العاهل المغربي يشرف على توسعة جديدة لمعهد تكوين الأئمة المرشدين

تهدف إلى إنشاء جناح إضافي استجابة لارتفاع طلبات الدول الأفريقية

العاهل المغربي في حفل توزيع شهادات التخرج على 18 من خريجي معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في الرباط أمس (ماب)
العاهل المغربي في حفل توزيع شهادات التخرج على 18 من خريجي معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في الرباط أمس (ماب)
TT

العاهل المغربي يشرف على توسعة جديدة لمعهد تكوين الأئمة المرشدين

العاهل المغربي في حفل توزيع شهادات التخرج على 18 من خريجي معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في الرباط أمس (ماب)
العاهل المغربي في حفل توزيع شهادات التخرج على 18 من خريجي معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في الرباط أمس (ماب)

أشرف العاهل المغربي الملك محمد السادس، أمس، بالحي الجامعي (مدينة العرفان) في الرباط على تدشين مشروع توسعة معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، وهي ثالث توسعة يعرفها المعهد منذ إنشائه عام 2015 بفضل الإقبال الكبير الذي عرفه، خصوصا من طرف الدول الأفريقية.
وقال أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي: إن مشروع التوسعة الجديدة يأتي تنفيذا للتعليمات الملكية المتعلقة بزيادة «طاقة الاستقبال والتأطير بالمعهد، بغية تمكينه من الاستجابة الجيدة للطلبات المتزايدة المعبر عنها من طرف عدد من الدول الشقيقة والصديقة». وأوضح التوفيق في كلمة ألقاها أمام الملك محمد السادس، خلال حفل التدشين، أن هذا الجناح الثالث المنجز من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية باستثمار إجمالي قدره 165 مليون درهم (16 مليون دولار) سيمتد على مساحة عشرة آلاف مترمربع، حيث يشتمل على جناح بيداغوجي (تربوي) بسعة 640 مقعدا، ومدرج كبير به 1100 مقعد، وجناح للسكن يضم 350 سريرا.
وذكر الوزير التوفيق، أن الأئمة الوافدين من بلدان أجنبية يتابعون تكوينا أساسيا أو تكوينا قصير المدى، مشيرا إلى أن المعهد استقبل طلبة منحدرين من مالي، وغينيا كوناكري، وكوت ديفوار، وتونس، وفرنسا، ونيجيريا، وتشاد، وأضاف موضحا «لحد الآن التحق 712 إماما ومرشدة في التكوين الأساسي ببلدانهم»، مشيرا إلى أن 35 من الغينيين، و33 من الفرنسيين، و107 من النيجيريين، و79 من التشاديين، و37 من التونسيين، استفادوا من دورات التدريب قصير الأمد الخاص بالأئمة العاملين في المساجد.
وأوضح الوزير التوفيق، أن 778 طالبا أجنبيا يتابعون دراستهم حاليا في المعهد، مؤكدا أن مدة التكوين تأخذ بعين الاعتبار مستوى تعليم المرشحين، ولا سيما فيما يتعلق بمستوى إتقانهم للغة العربية، مبرزا أن «مدة التكوين عامة بالنسبة للطلبة الأفارقة سنتان، وثلاث سنوات بالنسبة للفرنسيين»، وأن المعهد ينظم بتعاون مع المكتب الوطني للتكوين المهني تكوينات اختيارية قصيرة المدى في شعب الكهرباء والخياطة والزراعة والمعلوميات.
وحسب الوزير المغربي، يستقبل المعهد كل سنة 150 طالبا مغربيا، حصلوا على شهادات الإجازة بميزة، ويحفظون القرآن الكريم حفظا كاملا، حيث يتلقون تكوينا يمتد لاثني عشر شهرا، يتيح لهم أن يصبحوا أئمة مرشدين، يواكبون أئمة آخرين في تنفيذ مهامهم. كما تستقبل المؤسسة طالبات بالمستوى الجامعي نفسه، يحفظن جزءا مهما من كتاب الله لتلقي تكوين يمتد للفترة ذاتها، يتابعن خلاله البرنامج نفسه؛ سعيا إلى جعلهن مرشدات بالمساجد وبمختلف المؤسسات الأكاديمية والاجتماعية؛ وذلك بهدف نشر التعاليم الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف والاستجابة أساسا لقضايا المرأة.
