ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة

انقسام الميليشيات يعزز موقف المشير حفتر

ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة
TT

ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة

ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة

كشفت جولة سريعة في عدد من المدن الليبية، خلال الأسبوع الأخير، أن صوت الرصاص ولغة الرجال الممسكين بالسلاح ما زالا أقوى من نغمات الجدل الدائر حول طاولات الحوار بين عدد من الأفرقاء الليبيين في تونس. وتنحصر جولات الحوار التي ترعاها الأمم المتحدة، وبعثتها برئاسة الدكتور غسان سلامة، في طرفين اثنين يظهر عليهما الخوف من المستقبل، هما ممثلون عن مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في الشرق، وممثلون عن مجلس الدولة، وهو مجلس استشاري يعقد جلساته في طرابلس غرباً، ويسعى لأن يكون مجلساً ذا كلمة مسموعة.
وبعدما ألقى الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني الليبي، نظرة على الخريطة الليبية، وتحسس نوع الرياح التي تهب عليها، مسح جبينه براحة يده، وقال في يأس: «يا أخي... ألا ترى أننا ما زلنا نعاني من هبوب رياح حلف الناتو... رياح دول الغرب. هذه رياح لا تطيب لليبيا، ولا يمكن أن يلتف حولها الشعب، رياح لا تنضج أي ثمار، بل تفسدها».
حقاً، يعتقد قطاع واسع من الليبيين أن العالم ما زال يحاول أن يرسخ أقدام القادة الذين انتفضوا ضد حكم معمر القذافي، الذي قتل في مثل هذه الأيام من عام 2011. وأن هذا العالم، سواء كان الأمم المتحدة أو الدول الكبرى التي تقف وراءها، يصر على تجاهل الغالبية العظمى من الشعب الليبي. ويقول المستشار صلاح الدين عبد الكريم، المسؤول في المنظمة السياسية الليبية، وهو يتنقل من منتدى سياسي إلى آخر، إن ما يجري على الأرض في ليبيا لا علاقة له بمحاولات جمع فريقي مجلس النواب ومجلس الدولة، الليبيين، في تونس.
ومن جانبه، يسعى المبعوث الأممي، الدكتور غسان سلامة، إلى تحقيق نتائج يثبت بها أمام العالم أنه قادر على رأب الصدع بين الليبيين، وقادر على الإمساك بالملف الليبي الملتهب من دون أن تتأذى أصابعه. ويقول سلامة في ثقة إن مناقشات تونس تحرز بعض التقدم، ويضيف في بيان له، يوم الخميس، أنه لا تزال هناك قضايا تتطلب المزيد من المناقشات، وأن لجنة الصياغة، المنبثقة عن كل من مجلس النواب ومجلس الدولة، ستعاود اجتماعاتها مرة أخرى، اليوم (السبت)، لمعالجة هذه القضايا في مقر البعثة الأممية بتونس.

