبعد اتفاق تسوية برعاية وجهاء عشائر ومجلس الرقة المدني سلم بموجبه المئات من عناصر التنظيم أنفسهم إلى تلك القوات.
وهنأ التحالف الدولي بقيادة واشنطن في بيان، أمس (الجمعة)، «قوات سوريا الديمقراطية» بإعلانها «تحرير مدينة الرقة من احتلال (داعش)»، مشيراً إلى أهمية الرقة بالنسبة للتنظيم المتطرف على «المستويات التخطيطية والتمويلية والتنفيذية».
وكانت الرقة، وفق التحالف، في بعض الأحيان «الملهم للقيام بأنشطة إرهابية» حول العالم بينها «باريس وبروكسل ونيس ومانشستر». قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة إن الجيش الفرنسي سيواصل الحرب ضد «داعش» في سوريا لكن التركيز ينبغي أن يتحول الآن أيضاً إلى التوصل إلى انتقال سياسي عبر المفاوضات في البلاد.
ومن المفترض أن يتسلم المجلس إدارة المدينة بعدما كان تسلم الكثير من المناطق المحررة في ريفها، وسيكون أيضاً المسؤول عن متابعة ملف الإعمار فيها. وأنشئ المجلس في أبريل (نيسان) الماضي ويضم وجهاء من أبرز عشائر الرقة وشخصيات سياسية لإدارة المدينة وريفها. وقال سلو: «نؤكد أن مستقبل محافظة الرقة سيحدده أهلها ضمن إطار سوريا الديمقراطية لا مركزية اتحادية، يقوم فيها أهالي المحافظة بإدارة شؤونهم بأنفسهم».
وأكدت قوات سوريا الديمقراطية أمس (الجمعة) في بيانها: «إننا في القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية نعلن بأننا سنقوم بتسليم إدارة مدينة الرقة وريفها إلى مجلس الرقة المدني ونسلم مهام حماية أمن المدينة وريفها لقوى الأمن الداخلي في الرقة».
وأوضح سلو أنه «بعد الانتهاء من عملية التمشيط بشكل آمن سوف نقوم بتسليم المدينة إلى مجلس الرقة المدني».
ولا تزال عمليات التمشيط مستمرة في المدينة بحثاً عن عناصر متوارية من «داعش» ولتفكيك الألغام التي زرعها المتطرفون بكثافة. وبدأ مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» خلال اليومين الماضيين بالخروج من المدينة، ومنهم من توجه لدعم القوات التي تخوض معارك ضد المتطرفين في محافظة دير الزور شرقاً.
ولم تسمح قوات سوريا الديمقراطية بعودة المدنيين إلى المدينة بانتظار الانتهاء من عملية التمشيط وإزالة الألغام المنتشرة في شوارع ومنازل المدينة. ويلجأ تنظيم داعش إلى زراعة الألغام بشكل كثيف في مناطق سيطرته التي تتعرض لهجوم من خصومه لإعاقة تقدمهم.
وقال سلو: «عند الانتهاء من إزالة الألغام وتأمين المدينة بشكل جيد سيسمح بعودة المدنيين». وفرّ عشرات آلاف المدنيين من مدينة الرقة هرباً من المعارك الضارية التي شهدتها، وخلت المدينة تدريجياً من سكانها لتصبح فارغة تماماً.
لكن الرقة خلعت «سواد داعش»، وتنفست الصعداء، بعد أربعة أشهر من المعارك التي خاضتها «قوات سوريا الديمقراطية». وبعد إعلان التحرير وعلى وقع الهزيمة على مقاتلي التنظيم، عمت مظاهر الاحتفال والفرحة في مدن وبلدات الرقة، وتنفَّس أهالي الرقة النازحين في المخيمات، الحرية بعد طرد التنظيم المتطرف من مدينتهم، التي كانت تمثل طريقاً لنقل المقاتلين الأجانب والإمدادات لقربها من الحدود التركية.
