محمود شمام في حوار مع «الشرق الأوسط»: ليبيا تشهد «حروبا أهلية أفقية» والبلاد تتجه لسياسة «حافة الهاوية»

وزير الإعلام الليبي السابق حذر من «صومال جديد» على البحر المتوسط.. ودعا لمؤتمر دولي على غرار «الطائف» أو «جنيف»

محمود شمام في حوار مع «الشرق الأوسط»: ليبيا تشهد «حروبا أهلية أفقية» والبلاد تتجه لسياسة «حافة الهاوية»
TT

محمود شمام في حوار مع «الشرق الأوسط»: ليبيا تشهد «حروبا أهلية أفقية» والبلاد تتجه لسياسة «حافة الهاوية»

محمود شمام في حوار مع «الشرق الأوسط»: ليبيا تشهد «حروبا أهلية أفقية» والبلاد تتجه لسياسة «حافة الهاوية»

حذر محمود شمام، وزير الإعلام في أول حكومة ليبية بعد ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، من الأوضاع الخطيرة والمواجهات المسلحة التي تشهدها بلاده، وذلك بعد نحو عامين من الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي الذي قتل في خريف العام قبل الماضي، قائلا في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» أثناء وجوده في القاهرة، إن الأطراف الليبية تتجه لسياسة «حافة الهاوية» التي قد تؤدي إلى حرب أهلية وتحويل الدولة إلى «صومال جديد» على البحر المتوسط.
وقال شمام إن كل الأطراف الليبية يبدو أنها تتجه بالأزمة إلى «ذروة عالية جدا من التوتر»، مشيرا إلى وجود انشقاق في التحالفات التي كانت بين «ثوار الأمس» الذين واجهوا قوات القذافي، وتوجد مخاوف في الوقت الحالي من مواجهات بين هؤلاء الثوار، معربا عن اعتقاده وجود رغبة من ميليشيات مدينة طرابلس الرئيسة في إبعاد ميليشيات مدينة مصراته القوية عن العاصمة، تمهيدا للدخول في معركة لاحقة أخرى ضد ميليشيات منطقة الزنتان الموجودة في طرابلس.
وأوضح شمام أن الحوار بين الفرقاء الليبيين، الذين يملكون قوة على الأرض، ربما وصل إلى طريق مسدود، وأضاف أن «السكة بينهم أصبحت غير سالكة»، وأنه بسبب هذه التطورات فإن ليبيا تحتاج إلى قمة تشبه «قمة الطائف» التي عقدت في المملكة العربية السعودية عام 1989 لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن تدخل بلاده في حرب مماثلة يصعب السيطرة عليها.
وشدد شمام، الذي يوصف بأنه ممن يحتفظون بعلاقات طيبة مع عدد من الشخصيات الفاعلة من مختلف التوجهات الليبية، على خطر «الحرب الأهلية الأفقية»، التي قال إنها جارية بالفعل في الوقت الحالي بين عدد من المناطق، خاصة في غرب البلاد. وأوضح أن التيار الإسلامي المسلح والآيديولوجيات المتطرفة ليست لها الأغلبية، «وهي مجمعات صغيرة معزولة سياسيا»، لكنها «تستطيع أن تجعل هذا البلد متوترا لفترة طويلة جدا».
وقال شمام إن ليبيا يمكن أن تتحول إلى كيان أخطر من الصومال، لأنه يوجد فيها المال والسلاح والمقاتلون، لكنه أعرب عن اعتقاده أن الدول المطلة على البحر المتوسط، ودول الجوار الليبي، والمجتمع الدولي، لن يسمحوا لأنصار تنظيم القاعدة والمتطرفين الإسلاميين باستخدام الإمكانات الليبية كرأس حربة في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.
وتحدث الوزير السابق عن موقف الدكتور علي زيدان، رئيس الحكومة المؤقتة، من الأوضاع المتفجرة في بلاده، معربا عن اعتقاده أن زيدان يتصور أنه يقدم خدمة جليلة إلى ليبيا بالحفاظ على آخر شكل دستوري أو مدني فيها، ويرى أن حكومته لو سقطت فسيكون من الصعب جدا تشكيل حكومة أخرى.