خطة سلامة
خطة سلامة للحل في ليبيا تتركز على تعديل «اتفاق الصخيرات»، الذي نتج عنه وجود جسمي «المجلس الرئاسي» و«مجلس الدولة»، وقيامهما بممارسة مهام الحكم في ليبيا منذ مطلع العام الماضي. وكذلك العمل على إنجاز دستور للبلاد، ثم التهيئة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة قبل نهاية العام المقبل، على أن يجري - بالتزامن مع كل هذا - محاولة لتوحيد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها مؤسسة الجيش. غير أن المستشار صلاح الدين عبد الكريم يقول إن المنظمة السياسية الليبية ترى أنه يمكن الدخول في انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة، وترك الكلمة لصناديق الاقتراع.
وراهناً، أهم معضلة أمام المتحاورين في تونس تتعلق بالمادة الثامنة من «اتفاق الصخيرات»، التي تخص منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والجهة التي يحق لها تعيين المواقع العسكرية والأمنية. ويدور الخلاف حول دور الجنرال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، الذي تمكن من الإمساك بمساحات شاسعة من الأرض، وتحقيق انتصارات لافتة على خصومه خلال الشهور الأخيرة.
على كل حال، يستند مجلس النواب في مواقفه إلى القوة التي اكتسبها من انتخابه في 2014 من جموع الليبيين، في اقتراع نزيه شهد به العالم، كما يستند من مقر إقامته في طبرق بشرق ليبيا إلى انتصارات الجيش، بقيادة حفتر. ولدى مجلس النواب سلطة تنفيذية، هي الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني. وفي المقابل، يستند مجلس الدولة إلى الاعتراف الدولي بـ«اتفاق الصخيرات» ومخرجاته، وعلى عدة مجاميع مسلحة تخضع أحياناً لسلطة رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وسلطة رئيس مجلس الدولة عبد الرحمن السويحلي، وأحياناً أخرى إلى المجلس العسكري، القوي، في مدينة مصراتة.
وبالنظر إلى القوى الممسكة بالسلاح في ليبيا، فإنه يمكن قراءة مؤشرات الميزان بطريقة قد تساعد في فهم ما يمكن أن يحدث في المستقبل. ذلك أن الجيش الوطني، بقيادة حفتر، يبدو أكثر تماسكاً حتى الآن. ووفق الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني الليبي: «عدد الجيش، إذا ما ارتفع إلى ثمانين ألفاً أو تسعين ألف جندي، فإنه يمكن أن يحسم الأمور في عموم ليبيا». ويقول مسؤول عسكري: «تمكنا في وقت وجيز من ضم أكثر من ثلاثين ألفاً من الضباط وصف الضباط والجنود».
أما القوى المسلحة الأخرى، ومعظمها ذات طابع ميليشياوي، سواء في مصراتة أو في العاصمة طرابلس، فتبدو مفتتة متصارعة أكثر من أي وقت مضى. ولذا، يبدو أن مندوبي مجلس النواب يشعرون، وهم في تونس، بالتفوق على الأرض في الداخل الليبي، وهم يتحاورون مع مندوبي مجلس الدولة القادمين من مناطق هشة تشهد منافسة مسلحة تتفجر بين يوم وآخر، في طرابلس وما حولها.

وضع طرابلس الأمني
وفي حين كان مندوبو المجلسين يقيمون في الفنادق، ويتنسمون رياح البحر التونسي، قتلت ميليشيات محسوبة على السراج ومجلس الدولة مواطنين في منطقة الغرارات، في العاصمة، الثلاثاء الماضي. ومن المفارقات أن التعليمات التي صدرت للتصدي لمثيري الشغب في طرابلس، اصطدمت بحقيقة مُرَّة، وهي أن المجاميع المتهمة بإثارة هذا الشغب هي عبارة عن ميليشيا تدعى «كتيبة المنقار»، وهي تابعة أيضاً للمجلس الرئاسي، أو بالأحرى لوزارة الداخلية المنبثقة عن حكومة الوفاق، التي يرأسها السراج.
وبعد ساعات، امتدت الاشتباكات بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية إلى مناطق الهاني والسوق والميناء وذات العماد وبرج طرابلس، وأصبح هناك خوف من أن تصيب إحدى القذائف سفينة من سفن البضائع الراسية على ساحل العاصمة.
لقد كانت المناقشات بين عدد من القيادات السياسية والأمنية في طرابلس حول ملابسات الاشتباكات وسقوط الضحايا، مناقشات مثيرة للحزن وللسخرية أيضاً. وصاح أحد رجال الأمن: «سيدي... هل نرفع الغطاء القانوني عن (كتيبة المنقار)؟»، فيجيب صوت من وراء المكتب الموجود في غرفة واسعة: «ارفعه.. ارفعه. الآن!».
ويحدث هذا بينما يجري تجاهل حقيقة، مفادها أن كثيراً من الكيانات التي تعمل في ليبيا، تعمل أساساً بشكل غير قانوني، أو غير دستوري. وعلى سبيل المثال، لم تحظ حكومة الوفاق التي يرأسها السراج بثقة البرلمان حتى الآن. ومع ذلك، فهي تباشر أعمالها، وتستعين بمن ترى من الميليشيات، أو ترفع الغطاء القانوني عنها، كما حدث أخيراً. أضف إلى ذلك أن مجلس الدولة حين أسس بناء على «اتفاق الصخيرات»، كان عليه ألا يباشر عمله إلا بعد تضمين هذا الاتفاق في الإعلان الدستوري المعمول به كدستور مؤقت في ليبيا. وهذا لم يحدث.
هنا، يقول عبد الكريم: «(اتفاق الصخيرات) في الأصل كان عبارة عن محاولة لإطالة أمد المماطلات الفارغة». وبالعودة إلى ألسنة اللهب التي كانت تخرج من فوهات البنادق في ليل طرابلس، فقد عقد المجلس الاجتماعي لمنطقة «سوق الجمعة»، ذات النفوذ القوي، اجتماعاً عاجلاً لوقف الاقتتال. لكن عناصر من قوة الردع، التابعة للسراج، تقدمت في داخل السوق، وألقت القبض على السيد بَدَّاد، أحد قيادات المجلس الاجتماعي، واحتجزته لعدة ساعات. وتشعر «قوة الردع» بالخوف بعد أن قُتل عدد من قادتها في اشتباكات الأيام الثلاثة الأخيرة.