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها العسكري، في 16 من الشهر الحالي من السيطرة على مدينة الرقة، وانتهاء العمليات العسكرية، إثر هجوم بدأته في 6 يونيو (حزيران) الماضي، بدعم جوي من التحالف الدولي بقيادة أميركية.
وطرد عناصر تنظيم داعش، الذي مني بنكسة كبرى مع خسارته معقله الأبرز في سوريا، إلى شرق دير الزور والمناطق الصحراوية على الحدود السورية - العراقية، فالمقاتلون الأكراد باتوا يسيطرون على مواقع كثيرة من شريط حدودي بطول 400 كيلومتر، يمتد من ريف حلب الشمالي الشرقي في شمال سوريا، وصولاً إلى مثلث الحدود السورية التركية العراقية، باستثناء معبر القامشلي في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا.
في الطريق إلى مدينة الرقة (شمال سوريا)، يجب العبور إلى جانب جسر السمرا المدمر وليس فوقه، عبر طريق فرعي «ترابي» للدخول إلى المدينة، فالجسر وبحسب مقاتل من «قوات سوريا الديمقراطية» يدعى «كانيه» ومعناه بالعربية «رأس النبع»، أنه تعرض لقصف طيران التحالف الدولي، حيث كان يعد أبرز الطرق الاستراتيجية لإمدادات التنظيم العسكرية.
كما كان بالإمكان مشاهدة معمل السكر الذي حوله التنظيم إلى ورشة لتصليح آلياته العسكرية، فالمعمل هو الآخر أصيب بقذيفة لطيران التحالف وتهاوت جدرانه، أما سقفه المصنوع من الحديد بقي مسنوداً على عدد قليل من الدعامات التي تكاد تسقط على الأرض، أما الكثير منها تحطمت لشدة القصف.
وصلنا إلى حي المشلب الذي تحرر بالكامل بداية شهر يونيو الماضي، لا وجود لمدنيين أو حياة طبيعية في هذا الحي، حيث لا يسمع سوى لأصوات الرصاص على شكل متقطع، والانفجارات التي أشار مقاتل عسكري إنها بالقرب من المشفى الوطني في مركز المدينة.
في الطريق الواصل بين حي المشلب وحي الصناعة، سلكنا طريق عسكري فرعي وعبرنا بجانب مسجد آبي ابن كعب، وقد تهالكت جدرانه وكسرت النوافذ والأبواب نتيجة المعارك العنيفة الدائرة منذ أشهر، بين مقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية» من جهة، وعناصر تنظيم «داعش» من جهة ثانية.
فيما تحول حي الصناعة إلى ثكنة عسكرية تعج بسيارات «الهمر» أميركية الصنع، لكن خبر إصابة مقاتل عسكري من قوات «قسد» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، جعل المكان مستنفراً، وعلى الفور نقل المصاب إلى نقطة طبية عسكرية قريبة.
يقول جاسر (25 سنة) وهو مقاتل في صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» المنحدر من مدينة الحسكة (شرق سوريا) وينتمي إلى عشيرة الجبور العربية: «المقاتل أصيب بلغم أرضي زرعه عناصر التنظيم في محيط المشفى، الذي تحرر يوم أمس». وتابع جاسر: «منذ عامين وأنا أقاتل في صفوف (قسد)، مسلحي التنظيم هجموا على مدينتي الحسكة صيف العام الماضي وهزموا هناك، نحن أكثر الناس متضررين من هذا الفكر المتطرف، لذلك قررت القتال».
أما علي (22 سنة) المقاتل العربي القادم من بلدة تل براك شمال شرق محافظة الحسكة، ويقاتل مع «قوات سوريا الديمقراطية» في مدينة الرقة، نقل أنه ومنذ شهر ونصف الشهر لم يذهب إلى مسقط رأسه أو يلتقي مع عائلته، ويضيف: «كنتُ من بين أوائل المقاتلين الذين دخلوا مدينة الرقة، وقتها غمرتني مشاعر الفرحة، واليوم أنتظر الفرحة الكبرى بتحرير كامل الرقة، وأمل أن تتحرر باقي الأراضي السورية من تنظيم (داعش) والنظام السوري».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.