وإلى تفاصيل الحوار..
* كيف ترى الأوضاع اليوم في ظل الأحداث الدامية الجارية في ليبيا؟
- الأوضاع سيئة، ولكن يبدو أن كل الأطراف تتجه إلى سياسة «حافة الهاوية»، وهي الوصول بالأزمة إلى ذروة عالية جدا من التوتر. أعتقد أن هناك إجماعا شبه شعبي على أهمية خروج التنظيمات المسلحة من المدن، وخروجها حتى من السياسة بصورة عامة والعودة إلى أعمالها العادية وإعادة تأهيلها، وشيء من هذا القبيل. وما رأيناه بطرابلس في الأيام الأخيرة هو شق كبير في صفوف الحلفاء، مثل: (كتائب) مصراته و(كتائب) طرابلس. في اعتقادي، أن هناك رغبة حاليا من ميليشيات طرابلس الرئيسة، وهي «غرفة ثوار ليبيا»، وأيضا الجماعة الليبية المقاتلة، في إبعاد جسم مصراته الضخم - وهو جسم مؤهل وقوي - عن العاصمة، تمهيدا للانفراد بالعاصمة تمهيدا للدخول في معركة، ربما مستقبليا، ضد (كتائب) الزنتان. مصراته اتخذت موقفا تصعيديا آخر، يدخل في نطاق سياسة «حافة الهاوية»، وهي الانسحاب من مؤسسات الدولة كافة، وهي الوزارة و«المؤتمر» (البرلمان)، وانسحابها العسكري (من طرابلس). إذن، مصراته توحي للجميع بأنها إذا خرجت من طرابلس فإنها ستخرج من المشهد السياسي الليبي. ومصراته تملك كل مقومات الصمود والبقاء منفردة. لديها ميناء على البحر، ولديها مطار، ولديها حركة تجارية نشطة، ولديها قوات عسكرية منظمة، وبالتالي لديها كل ما يمكن أن تستغني به عن العاصمة وتضغط على العاصمة من الخارج. هذا، في اعتقادي، سياسة «حافة الهاوية» التي تضعنا جميعا، سواء في شرق ليبيا أو غربها أو جنوبها، أمام مسؤولية الخروج من هذا المأزق.
* كيف؟
- أعتقد أن الخروج من هذا المأزق ليس بالسهل، ولكن ليس بالمستحيل. أعتقد أن الأطراف الليبية ما دامت هناك خلافات نشبت الآن بين حلفاء الأمس - بين مصراته وسوق الجمعة وتاجوراء وغيرها (من كتائب في طرابلس)، فهذا يعني أن الليبيين غير قادرين على التحاور مباشرة. يمكن أن تقول إن «السكة أصبحت غير سالكة»، وهنا تكمن أهمية التدخل الدولي.. ليبيا تحتاج إلى «طائف»، أي مؤتمر مثل مؤتمر الطائف الذي انعقد في المملكة العربية السعودية من أجل حل المشكلة بين الفرقاء اللبنانيين. مؤتمر الطائف أعاد تركيب الصيغة اللبنانية من جديد، وأعتقد أن الصيغة الليبية تحتاج إلى إعادة النظر، ليس فقط في مركزيتها أو عدم مركزيتها، ولكن في توازن القوى الموجودة داخلها أيضا. لا يمكن حكم هذه المناطق الشاسعة بشكل مركزي. وواهمون بعض ممن هم في «المؤتمر الوطني»، أو بعض ممن هم في الكتل السياسية، أو بعض ممن هم في التشكيلات العسكرية، إذا اعتقدوا أنه يمكنهم الانفراد أو الاستفراد بطرابلس واتخاذ قرار مركزي يسري على ليبيا كلها.. فهم مخطئون.