والوضع في مصراتة
ولا يبدو الوضع أفضل حالاً في مدينة مصراتة، الواقعة على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس، التي ينتمي إليها رئيس مجلس الدولة، السويحلي. ووفقاً لمصدر في المخابرات العسكرية في المدينة، فإن مجاميع تنظيم داعش التي تسعى للانتقام من مصراتة، جرى رصدها وهي تتحرك بسيارات الدفع الرباعي في مناطق تاورغاء والكراريم ومحيط مدينة زليتن. وبالتالي، رفعت المدينة درجة الاستعداد القصوى، ونفذت حملات للمداهمات الأمنية، وغيّرت مقار احتجاز الدواعش والمتطرفين الآخرين الذين تمكنت من القبض عليهم خلال الأيام الماضية.
أما في الجزء الشرقي من ليبيا، فيبدو أن المشير حفتر أصبح لديه الوقت - بعد عدة انتصارات لجنوده على ميليشيات متطرفة في الشرق والجنوب - ليجلس مع رجاله العسكريين، ويضع خططاً للتعامل مع الأزمة، بعيداً عن حوار تونس. وبحسب مصدر عسكري، فإن الجيش يريد أن يتوجه إلى الغرب... «يريد أن ينهي حكم الميليشيات لطرابلس ومصراتة وغيرها... يريد أن يحسم الأمور».
ويضيف تعليقاً على الحوار الذي يرعاه سلامة: «نحن قلنا منذ البداية إننا لا نرفض الحوار، ولا أي جهود تهدف إلى إعادة الاستقرار إلى ليبيا. لكن أقول، ببساطة، إنه لا علاقة لنا بالسياسة. وإذا كان هناك من يريد وضع حد للفوضى، فعليه أن يقف مع الجيش».

حوار تونس... و«ناتو»
من جهته، يصف الدكتور القشاط الحوار الحالي في تونس بأنه «حلقة من حلقات المسرحية الدولية التي بدأت ضد ليبيا منذ 2011، وما زالت مستمرة إلى الآن»، ويضيف: «المشكلة الآن أن الموجودين، الذين يتم تجميعهم، هم جماعة فبراير (قادة الانتفاضة ضد القذافي، وهؤلاء يتشكل من معظمهم كل من مجلس النواب ومجلس الدولة) الذين أتى بهم حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) قبل ست سنوات، ووضعهم على رؤوس الليبيين».
ويضيف القشاط أن «جماعة فبراير... هم، بدورهم، مختلفون... وما يجري من محاولات هو مجرد سعي لجمعهم حتى يتمكنوا من الاستمرار في تصدّر المشهد الليبي، على غير الحقيقة... لقد فشلت كل الحكومات التي جاءت بعد القذافي. وهذا الفشل أصاب غالبية الشعب الليبي بالإحباط واليأس».
أما فيما يتعلق بموقف القبائل، والمجموعات المحسوبة على النظام السابق، فيقول إن هؤلاء وقفوا منذ البداية ضد التدخل الدولي في ليبيا، وضد ضربات حلف الناتو... الحلف أساساً هو من وقف بصواريخه وطائراته وسفنه ضد القبائل والمجموعات المحسوبة على النظام السابق. ولذلك، ليس من الوارد أن يتم دمج هؤلاء، أو الإنصات إليهم، في الترتيبات الحالية لإنهاء الأزمة الليبية.
ويضيف موضحاً أن «رياح المصالحة، في حقيقتها، هي رياح الناتو... وهي نفسها التي تهب على ليبيا منذ 2011. الحكومات الليبية المتنافسة، الموجودة الآن، جاء بها الناتو، والمأزق هو أن هذه الحكومات غير قادرة على إدارة البلاد، والشعب يرفضها».