من جهة أخرى، أوضح التوفيق أنه وبأمر من الملك محمد السادس، بصفته أميرا للمؤمنين والقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تم إحداث قسم خاص بالمعهد لتكوين الأئمة المرشدين المرشحين للتأطير الديني في صفوف القوات المسلحة الملكية، مبرزا أن عدد طلبة هذا الفوج وصل إلى مائة طالب، وتابع الوزير قائلا إنه «بالتنسيق مع القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية تم إعداد مشروع دليل لكافة المؤطرين الدينيين في صفوف هذه القوات»، سيعرض قبل النشر على نظر الملك محمد السادس.
وبهذه المناسبة، سلم العاهل المغربي شهادات التخرج لـ18 من خريجي معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات «فوج 2016»، المنحدرين من كوت ديفوار، وفرنسا، وغينيا، ومالي، ونيجيريا، وتشاد والمغرب. وقد أضحى معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، سنة بعد سنة، يفرض نفسه نموذجا ومنشأة مبتكرة ما فتئت تحظى بالإشادة لدى الأوساط الرسمية والشعبية، إن من أجل أبعادها أو الأهداف التي تروم بلوغها.
من جهة أخرى، أشرف العاهل المغربي، عقب أداء صلاة الجمعة أمس بمسجد «الرحمة» في الرباط، على تسليم جائزة محمد السادس للنساء المتفوقات في برنامج محاربة الأمية بالمساجد برسم السنة الدراسية 2016 – 2017، ويتعلق الأمر بكل من العزيزة إبراهيم (الرشيدية)، ونزهة عزوزي (كرسيف)، وعزيزة العلوي (سلا)، ونعيمة آيت علي إبراهيم (عين الشق)، وخديجة الطويل عقانا (طنجة).
وتم إطلاق برنامج محاربة الأمية بالمساجد تنفيذا للتوجيهات الملكية في خطاب 20 أغسطس (آب) 2000، والذي أمر فيه العاهل المغربي بأن «تفتح المساجد لدروس محو الأمية الأبجدية والدينية والوطنية والصحية، وذلكم وفق برنامج محكم مضبوط».
ومكّن هذا البرنامج المساجد من استعادة مكانتها الريادية في مجال التنوير والتوجيه الديني ومحو الأمية، إلى جانب دورها في بناء مجتمع ديمقراطي وحداثي منفتح، قائم على نبذ الإقصاء والتهميش ومحاربة الفقر والجهل.
وتمكن البرنامج الوطني لمحو لأمية بالمساجد، الذي تشرف على تنفيذه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من تسجيل نتائج تجاوزت بكثير الأهداف المسطرة في البداية، ولا سيما على ضوء ارتفاع عدد المساجد التي تشارك فيها، وزيادة عدد المؤطرين، والمنسقين والمستشارين التربويين.
وبلغ عدد المستفيدين من البرنامج برسم سنة 2016 – 2017، نحو 303 آلاف مستفيد، من بينهم 237 ألفا في المستوى الأول و65 ألفا في المستوى الثاني. وعبأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خلال هذا الموسم، نحو 6862 مسجدا، وكلفت نحو 7470 مؤطرا، و986 منسقا ومستشارا بيداغوجياً و370 مكونا بيداغوجياً من أجل تنفيذ هذا البرنامج.
وبالموازاة مع البرنامج الوطني لمحاربة الأمية في المساجد، تسهر الوزارة على تنفيذ برنامج محاربة الأمية بواسطة التلفزيون والإنترنت، الذي استفاد منه برسم سنة 2016 – 2017 أزيد من 298 ألف شخص.
ومن أجل ضمان نجاح هذه البرامج والعمل على استدامة مكتسباتها، تلتزم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمتابعة استراتيجيتها في مجال محاربة الأمية، وتفعيل توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المتعلقة بمحاربة الأمية، وذلك وفقا للرؤية الاستراتيجية المتعلقة بإصلاح منظومة التربية والتكوين. كما ستعمل على تطوير وسائل ومناهج التربية والتعليم، من خلال الاستثمار بكيفية أكبر في التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، إلى جانب إعداد دراسة لتقييم برامج محاربة الأمية.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.