* وما الحل في رأيك؟
- أعتقد أن ليبيا الآن في حاجة إلى خطوة شجاعة نحو التوجه إلى نظام غير مركزي.. قد يكون النظام الفيدرالي مرفوضا، أو قد تكون قد جرت التعبئة ضده، ربما بشكل خاطئ في كثير من الأحيان، واتهامهم بالرغبة في الانفصال.. إلا أن انسحاب مصراته الآن، أو انكفاء مصراته الآن - إن صح التعبير، سوف يقوي حجة الفيدراليين. ولكن، الآن، مرحليا، ما أدعو إليه، حتى لا نزداد تفتتا أكثر من التفتت الحالي، هو إقامة حكم لا مركزي قوي. وهذا لا يكون فقط بالإشارة إلى «الحكم المحلي». الحكم المحلي إذا لم يكن له محتوى حقيقي غير مركزي، فإنه يتحول إلى وزارة.. و(عندها) يكون وزير الحكم المحلي هو الذي يتحكم في المحافظات أو الأقاليم. هذا ليس صحيحا.. في اعتقادي أن ليبيا تحتاج إلى نظام المحافظات. ربما ليبيا تحتاج إلى سبع محافظات.. هذه المحافظات يجب على المحافظين فيها أن يحظوا بسلطة رئيس الوزراء في التصرف في الوزارات والمؤسسات ما عدا الوزارات السيادية، وهي: «الدفاع» و«الداخلية» و«الخارجية» و«النفط» و«المالية». وبالتالي، هذا أمر من المهم أن يناقش بجدية بعيدا عن التخوين وبعيدا عن اتهام الأطراف بعضها بعضا بالسعي إلى التقسيم وإلى تفتيت البلاد. بينما في الحقيقة الذي يفتت ليبيا هو حكم الميليشيات.. هذا الأمر حولنا، في الوقت الراهن، إلى قبائل، وجهات، ومؤسسات مؤدلجة، ومؤسسات غير مؤدلجة. وكلها تسعى لشرعنة نفسها تحت وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية أو رئاسة الأركان، وهي شرعنة زائفة.
* كيف يمكن أن ينتهي الأمر؟
- هذه الفوضى يجب أن تنتهي، وأن تنتهي بشجاعة، ولهذا أدعو إلى «أوسلو» أو إلى «طائف» أو إلى «جنيف» بحيث تلتقي.. واللقاء هنا، في الحقيقة، ليس للكيانات السياسية.. الكيانات السياسية قد تكون جزءا من هذا، لكن اللقاء للقوى الحقيقية التي تملك قوة على الأرض، سواء كانت هذه القوة قبلية أو جهوية أو مؤدلجة. إذا لم تلتق الرؤوس الحقيقية التي يمكن أن تقودنا إلى الخراب وإلى الحرب الأهلية، فسنجد أنفسنا على أعتاب الحرب الأهلية أو داخلها. أذكر أن اللبنانيين لم ينتبهوا إلى أنهم في حرب أهلية إلا بعد سنتين من نشوبها. ولقد أطلقت على ما يجري في ليبيا حاليا «حروب أهلية أفقية».. موجودة خاصة في (مناطق) الغرب الليبي؛ موجودة بين «الزاوية» و«ورشفانة».. وبين «زوارة» و«رقدالين»، وبين «الزنتان» و«المشايشة»، وبين «مصراته» و«ورفلة» و«تاجوراء». هذه حروب أفقية. في اعتقادي، نحن الليبيين سنظل عاجزين بسبب مدى العنف الذي رأيناه وبسبب هذا الكم الهائل (من الميليشيات). لا أحد يعرف العدد الحقيقي للميلشيات العسكرية. قد يصل العدد للمئات، وقد استهلكت جزءا كبيرا من خزانة الدولة ومن أموال ليبيا. وبالتالي، هذه الوقفة مهمة جدا ويجب أن تكون تحت شعار «لا للسلاح».
* وإلى أي مدى يمكن الاستجابة لمثل هذه الدعوة؟
- أعتقد أنه يوجد أمران.. يوجد الصادقون الذين انضموا إلى هذه الكتائب، وعلى هؤلاء أن يرجعوا إلى أعمالهم العادية أو أن يؤهلوا أنفسهم للدخول كأفراد في أي من مؤسسات الدولة.. والأمر الثاني هو أن هناك القتلة، الذين ارتكبوا جرائم قتل في بنغازي وفي درنة وفي سرت، ثم في طرابلس الآن. هؤلاء القتلة لا بد أن يحالوا إلى القضاء.