المخرج المحتمل
وعن المَخرج، وما يمكن أن يتم اتخاذه لكي تنصلح الأمور في ليبيا، يقول الدكتور القشاط: «توجد تجارب دولية في التعامل مع الإرهاب، ومع حالات الانقسام... هناك تجربة الجزائر، وتجربة جنوب أفريقيا، وتجربة مصر... وأعتقد أن أقرب حل لنا هو تجربة مصر؛ أي أن يتوحد الجيش الليبي، وأن يسيطر على هذه الميليشيات ويسلب منها السلاح، ثم يجتمع الليبيون ليقرروا نظام الحكم الذي يريدونه، وكذلك نوع العَلَم والنشيد... يجروا انتخابات، وصناديق الاقتراع هي التي ستفرز رئيساً للدولة ورئيساً للوزراء».
ويرى القشاط أن أي محاولات للحل لن تنجح ما دام هناك إصرار على تجاهل الجيش: «إنهم يعرقلونه... جماعة أوروبا وأميركا يقفون ضد عودة الجيش ووحدته لليبيا... انظر إليهم وهم يقفون في الأمم المتحدة ويقولون إنه ممنوع على الجيش الليبي أن يحصل على أسلحة؛ إنهم يمنعونه من الاستفادة من أرصدتنا المالية في الخارج. أنت تعلم أن غالبية جنود الجيش لا يتقاضون رواتب، ومع ذلك الجنود والضباط لا يتوقفون عن محاربة الإرهاب، بأقل الإمكانيات وفي ظروف صعبة».
وعلى الصعيد نفسه، هناك مجاميع من المتطوعين الشبان الذين أخذوا في الانتشار، خصوصاً في الشرق الليبي، ضمن مساعي قوى سياسية داخلية لبناء الدولة، بعيداً عن «الحوارات التي لا طائل من ورائها»، كما يقول المستشار عبد الكريم، مسؤول العلاقات الخارجية في المنظمة السياسية، الذي يضيف: «نعمل الآن استعداداً للانتخابات»، موضحاً: «الانتخابات ستجري قبل أي شيء آخر، لأن هذا ما نريده. أما جهود الأمم المتحدة، فحين نعلق عليها، لا بد أن ننظر إلى ما قامت به في السابق... لا شيء غير ترسيخ الانقسامات. مع احترامنا لها؛ الشيء الوحيد المنجز حتى الآن هو إطالة أمد الأزمة».
وعما إذا كانت هذه الانتخابات ستجري بناء على الدستور الذي دعا المبعوث سلامة إلى إنجازه للاستفتاء عليه أولاً، أوضح عبد الكريم قائلاً: «لجنة صياغة الدستور أمضت ثلاث سنوات وهي تحاول الانتهاء من عملها، ولم تتمكن. نحن نرى اليوم أن الإعلان الدستوري، القائم بالفعل، هو الذي سينظم أمور الانتخابات. لدينا هيئة وطنية عامة للانتخابات من حقها أن تفتح الباب للترشح. وبعد انتخاب رئيس للجمهورية والبرلمان، سيكون باقي العمل كله سهلاً؛ سنفتح بهذا طريقاً للمستقبل».
جدير بالذكر أن «المنظمة السياسية الليبية» تشكّلت كتجمع شعبي متكامل، انبثق مع «حركة الكرامة العسكرية»، أي مع الجيش بقيادة حفتر. وحسب عبد الكريم: «رغم الضغوط التي تتعرض لها المنظمة، ورغم عمليات الاغتيالات التي طالت عدداً من قادتها، فإنها مستمرة في عملها. لنا فروع اليوم في كل أنحاء ليبيا. الشباب يعملون وسط القبائل والمدن وفي القرى والواحات».
وللعلم، قبل بضعة أشهر، قُتل رئيس «المنظمة»، محمد بوقعيقيص، في تفجير بسيارة مفخخة، وقُتل معه من رفاقه سالم إحبيل القبائلي والعقيد منصور القناشي. كذلك تعرضت أموال «المنظمة» للعرقلة التي تحول دون الصرف منها من جانب مصارف يسيطر عليها شخصيات محسوبة على الجماعات المتطرفة - كما يقول عبد الكريم - مشيراً إلى أن من يريد أن يحل الأزمة الليبية «عليه أن يساعد الليبيين الذين يعملون على الأرض، وليس الاكتفاء بمقابلات ومصافحات في الخارج مع شخصيات لا علاقة لها بالواقع في الداخل».