* في رأيك، ما القوى الفعلية التي تملك قدرة على الأرض. أغلبية السلاح في يد من؟
- كما قلت لك، السلاح موزع جهويا، أو آيديولوجيا، أو قبليا..
* لكن الأغلبية لمن.. من يمكن أن يحسم الأمر بالسلاح؟
- توجد قوى قوية، معظمها في الغرب الليبي. إذا ذهبنا من الغرب إلى الشرق، فإن معظم الميليشيات موجودة في الغرب. هناك «الزنتان» التي لديها من ثلاث إلى أربع ميليشيات، وهي ميليشيات قوية ومسلحة تسليحا جيدا، وهي قوة لا يمكن إنكارها في غرب طرابلس - كما يقال. هناك أيضا «ورشفانة» التي أصبحت الآن أيضا قوة لا يستهان بها، وهي قوة أيضا مهمة جدا في الغرب. وتوجد كذلك قوة في «الزاوية».. ثم نجد أيضا أن هناك ما يسمى «ميليشيات طرابلس»، وهي في معظمها ميليشيات أمنية، مثل «النواصي»، و«اللجنة الأمنية العليا» (وأنا أعدها ميليشيا وليست جسما يتبع السلطة). ثم هناك «(ميليشيا) معيتيقة»، وهي مجموعة (عبد الحكيم بلحاج)، وهي متمركزة ولها امتدادات في «سوق الجمعة» وفي «تاجوارء».. «معيتيقة» و«سوق الجمعة» هي (ميليشيات) مؤدلجة، وكلها تتبع تيارا إسلامويا متدرج الشكل، وأحيانا يتفق مع الإخوان المسلمين وأحيانا تكون الخلافات بينهم. ثم هناك بعض الميليشيات، التي هي ميليشيات - إن صح التعبير - طرابلسية، ثم داخل طرابلس هناك الكثير من المنظمات غير الشرعية التي تتاجر في المخدرات وتتاجر في الخمور وغيرها، ولديها قوة عسكرية ظاهرة.. ثم تأتي مصراته (إلى الشرق قليلا من طرابلس) كثقل كبير جدا، وربما هي أقوى الميليشيات. وتوجد فيها أكثر من مائة ميليشيا، ولكنها في النهاية هي قوة مصراته العسكرية الأساسية. وفي سرت، هناك وجود للجماعات الإسلامية المتطرفة. وأيضا هناك كتيبة صلاح بوحليقة، وهي تدخل أيضا ضمن هذه النطاقات التي تحدثنا عنها. ثم نأتي إلى الشرق.. الآن، «السيد الجضران (أحد الداعين للفيدرالية في الشرق)»، الذي يسيطر على منابع النفط، لديه أيضا قوات. وربما هذه القوات انقسمت بعد انسحاب السيد صديق الغيثي (أحد قيادات الشرق) منها، ثم أيضا هناك الميليشيات التي تحاصر بنغازي وهي ميليشيات «أنصار الشرعية» و«17 أكتوبر» و«رافالله السحاتي».. ثم نأتي إلى درنة التي يسيطر عليها «سفيان جومة (متهم بموالاة تنظيم القاعدة)» وجماعة الجهاديين، وبالتالي هذا هو التنوع الكبير والخطير في هذه الميليشيات. هذه خريطة الميليشيات، ولكن أعتقد أن الصراع الحقيقي بينها يجري في غرب ليبيا. لأنه في شرق ليبيا تمكنت «جمعة إنقاذ بنغازي» (مظاهرات الأهالي ضد الميليشيات خريف العام الماضي) من تحجيم التنظيمات العسكرية الموجودة في بنغازي، وكلما حاولت العودة تجد مقاومة من أهالي بنغازي، وهي موقع خلاف على الأقل بين أهالي مدينة بنغازي نفسها.
* هل التيارات الإسلامية المسلحة تمثل خطرا؟
- بطبيعة الحال، تمثل خطرا.
* هل لأن لها الأغلبية؟
- لا.. بل لأن لديها آيديولوجية محددة ولديها تصميم واضح جدا.. هم يقولون «(تطبيق) شرع الله أو لا شرعية».. ولكن شرع الله هذا غير محدد، لأن هؤلاء يقولون شرع الله في بلد إسلامي بطبيعته، وهو بلد في معظمه سني وفي معظمه مالكي، ويقولون ذلك كأن هذه البلاد لا تعترف بشرع الله! وبالتالي، هذه الآيديولوجيات المتطرفة خطيرة لأن آيديولوجيتها أممية وليست محلية. بمعنى أنك تستطيع أن تتفاهم مع مصراته أو مع الزنتان أو مع الورشفانة أو مع سوق الجمعة أو تاجوراء، ولكن لا تستطيع أن تتفاهم مع ميليشيا هي في الواقع تضم جزائريين وموريتانيين وأفغانا وشيشانا، وأفارقة يأتون من مالي. وبالتالي، أصبحت هذه الجماعات الإسلامية المتطرفة جماعات خطيرة، لأنها أولا جماعات إقصائية تريد أن تقصي كل من لا يفهم الدين الإسلامي بمنظورها هي، وهي مجموعات عنيفة وتتحمل مسؤولية جزء كبير من القتل. إذن، هذه المجموعات هي مجموعات صغيرة وهي مجموعات معزولة سياسيا واجتماعيا وثقافيا في المحيط الموجودة فيه، لكن هذه المجموعات تستطيع أن تتحكم في مفاصل الحياة اليومية لليبيين وأن تجعل هذا البلد متوترا لفترة طويلة جدا، ومفتوحا على كافة الاحتمالات القادمة مع الناشطين والمتطرفين من دول شمال أفريقيا.
* هل هذا يعني، بطريقة أو بأخرى، أن ليبيا مرشحة لأن تكون صومالا جديدا؟
- يمكن أن تتحول ليبيا إلى صومال بـ«7 نجوم».
* بمعنى؟
- بمعنى أن ليبيا يوجد فيها المال والسلاح والرجال؛ أي المقاتلين.. وهذا أمر خطير جدا. وهذا أمر في اعتقادي لن تسمح به (الدول المطلة على) البحر المتوسط. إذا اعتقد أنصار «القاعدة» أو المتطرفون الإسلاميون أنهم يمكن أن يكونوا رأس حربة تستخدم الأموال الليبية والنفط الليبي والشاطئ الليبي الممتد في مواجهة أوروبا بطول ألفي كيلومتر، وتستخدم العمق الصحراوي الليبي الذي يصل إلى قلب أفريقيا.. إذا اعتقدت هذه الجماعات أنها تستطيع أن تحول ليبيا إلى نقطة ارتكاز دون أن تثير الضفة الأخرى من البحر المتوسط، في الجانب الشمالي، فإنها تكون مخطئة. هذه هي النقطة التي يمكن فيها أن تتدخل القوى التي لا تريد أن تتحول ليبيا لنقطة ارتكاز مع الصومال. وأنا أعتقد أنه يوجد فهم لهذا الأمر، ولذلك هم لا يزيدون من مقدار التوتر الذي قد يثير الأوروبيين. ربما يكونون قد أخطأوا في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي واغتيال السفير الأميركي لدى ليبيا (خريف 2012)، وقد استفادوا من هذا الدرس. كما أن الولايات المتحدة تطاردهم وتتجسس عليهم، ويمكنها أن تصل إليهم كما حدث مع «أبو أنس (الذي جرى القبض عليه من طرابلس قبل شهر بواسطة قوات أميركية وجرى نقله خارج ليبيا)». الأميركيون لا يهتمون بمن يقتل الليبيين، لكنهم يهتمون بمن يقتل أميركيين وأوروبيين. وبالتالي، هم سيكونون في مواجهة مباشرة مع هذه الجماعات المسلحة.