بين اليأس والتفاؤل
في هذه الأثناء، في بنغازي كبرى مدن الشرق، ومدن ليبية أخرى، تسعى مجاميع من الشبان المتحمسين لتغيير الأحوال بأقل الإمكانيات، من دون أن يكون هناك التفات يذكر، من جانبهم، للجهود الدولية لحل المشكلة الليبية. ويقول أحد هؤلاء الشبان، ويدعى مصباح، وهو معلم في مدرسة في ضاحية الليثي ببنغازي، ويبلغ من العمر 27 سنة: «ماذا فعلت لنا الأمم المتحدة؟ لا شيء! نحن من سنقوم بالتغيير بأنفسنا».
وانطلق مصباح مع مجموعة من المعلمين والأطباء الشبان، وبعض التجار الصغار، لمواصلة جمع التبرعات من المواطنين: خمسة دنانير.. عشرة دنانير.. وهكذا. أي مبلغ من أجل مواصلة فتح قنوات الحوار الداخلي مع أقرانهم في مدن سبها وطرابلس ومصراتة وغيرها.
وحين وصلت مجموعة مصباح إلى منطقة خطرة، قد يكون فيها خلايا نائمة رافضة لمثل هذه التحركات المدنية المستقلة، اتصل المعلم ببعض أقاربه، وجاءت سيارتان لتأمين الطريق أمام المجموعة.
ويقول أحد زملاء المستشار عبد الكريم في «المنظمة السياسية» معلقاً: «نحن لا نعوّل على الحوار الحالي في تونس، لأنه ما زال يدور في الدائرة المغلقة نفسها، كما كان الحال أيام المبعوثين السابقين من الأمم المتحدة، برناردينيو ليون ومارتن كوبلر. ما دامت لا توجد نيات للاستماع إلى كل الليبيين، فالجهود الدولية ستستمر في هذه الحلقة المفرغة».
لكن غسان سلامة وعد بأنه، في مرحلة لاحقة، سيصار إلى دعوة جميع الليبيين، في مؤتمر كبير يحضره نحو ثمانمائة شخصية، لوضع النقاط على الحروف، والمضي بليبيا إلى بر الأمان.
عموماً... وفي شوارع مدن ليبية عدة، يمكن أن تلتقي بعناصر تحمل السلاح، وتقاتل من أجل الوجود، كما يحدث بين وقت وآخر بين ميليشيات طرابلس. أما في بنغازي، التي تحررت من الجماعات المتطرفة، فأصبح هناك شبان يحلمون بغد أفضل، ويؤمنون بقدرة الجيش على أن يتوحد في مؤسسة عسكرية واحدة، وأن يفرض الجنرال حفتر الأمن في البلاد. وحين تسأل عما إذا كان الوضع الأمني المنفلت، خصوصاً في غرب البلاد، يسمح بإجراء انتخابات، تجد إجابات حالمة في ضواحي بنغازي؛ من تلك التي يطلقها السياسيون في الروايات القديمة، مثل القول إن «الشعب هو مصدر السلطات»، و«الشعب قادر على النهوض من جديد وتحديد مصيره». ويقول مصباح وهو يحرك ذارعيه كأنه يرسم على لوحة كبيرة على صفحة الهواء: «الشعب الليبي قادر على أن يفرض نفسه. الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات».



قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.