* أشار أحد قادة الجهاد في مصر إلى وجود تحالف قوي بين «الإخوان» و«القاعدة» في ليبيا. إلى أي حد هذا صحيح؟
- أولا، في البداية أقول إن «الإخوان» لا يشاركون في القتل، أي لا يشاركون في العمليات.. «الإخوان» بطبيعتهم مثل «النادي الخاص» أكثر منهم حزبا سياسيا، ولكن هم المحرضون.. يحرضون على الأطراف السياسية الأخرى. هم أول من حرض ضد العلمانية والليبرالية، وهم أول من خلق العدو الوهمي. وهذا العدو الوهمي هو الذي يستفز الأطراف المتطرفة، فتقوم بتنفيذ عمليات ضد الرموز كما حدث في حالة عبد السلام المسماري (الناشط الحقوقي الليبي الذي اغتيل قبل شهر). أيضا هذه التيارات المتطرفة، بوعي أو من دون وعي، تتحالف أو تنسق أو تلتقي على نفس الهدف مع بقايا نظام القذافي، وبالتالي لا أستبعد أن يكون هناك تنسيق بين هذه الجماعات المتطرفة، التي حاربت القذافي لفترة (خلال التسعينات)، ومن تبقى من ذلك النظام.
* البعض يتحدث عن خطر على الجوار الليبي من مثل هذه الجماعات؟
- نعم.. لأن الحدود ببساطة مفتوحة، والسلاح لا حد له، بل كل أنواع الأسلحة. الذين قتلوا بطرابلس في المظاهرات (يوم الجمعة الماضي) قتلوا بأسلحة ثقيلة، وليس بالقنص أو البنادق أو المسدسات. وهذا يعطيك مؤشرا على حجم السلاح الهائل الموجود في ليبيا. وأيضا ليبيا بها أماكن جيدة للتدريب وأماكن جيدة للإيواء. بالتالي، إذا ما حدثت أي حالة من الإرهاب أو التطرف أو التعكير السياسي والعملياتي في مصر، فطبيعة الحال خوف مصر سيأتي من ليبيا، وكذا خوف الجزائر ومالي والسودان وتونس سيأتي من ليبيا. وإذا اعتقد الليبيون أنه بسكوتهم عن وجود السلاح والميليشيات والحدود المفتوحة والبحر المفتوح، لن يحدث استفزاز لجيرانهم، فهذا غير صحيح.. عندما يشعر جيران ليبيا بالخطر فسيكون التدخل ضد هذه الجماعات في ليبيا تدخلا شرعيا، وسيفهم حتى على المستوى الدولي، لأنه تدخل لحماية أنفسهم من الخطر الذي قد يأتي من ليبيا، ولهذا على الليبيين أن ينظفوا دارهم وأن يرتبوا أمورهم وأن يمنعوا التورط في أعمال تمس جيرانهم.
* وماذا يمكن أن تفعل حكومة الدكتور علي زيدان في ظل هذه الأوضاع؟
- أعتقد أنه من المزايدة السياسة تحميل الحكومة المسؤولية. حكومة زيدان هي خليط من الإخوان المسلمين و«التحالف الوطني». وهذه الحكومة تتعرض لهجمات من «التحالف» ومن «الإخوان»، وهي حكومتهم. زيدان، في اعتقادي، يتصور أنه يقدم خدمة جليلة إلى ليبيا، وهي الحفاظ على آخر شكل دستوري أو مدني في البلاد، لأنه يعتقد أنه لو سقطت حكومته فسيكون من الصعب جدا تشكيل حكومة أخرى، وبالتالي ستكون هناك فترة فراغ. زيدان سياسي محنك، وهو يقطع الوقت حتى يصل الليبيون إلى قناة يتوصلون عن طريقها إلى حل. وهو يرى أن بقاءه على رأس هذه الحكومة، وإدارة هذه الأزمة، بأقل قدر ممكن من الخسائر، يخدم مستقبل ليبيا، قد يتفق معه البعض أو يختلف معه، لكنه يدير هذا الفهم بشكل لا بأس به. وأعتقد أن الحكومة اتخذت خطوة في اتجاه المجتمع الدولي.. مثل تدريب أوروبا وأميركا للجيش الليبي، وهذه الخطوة تستفز البعض. وزيدان يتمتع بتغطية دولية وعربية لا بأس بها، وهو يتحرك دوليا وعربيا بكفاءة أكثر من تحركه الداخلي. هو يعتقد أن بقاءه في الحكم سوف يزيل المشاكل وأن حلها يحتاج لوقت طويل جدا. أعتقد أن مشكلة زيدان في وزارته.. أنه ليس لديه فريق سياسي جيد يدير معه الأزمة. هو لاعب فردي، ومعظم وزرائه مشلولون.



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.